تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

في مقبرة اليهود العراقيّين... عند قبر "بليبل" الّذي يتبرّك به مسلمون

إمرأة مسلمة شاهدناها في مقبرة يهود العراق قالت إنها تشعل شموعاً على قبر يهودي تعتقد أنه من نسل النبي موسى...
RTR4UYH9.jpg

العراق، بغداد - في منطقة الحبيبيّة ببغداد، هناك مقبرة بمساحة خمسة دونمات تضمّ قبور نحو أربعة آلاف يهوديّ. لا ورود هنا، بل القليل من الزوّار، والصمت. لن نتوقّع أن نرى يهوديّاً يقف عند قبر، فالأسر اليهوديّة الّتي دفنت موتاها في هذا المكان هاجرت من العراق في الأعوام 1950- 1951 ، ولم يتبقّ غير تسعة يهود فقط، بحسب ما قاله عضو لجنة الأوقاف والشؤون الدينيّة النيابيّة علي العلاّق في تصريح لوسائل الإعلام في 22 يوليو/تموز من عام 2015، بعدما كان عددهم في حدود الـ130 ألف نسمة في عام 1941.

هذا الرقم حول أعداد اليهود، يؤكده ستيفن فاريل من صحيفة "نيويورك تايمز" ، الذي زار العراق في 2008 ، اذ يقول بأنّ "من الصعب جمع عشرة رجال يهود داخل بغداد، التي شكلت بؤرة تركز المجتمع اليهودي العراقي في ما مضى".

وقوّى الاضطراب السياسيّ الحاليّ لدى العراقيّين نزعة الحنين إلى ماض قديم عاش فيه المسلمون واليهود بإخاء، وفي هذا السياق، كشف رئيس لجنة الأوقاف والشؤون الدينيّة النيابيّة عبد العظيم العجمان لوسائل الإعلام في 22 يونيو/حزيران من عام 2015، عن قيام ممثّلين ليهود عراقيّين بعقد إجتماعات داخل البرلمان العراقيّ، للبحث في وثيقة السلم المجتمعي العراقي.

"المونيتور"، الّذي لم يتعرّف على يهوديّ حيّ، عوّض عنه بزيارة التّربة الّتي دفن فيها اليهود، فهي أحد المعالم عن وجودهم القديم. لقد دخلنا من بوّابة صدئة، وشاهدنا قبوراً مبنيّة بالإسمنت والرمل يعلوها الغبار، وتظهر شواهدها المكتوبة باللّغة العبريّة. كما بدا واضحاً أنّ ممرّات المقبرة لم تدسها الأقدام، إلاّ بين الحين والآخر، لكنّ مفاجأة انتظرتنا هناك، فما من زوّار غير المسلمين.

وقالت لـ"المونيتور" امرأة مسلمة اسمها أم عصام (65 سنة): "بعض المسلمين يقصدون المقبرة بهدف التبرّك بقبر شخصيّة مقدّسة اسمها (بليبل) يقال إنّ نسبها يعود إلى النبيّ موسى".

وقالت أيضا: "أزور هذا المكان بين الحين والآخر، واعتدت زيارة قبر بليبل وإشعال الشموع".

وأضافت: "هناك مسلمون يزورون هذا القبر اليهوديّ، بعد أن حقّق لهم الكثير من الأمنيات".

وكشف حديث أم عصام، الروح الشعبيّة القديمة الّتي طالما امتلك العراقيّون عنها تذكارات جميلة تشير إلى روح التّعايش بين الأديان والقوميّات. ولعلّ هذه الروح هي موضوع دائم للنوستالجيا العراقيّة في أيّام الإضطراب هذه.

لقد تعرّف "المونيتور" على زياد محمّد، وهو رجل مسلم، أشرفت عائلته على شؤون المقبرة، منذ ستينيات القرن الماضي وحين توفي والده في بداية الثمانينيّات، تسلّم هذه المهمّة، فهو يقوم بمهام الحراسة ومساعدة الزوّار على قلّتهم وتلبية طلباتهم".

واعتقد أنّ "زيارة المسلمين لهذه المقابر اليهوديّة تدلّ على روح التّسامح بين أبناء العراق، واحترام أصحاب الديانات لبعضهم البعض"، مشيراً إلى حقيقة مثيرة حقّاً "فرغم الإهمال البادي على المقبرة، إلاّ أنّ أحداً لم ينتهك حرمتها حتّى في فترة الفتنة الطائفيّة من الأعوام 2005 إلى 2007".

وقال لـ"المونيتور": "إنّ أحد اليهود المغتربين زار المقبرة في عام 2003 أيّ بعد الإطاحة بنظام صدّام حسين، لزيارة أضرحة تعود إلى ذويه، فأكّد له هذا أنّ أغلب اليهود يخشون زيارة العراق سواء أكان في عهد النظام العراقيّ السابق أم في الوقت الحاضر بسبب الأوضاع الأمنيّة المضطربة في البلاد".

هذه الحكاية نقلناها إلى الباحث في التاريخ العراقيّ حليم الياسري، وهو مدرس متقاعد لمادة التأريخ في المرحلة الاعدادية، الّذي علّق عليها قائلاً: "التآلف الدينيّ الّذي يتحدّث عنه زياد مرّ بمنعطفات تاريخيّة، والأحداث السياسيّة هي الّتي تسبّبت في الأحقاد الدينيّة".

وذكّر بـ"روح الإنتقام من اليهود الّتي سادت الشارع العراقيّ بعد تأسيس دولة إسرائيل في الـ1948، ليهجّروا بشكل جماعيّ في عام 1950، بسبب الاعتقاد أنّهم يتعاطفون ويدعمون احتلال فلسطين على أيدي أفراد المنظّمات الصهيونيّة واليهوديّة".

ومن جهته، أكّد الباحث الإجتماعيّ نذير الأسدي من بابل لـ"المونيتور" عراقيّة اليهود ووطنيّتهم، وقال: "اليهود مواطنون عراقيّون، شاركوا في بناء البلاد، وكان لهم دورهم في السياسة والإقتصاد، لما امتلكوه من مهارات في السياسة والتجارة، وكانت لهم مراكز إجتماعيّة ودينيّة ومتاجر ومعامل وعقارات ومزارع".

هذا ويعود تاريخ الطائفة اليهوديّة في العراق إلى الموجة الأولى من الأسرى، الّذين جلبهم الآشوريّون من بلاد كنعان، إلى إقليم كردستان في عهد الملك سنحاريب (701) ق.م بعد الهجوم على مملكة يهودا. ثمّ حدثت الموجة الثانية من تهجيرهم إلى العراق في عهد الملك نبوخذ نصّر(597) ق.م، بعد احتلاله أورشليم وأسره نحو خمسين ألف شخص.

ومنذ تلك السنوات الموغلة في القدم، عاش اليهود في العراق، وتركوا بصماتهم وآثارهم عليه. وفضلاً عن مقبرتهم وشواهد مثاويهم، هناك الكثير من المعالم اليهوديّة في بعض مدن العراق منها قبر النبيّ ذي الكفل في جنوبيّ بابل (100 كلم جنوبيّ بغداد)، ومحلّة التوراة في بغداد، ومقام النبيّ دانيال في الموصل (465 شماليّ بغداد)، الّذي فجّره تنظيم "داعش" في 23 تمّوز/يوليو من عام 2014، ومعبد التوراة في سامراء (125 كيلومتراً شماليّ بغداد)، الّذي تحوّل إلى دار سكنيّ، بعدما رحل عنه أصحابه إلى إسرائيل في أربعينيّات القرن الماضي، ومعبد التوراة في منطقة العشّار في البصرة (545 كلم جنوبيّ بغداد) المشيّد في عام 1915 على نفقة اليهود.

وفي واقع الحال، إنّ أغلب هذه المعالم الّتي تشكّل كنوزاً تاريخيّة، تعاني الإهمال، باعتراف عضو لجنة الثقافة في البرلمان العراقيّ النائب شوان داوودي، إذ قال لـ"المونيتور": "مجلس النوّاب دعا الحكومة إلى البدء بآليّة ترميم وتطوير المعالم التاريخيّة والتراثيّة".

إنّ ازدحام العراق بالمعالم التاريخيّة، من مختلف الأديان والمذاهب، يقوّي الميراث الوطنيّ التعدديّ، ويسهم في تجاوز الكراهيّة الدينيّة والمذهبيّة، لان هذه الشواهد التأريخية، تُشعِر العراقيين بتاريخهم المشترك الذي صنعه العراقيون من مختلف الطوائف والأديان والمعتقدات.