تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

فلسطينيّون معدومو المكانة القانونيّة

استفراد اسرائيل بالسلطة المدنية والاجتماعية، يحرم 40000 - 50000 فلسطيني يعيشون في قطاع من أي مكانة قانونية.
RTX1OGIS.jpg

رفح، قطاع غزة - يعيش في قطاع غزة فلسطينيون معدومي المكانة القانونية، فلا يحملون بطاقات هوية تعترف بها إسرائيل، لأسباب مختلفة، وبالتالي لا يتمتعون بمكانة أيًا كانت في أيّ دولة أخرى، ويحمل هؤلاء "الهوية الزرقاء" وهي مجرد بطاقة تعريف شخصية يصنف حاملها "بدون جنسية" وهي بطاقة منحتها حكومة حماس السابقة للفلسطينيين الذين دخلوا بعد "فك الارتباط" عام 2005 إلى قطاع غزة عن طريق معبر رفح بتصاريح زيارة، أو بوثائق سفر مؤقتة صادرة عن دول عربية أو أجنبية ، ولكل شخص من هؤلاء قصته الخاصة مع اللجوء وفقدانه مكانته القانونية.

رسّخ النص التأسيسي للسلطة الفلسطينية المتمثل باتفاق أوسلو 1993، الذي لا تطبق اسرائيل منه سوى الشق الأمني، حيث لم تعطِ السلطة الفلسطينية سيطرة كاملة للتصرف بالشؤون المدنية والاجتماعية التي يقع سجل السكان ضمنها فروعها، في الفقرة الثانية من البند السادس لاتفاق اعلان المبادئ في أوسلو ما يلي: "حالا بعد دخول اعلان المبادئ هذا حيز التنفيذ والانسحاب من قطاع غزة ومنطقة اريحا آخذين بعين الاعتبار ترويج التطوير الاقتصادي لقطاع غزة ومنطقة اريحا ستنقل السلطة الى الفلسطينيين في المجالات التالية: التعليم والثقافة الصحة، الشؤون الاجتماعية، الضرائب المباشرة والسياحة، وسيشرع الجانب الفلسطيني في بناء قوة الشرطة الفلسطينية حسب ما هو متفق عليه."

وفي هذا السياق يورد "مركز المعلومات الاسرائيلي لحقوق الانسان في الاراضي المحتلة- بتسلم" معلومات أكثر دقة بتقريره الصادر بتاريخ 21/7/ 2013 بخصوص السكان معدومي المكانة القانونية، جاء فيها: "تقرّر في الاتفاقيات أن تسيطر السلطة على السجلّ السكاني وأن تديره، وأن تُنقل إليها صلاحيات إصدار بطاقات هوية وتصاريح الزيارة وتسجيل الأطفال الذين وُلدوا في الخارج حتى بلوغهم 16 عامًا، شريطة أن يكون أحد الوالدين مسجلا كأحد سكان المناطق المحتلة. ولكن، تقرر في الاتفاقيات أيضًا أنّ على الجانب الفلسطيني إخبار إسرائيل بكلّ تغيير يجريه في السجلّ، كما عليه أيضًا الحصول على تصديقها من أجل منح الإقامة لأزواج وأولاد السكان الفلسطينيين في إطار إجراءات لمّ الشمل، بالإضافة لإصدار تصاريح زيارة للمناطق المحتلة"

عام 2000 جمّدت إسرائيل عملية تسجيل المستجدات والتغييرات في نسخة السجلّ السكانيّ الموجودة لديها، ومن وقتها وهي لا تعترف بالتغييرات التي تجريها السلطة الفلسطينية، ولا تسمح للسلطة سوى بتسجيل الولادات والوفيات فقط، وباستبدال البطاقات البالية حسب تقرير بيتسلم الذي تم الاشارة إليه. ونتيجة لعملية التعطيل هذه لا تملك السلطة الفلسطينية أو حكومة حماس التي تسيطر على الأرض أيّ إمكانية لإصدار بطاقات هوية للسكان معدومي المكانة القانونية أوتصديق طلبات لمّ الشمل."

تحدثت تقارير صحفية صادرة عن حكومة حماس السابقة، المسيطر الفعلي على قطاع غزة إلى الآن، أن حكومتها اصدرت 22 ألف و365 بطاقة تعريف "هوية زرقاء" فيما ذكر مركز "بيتسلم" أنه يصل عدد الفلسطينيتين من قطاع غزة معدومي المكانة القانونية إلى 40-50 ألف وحمّل المركز اسرائيل مسؤولية هذا الوضع كنتيجة لسياساتها اتجاه ملف السجل السكاني الفلسطيني.

هؤلاء الفلسطينيون محرومون من حقهم في السفر، وكذلك فقدانهم لحقهم في اجراء أي معاملات مدنية، آخر انتهاك تعرض له هؤلاء الفلسطينيون عدم ادراجهم من قبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين وحكومة الحمد الله ضمن سجلات المنوي تعويضهم جراء تعرض منازلهم للهدم بشكل كامل أو تعرضها لأضرار جزئية، بحجة عدم امتلاكهم لبطاقات هوية صادرة عن السلطة وتعترف بها اسرائي.

قابل "المونيتور" أحد هؤلاء الفلسطينيين معدومي المكانة القانونية، وهو السيد جاسر ديب الغنام، نازح فلسطيني ولد عام 1942في قرية السوافير الغربية التي تقع قضاء مدينة المجدل المحتلة، هاجر المرة الأولى عام 1948 وتنقل بين المدن الفلسطينية مع عائلته التي قررت البقاء في قطاع غزة عام 1949، درس "الغنام" في المدرسة الصناعية التابعة لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وتمكن من الحصول على وثيقة سفر مصرية مؤقتة كانت تمنحها الادارة المصرية للاجئين الفلسطينيين.

وعندما خضع قطاع غزة للإدارة المصرية بين عامي 1948-1967، انتقل "الغنام" إلى القاهرة لاستكمال دراسته عام 1962، وعلى أثر حرب 67 احتلت اسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة، واعلنت عنهما كمناطق مغلقة فلم يتمكن من العودة مرة ثانية إلى القطاع، فاضطر للهجرة مرة ثانية إلى السعودية عام 1968 باحثاً عن الاستقرار والعمل، على أثر هجرته هذه صنّف كنازح.

"ففي شهريْ آب وأيلول 1967 أجرى الجيش الإسرائيليّ إحصاءً سكّانيًا في الضفة والقطاع، وقد استخدمت السّلطات الإسرائيلية هذا التعداد كأساس للسجلّ السكانيّ الفلسطينيّ، أمّا الفلسطينيين الذين لم يكونوا حاضرين في المناطق المحتلة في تلك الفترة ولم يُسجّلوا في التعداد السكانيّ، فقد شملوا قرابة 390 ألف لاجئ فلسطينيّ، قرابة 50 ألفًا منهم من قطاع غزة بعضهم فرّ من المناطق المحتلة أثناء الحرب وبعضهم طردته إسرائيل منها. كما غاب عن الإحصاء السكّانيّ فلسطينيون مكثوا في تلك الفترة خارج البلاد لأغراض الدراسة أو العمل أو لأيّ سبب آخر. وقد خسر كل هؤلاء مكانتهم كسكان المناطق المحتلة، أما اللاجئون الذي وصلوا من الضفة والقطاع إلى الأردن ومصر فقد حصلوا في هاتين الدولتين على وثائق سفر استخدموها كبديل لجوازات السفر، وطُلب منهم تجديدها مرة كل بضعة سنوات."

وبعد فك الارتباط الاسرائيلي مع قطاع غزة عام 2005، عاد "الغنام" إلى عائلته، واستقر معها في رفح جنوب قطاع غزة، وقدّم طلب لم شمل لدائرة الشؤون المدنية في قطاع غزة إلا أنه لم يتلقى أي رد إلى الآن، ليجد نقسه في بلده بدون أوراق قانونية، ولا يستطيع اجراء ابسط المعاملات المدنية والحكومية وترفض التعامل معه جميع المؤسسات، فقد حاول انشاء حساب في أحد البنوك ليفاجئ بطلب الموظفة منه احضار شهود لإثبات شخصيته، زِد على ذلك عدم اعتراف المؤسسات الحكومية به، فيضطر لتحويل المعاملات التي يمكن له تحويلها على اسم زوجته كونها تحمل بطاقة الهوية التي تصدرها السلطة الفلسطينية بعد موافقة اسرائيل.

وإنّ آخر ما تعرض له "الغنام" من سلسلة عدم الاعتراف به، جراء استثناءه من سجل السكان الفلسطيني، عدم ادراجه ضمن الكشوفات التي تنوي وكالة الغوث تعويضهم، وكان بيته قد تعرض لأضرار جزئية في الحرب الأخيرة على قطاع غزة 2014 فاضطر للتسجيل ضمن الكشوف باسم زوجته كحل مؤقت لهذا المأزق.

استفراد اسرائيل في ادارة سجل السكان الفلسطيني، يظهر هشاشة السلطة التي منحتها أوسلو للفلسطينيين، ويفاقم معاناة هؤلاء الفلسطينيين على وجه الخصوص، ويحرمهم ابسط الحقوق المدنية، والقانونية. 

More from Fadi Shafei

Recommended Articles