تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف اشتعلت حدود قطاع غزّة؟

فجأة اشتعلت الحدود الشمالية الشرقية والجنوبية لقطاع غزة، ردا على توتر الأوضاع في القدس والضفة الغربية، وبدأ الشباب يخرجون بشكل يومي لرشق الحجارة على جنود الاحتلال..ولكن ما النتائج المرجوة من ذلك؟
RTS4MRW.jpg

حدود قطاع غزّة - فجأة، اشتعلت حدود قطاع غزّة الجنوبيّة والشرقيّة والشماليّة، ممّا يجعلك تشعر أنّه لا وضع مستقرّاً قد تعيشه غزّة يوماً ما.

يصرّ الشباب على الوصول إلى السياج الحديديّ الذي يفصل أراضي القطاع عن الخطّ الأخضر، شرق مدينة البريج. يجتازونه ويعلّقون علم فلسطين، هذا كان يوم السبت في 10 تشرين الأوّل/أكتوبر 2015، وقد فعلوا الأمر نفسه في الأيّام التالية.

إنّها المرّة الأولى منذ سنوات عدّة، التي يجتاز فيها متظاهرون الحدود، وقد فرض الاحتلال الإسرائيلي بعد النسحاب عام 2005 على طول الخط الحدودي مع القطاع منطقة عازلة تصل من 600 إلى 1000 متر، كما نص تفاهم التهدئة السياسية بين الاحتلال والمقاومة بعد حرب 2012 إلى تقليل من هذه المساحة ولكن إسرائيل لم تلتزم به.

يقول الشاب علي (27 عاماً) لـ"المونيتور"، وهو يحضّر زجاجات "الملتوف": "علّقنا العلم، وأزالوه، وعدنا لنعلّقه مرّة أخرى، أطلقوا علينا الكلاب، ولكنّنا هاجمناها بالحجارة الكبيرة".

يضيف علي الذي تحيط برأسه الكوفيّة الفلسطينيّة: "قتلوا جميع أصدقائي في الحروب الماضية، لم يبق سواي. أريد اللحاق بهم، لقد فقدت الأمل في كلّ شيء، بأبو مازن، والمصالحة، والأحزاب".

صديق علي عكسه تماماً، فهو يبحث عن الحياة. ويقول بلال (21 عاماً): "نريد العيش بحريّة، نريد أن نقول لأخوتنا في الضفّة والقدس، نحن معكم نقاوم".

يضع علي البنزين داخل زجاجات فارغة، ثمّ يدخل فيها قطعة قماش، لا يستطيع صديقه بلال مساعدته لأنّ قدمه اليمين مبتورة بسبب حادث طرق فبقي واقفاً مستنداً إلى عكّازيه.

انتهى علي من المهمّة، ومشى بلال إلى جانبه، غير عابئ بالطريق الرمليّ الضيّق والطويل، والذي يفضي إلى التلال الواسعة المواجهة للحدود. بدأ آخرون بالتجمّع عقب صلاة ظهر يوم الجمعة في 16 تشرين الأوّل/أكتوبر2015، فقد أعلنته الأحزاب الفلسطينيّة "جمعة الغضب".

سرعان ما امتلأ الشارع الرمليّ الضيّق برؤوس مئات الشباب، صعب أن تجد بينهم من هم في جيل الثلاثينيّات أو الأربعينيّات سوى الصحافيّين.

إنّهم يتقدّمون أكثر، هناك من يحمل مقلاعاً، وبعضهم زجاجات "الملتوف"، وكثير منهم يحمل "البنور" أو القُل، والأغلبيّة معهم بصل لمقاومة الغاز المسيل للدموع.

يقول شابّ أطلق على نفسه اسم "ابن فلسطين" لـ"المونيتور": "أشارك كلّ يوم في هذا المقلاع، وهو عبارة عن قطعة مطّاط وحبل، لم أصب أيّ جنديّ إسرائيليّ حتّى اللحظة".

تبدو المنطقة مفعمة بالحماس والاستعداد. وسرعان ما غطّت حشود الشباب التلال الرمليّة. هناك من هم أكثر جرأة تقدّموا مباشرة إلى السياج الحديديّ، أشعل بعضهم إطارات السيّارات، ويقول وائل (16 عاماً): "هذه النيران السوداء تحجب الرؤية، فنستطيع التسلّل إلى السياج من دون أن يرانا الجنود".

الطفل عزّ (10 أعوام) جاء ليشارك لكنّ خاله طرده، ويقول لـ"المونيتور": "منذ شهرين، وصل من الإمارات، مجنون... ممكن أن يموت هنا". يبدو عزّ غاضباً ومحبطاً وهو يعود أدراجه.

بدأت هذه المواجهات منذ يوم الجمعة في 9 تشرين الأوّل/أكتوبر 2015، استجابة للهبّة الشعبيّة في مدن الضفّة الغربيّة والقدس، وقد سقط منذ بداية الأحداث 15 شهيداً في القطاع، بينهم أمّ وطفلتها في قصف إسرائيليّ.

وقفت الحشود مقابل سيّارات الجيب العسكريّة المتمركزة خلف السياج. ويقول ابراهيم (23 عاماً) لـ"المونيتور": "أريد قطع المسافة بيننا وبينهم، وخطف جنديّ من أجل القدس وأهلها، وتحرير غزّة من الحصار".

يفضّل الجميع ألّا يفصحون عن أسمائهم كاملة، كذلك وجوههم في حال وجود الكاميرات، أو إذا اقتربوا من السياج. إنّها قواعد الاشتباك المتّبعة من دون تخطيط مسبق.

ما هي إلّا لحظات، حتّى بدأت قنابل الغاز تأتي من كلّ صوب، حيث من الصعب التنبّؤ بمكان سقوطها، الغاز المسيل للدموع خانق، وتشعر معه أنّ وجهك يحترق، لكنّ الجميع يتبادلون قطع البصل ويشمّونها.

يصرخ أحدهم ووجهه أحمر ممتلئ بالدموع: "إنّه غاز سامّ"، يردّ عليه آخر: "تنفّس بانتظام، دقائق قصيرة ويزول تأثيره"، هناك من لم تحتمل صدورهم، فسقطوا مغمى عليهم.

حين يصاب أحدهم، يتجمّع حوله الشباب ويحملونه ويصرخون: "إسعاف... إسعاف". فيحاول المسعفون علاجه ميدانيّاً، وإذا لم يفق، يأخذونه إلى أقرب مستشفى.

يقول المسعف أبو أحمد لـ"المونيتور": "هناك أكثر من عشرين سيّارة إسعاف، تأتي كلّ يوم ومنذ الجمعة الماضية، إلى الحدود الساخنة، بمشاركة مئات المسعفين والمتطوّعين من الشباب والفتيات".

يزداد الوضع خطورة... هناك حديث عن إصابة برصاص حيّ، يغادر بعض الصحافيّين المكان، منهم مراسلة "المونيتور"، لتكون الوجهة الجديدة، أقصى الشمال وتحديداً معبر بيت حانون "إيرز" شمال القطاع.

اجتاز الشباب البوّابة الفلسطينيّة الثانية في معبر بيت حانون المسمّى (5-5)، وامتلأ الشارع الممتدّ بعدها إلى حوالى ألف متر، بالشباب والأطفال والفتيات والمسعفين. إنّها المرّة الأولى التي يصل فيها أغلبهم إلى هذه المنطقة المحظورة على الجميع، ما عدا المسافرين والعاملين في المعبر.

تبدو المواجهة مختلفة هنا، وغير متكافئة، فالجنود يتحصّنون خلف جدار اسمنتيّ ضخم، في حين أنّ المتظاهرين في مرمى نيرانهم. يقول محمود (21 عاماً) لـ"المونيتور": "سقط قبل قليل أحد الشباب بقنّاصة الاحتلال، وأصيب كثيرون"، مشيراً إلى الشهيد يحيى فرحات (24 عاماً)، الذي أعلنت وزارة الصحّة عن اسمه لاحقاً.

جاء البعض بدافع الفضول والمشاهدة، ويقول أبو نور (35 عاماً) لـ"الموينتور": " إن رشق الجنود بالحجارة في الضفة الغربية، أنجح لأن المتظاهرين والجنود هناك وجها لوجه، ولكن في غزة الجنود يتحصنون خلف الجدران السميكة"

فجأة، بدأ المتظاهرون بالركض. إنّها قنبلة غاز، تشعر أنّها موجة بشريّة قادمة باتّجاهك، لكن بمجرد أن يعيد أحدهم رمي القنبلة أو يغطّيها، يعودون، وهكذا تمرّ الساعات بين كرّ وفر.

المفارقة أنّ المعبر لا يزال يعمل، فقد وصل بعض المسافرين الذين ترجّلوا من سيّارت الغولف الصغيرة عند البوّابة، ليهرولوا إلى الحافلات، مبتعدين عن المواجهات.

تقول إحدى المسافرات أم خالد أبو سمهدانة (66 عاماً): "كانت رحلة جميلة، وحين اقتربنا من غزّة، سمعنا أنّ هناك مواجهات في المعبر، وقلقنا".

معظم الشباب يحملون أجهزة راديو صغيرة أو يستخدمون هواتفهم النقّالة للغرض ذاته، وبمجرّد سقوط شهيد هناك، أو مقتل جنديّ إسرائيليّ، يصرخ أحدهم بالخبر.

يقول يوسف (22 عاماً): "الشباب هنا من كلّ الانتماءات، والطبقات. فالقدس بالقلب، ولن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذا الاحتلال".

ويعيش هؤلاء الشباب أزمات متضخّمة في القطاع. فالحصار اشتدّ وإغلاق معبر رفح مستمرّ منذ أشهر، كذلك تعثّرت المصالحة، ومثلها إعمار غزّة، كما بلغت نسبة البطالة 43.9 في المئة، وهو المعدّل الأعلى عالميّاً بحسب البنك الدوليّ.

تبحث أمّ العبد (45 عاماً) عن أطفالها الأربعة بين الحشود في المعبر، ولكنّها لم تجد سوى ابنتها ملاك (9 أعوام)، فجرّتها من يدّها، وتقول لـ"المونيتور": "بدها ترمي حجار، بدها تموت". تبدو ملاك غاضبة، وسرعان ما تحرّرت من يدّ والدتها وعادت إلى المواجهات.

وهو المشهد ذاته حين غادرنا حدود البريج. فقد كان الطفل عزّ الدين عائداً وهو يختبئ خلف الحشود المتوافدة إلى المواجهات. إنّه جيل لم يشهد الانتفاضة الأولى، لكنّه يصنع لنفسه انتفاضته الخاصّة.