تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

متظاهرون دروز يحطّمون تمثال حافظ الأسد في السويداء إثر اغتيال زعيمهم الدينيّ

شهدت مدينة السويداء منذ 1 أيلول الجاري اعتصامات سلمية منظمة هي الأكبر من نوعها منذ بداية الثورة السورية أمام مبنى المحافظة وسط المدينة، طالبت بإقالة المحافظ ورئيس فرع الأمن العسكري وتحسين الاوضاع الاقتصادية، وارتفعت حدة الاحتجاجات السلمية بعد اغتيال أحد زعماء طائفة الدروز الموحدين ليصل الأمر إلى تحطيم تمثال الرئيس السابق حافظ الأسد في أكبر ساحات المحافظة وانسحاب قوى الأمن والشرطة من المدينة.
statue1.png

دمشق – أحداث متسارعة شهدتها مدينة السويداء، معقل الطائفة الدرزيّة والهادئة نسبيّاً (100 كم جنوب دمشق)، ابتداء من يوم الثلاثاء الماضي في 1 أيلول/سبتمبر الجاري، حيث خرج المدنيّون في اعتصامات سلميّة منظّمة هي الأكبر في المدينة منذ بداية الثورة، تمركزت أمام مبنى المحافظة وسط المدينة، طالب فيها المحتجّون بتحسين الأوضاع المعيشيّة لأهالي المدينة وإقالة الفاسدين ومحاسبتهم.

جاء الاعتصام نتيجة حملة أطلقها عدد من النشطاء من أهالي المدينة أطلقوا عليها اسم "خنقتونا". ومن خلال صفحة على موقع الـ"فايسبوك"، استطاعت الحملة أن تلقى تجاوباً سريعاً من قبل باقي المدنيّين الذين سارعوا إلى النزول إلى الشارع في وقت واحد في 1 أيلول/سبتمبر. وتلا ذلك اعتصام آخر يوم الخميس في 3 أيلول/سبتمبر الجاري، حيث رفع المعتصمون سقف مطالبهم لتطال محافظ المدينة، وردّدوا عبارات الربيع العربيّ "الشعب يريد إسقاط المحافظ"، مع حرص تامّ على أن تأخذ الاعتصامات شكلاً سلميّاً وحضاريّاً لكي يتجنّبوا الوقوع في صدامات مع قوى الأمن التي تسيطر على المدينة، بحسب ما نشرته صفحة الحملة.

وفي لقاء معه، قال أحد منظّمي حملة "خنقتونا"، الذي رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنيّة لـ"المونيتور": "تمثّل الحملة شرائح المجتمع كافّة في المدينة. ونحن نمهل الجهّات المعنيّة 48 ساعة لتحقيق مطالبنا المتمثّلة في تأمين مستلزمات المحافظة من المحروقات، وتحسين وضع التيّار الكهربائيّ، وإقالة المسؤولين الفاسدين". وتابع: "في حال عدم تلبية مطالبنا، سنعود إلى الاعتصام من جديد".

وأكّد الشاب أنّ هذه الحملة لا تتبع إلى أيّ جهّة سياسيّة أو دينيّة أو عشائريّة، وأنّها تمثّل فقط أهالي مدينة السويداء المتضرّرين من تردّي الأوضاع الاقتصاديّة، والذين ضاقوا ذرعاً بسبب عمليّات الفساد، محمّلاً محافظ المدينة وقادة الفروع الأمنيّة هناك مسؤوليّة ذلك. ولفت إلى أنّ المعتصمين سيحافظون على سلميّة نشاطهم، وسيوقفون أيّ شخص يحاول أن يندسّ بينهم ليثير الشغب أو يستغلّ الاعتصام لأهداف سياسيّة، وإلى أنّ العلم السوريّ فقط سيرفع في هذه الاحتجاجات.

ثلاثة أيّام مضت حتّى يوم الخميس في 3 أيلول/سبتمبر من دون أيّ استجابة حكوميّة إلى المطالب التي حملها المتظاهرون، والردّ الوحيد كان في قطع الاتّصالات وخدمة الإنترنت كامل المدينة منذ يوم الأربعاء في 2 أيلول/سبتمبر وقطع طريق دمشق-السويداء في محاولة لعزلها، وتشتيت المعتصمين الذين يجمّعون أنفسهم عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، وسط تجاهل تامّ من قبل الإعلام الرسميّ لما يحدث. ونشرت صفحة الحملة "خنقتونا" عبارات استهجان بسبب قطع الإنترنت حيث كتبوا "خافوا من اعتصامتنا السلميّة فقطعوا الاتّصالات لعزلنا ولكنّنا مستمرّون".

استطاع "المونيتور" التواصل مع رامي، أحد سكّان المدينة الذين شاركوا في الاعتصامات، والذي لم يرغب في الكشف عن اسم عائلته لأسباب أمنيّة، حيث قال: "خلت شوارع المحافظة من عناصر الأمن بأشكاله كافّة، بدءاً من مساء يوم الخميس، بينما كان مركز المدينة يشهد الاحتجاجات أمام مبنى المحافظة"، وأضاف: "حاولت قوى الأمن تفريق حشود المتعصمين بإطلاق النار، ممّا أدّى إلى مقتل أحد المدنيّين، ولكنّ الاعتصامات استمرّت حتّى يوم الجمعة في 4 أيلول/سبتمبر من دون وجود أيّ مظاهر مسلّحة بين المحتجّين".

وفي الوقت الذي كانت الاعتصامات مستمرّة وسط المدينة، نشر المرصد السوريّ لحقوق الإنسان في 4 أيلول/سبتمبر أنباء عن انفجارات عدّة هزّت أرجاء المدينة، الأوّل في منطقة عين المرج أسفر عن مقتل 4 أشخاص بينهم أحد مشايخ طائفة الموحّدين الدروز، المعروف بمعارضته النظام السوريّ والإسلاميّين وحيد البلعوس وإصابة شقيقه، تلاه انفجار آخر في القرب من منطقة المشفى الوطنيّ في المدينة، لتصل حصيلة الضحايا المدنيّين في الانفجارين إلى 27 قتيلاً و48 جريحاً.

وفي ظلّ استمرار انقطاع خدمة الإنترنت عن كامل المدينة، وعدم قدرة الأهالي على نقل ما يجري، كانت قناة الإخباريّة السوريّة والقناة الفضائيّة السوريّة الرسميّة منفردتين في نقل الصور الأولى لهذه التفجيرات، من دون أن تقدّما أيّ تحليل سياسيّ أو عسكريّ عن الوضع في المدينة، مكتفيتان بنشر تطمينات عن خطّة تهدئة من دون أن تكشفا عن مزيد من التفاصيل. وجاء الحديث عن اغتيال البلعوس وبقيّة شيوخ الكرامة خجولاً. وشهدت الفترة الطويلة لتغطية التفجيرات على المحطّتين الرسميّتين ظهوراً مكثفاً لرجال الدين من الطائفة الدرزيّة التي تشكّل الأغلبيّة في محافظة السويداء مثل الشيخ راكان الأطرش، وكلّ ذلك لتوجيه رسائل وطنيّة إلى أهل المنطقة بعدم الاستمرار في الاحتجاج والالتزام بالهدوء.

أدّت الانفجارات التي هزّت أرجاء المدينة إلى تحوّل في نبرة الاحتجاجات السلميّة، ودخول جماعة مسلّحة تعرف في المنطقة باسم "رجال البلعوس" الذي لقي مصرعه في التفجير، ممّا أدّى إلى حصول مواجهة مع قوى الأمن العسكريّ في المدينة، بحسب رامي اسماعيل الذي أضاف: "اقتحم المتظاهرون والمسلّحون مقرّ الأمن العسكريّ، وحاصروا مقرّ الأمن الجنائيّ، الأمر الذي أدّى إلى انسحابات جماعيّة لقوّات النظام من المقرّات الأمنيّة وشوارع المدينة". وتابع: "أتاح الفراغ الأمنيّ المجال أمام تصاعد وتيرة الاحتجاجات، وصولاً إلى تحطيم تمثال الرئيس السابق حافظ الأسد في أكبر ساحات المدينة ليل الجمعة في 4 أيلول/سبتمبر، مع استمرار سماع أصوات إطلاق نار في المدينة حتّى وقت متأخّر من ليل الجمعة".

وتناقلت وسائل إعلاميّة يوم السبت في 5 أيلول/سبتمبر ما عرف بالـ"بيان رقم 1"، حيث أعلنوا فيه أنّ السويداء منطقة محرّرة من النظام السوريّ، ردّاً على اغتيال البلعوس، موجّهين أصابع الاتّهام في شكل مباشر نحو النظام السوريّ. في المقابل، نشرت الصفحة الرسميّة للشيخ البلعوس خبراً تطلب فيه تكذيب البيان السابق، وأنّهم غير مسؤولين عمّا ورد فيه، وطلبوا فيه من أهالي السويداء انتظار بيانات المجلس القياديّ لرجال الكرامة.

وقال الناشط المدنيّ رامي يوم السبت في 5 أيلول/سبتمبر: "استمرّت سيطرة ميليشيا الشيخ البلعوس أو ما يعرف برجال الكرامة على شوارع المدينة وسط هدوء حذر وغياب كامل للدولة عن المشهد، حيث انتشروا في الشوارع لملئ الفراغ الحاصل جرّاء غياب رجال الأمن والشرطة، بينما أدّى قطع الطريق الدوليّ دمشق-السويداء إلى موجة هلع لتأمين الموادّ التموينيّة والأدوية والحاجات الأساسيّة، تحسّباً لحصارهم من قبل النظام".

وأضاف رامي أنّ المرشّح الرئيسيّ لوراثة الشيخ البلعوس دينيّاً هو أخوه المصاب في التفجيرات ذاتها. وأكّد أنّ رجال الكرامة لم يعلنوا عن أيّ مطالب رسميّة، في انتظار تشييع جثمان الشيخ البلعوس يوم الأحد، مع معلومات عن اجتماعات تجري بين وجهاء المدينة من الطائفة الدرزيّة وعناصر أمن من النظام السوريّ للوصول إلى تهدئة للوضع.

وقال مصدر أهلي من السويداء  اليوم 7 أيلول للمونتور عبر الهاتف أن الكهرباء لم تنقطع عن المدينة سوى ساعتين في حين كانت ساعات القطع تصل إلى 16 ساعة يومياً على المدينة، وأضاف :"النظام يحاول أن يمتص غضب الناس من خلال تحسين وضع الكهرباء في المدينة".

وبثت قناة الإخبارية السورية الناطقة باسم النظام السوري يوم أمس 6 أيلول فيديو يظهر فيه شخص يدعى وافد أبو ترابي، يعترف أنه المسؤول عن التفجيرين الذين حدثا في السويداء . وتعليقاً على ذلك قال المعارض السوري النبواني للمونتور:" الرواية التي قالها مفبركة وتشبه قصة أبو عدس إثر مقتل الحريري"، وأضاف النبواني:" وافد ابو ترابي خارج المحافظة منذ اكثر من ثلاث سنوات، وحتى لو عاد مؤخراً، فلن يستطيع التجول في المدينة كما قال بالمقابلة، كما أن مثل هكذا تفجير يحتاج الى أجهزة وترتيبات معقدة لا يستطيع شخص بمفرده القيام بها بل يحتاج الى اجهزة  وأشخاص ذوو خبرة".

 واستهجن النبواني من طريقة سرد ’’المتهم‘‘ لروايته،  التي يبدو وكأنها حفظها من ورقة، راسماً علامات استفهام كبيرة حول سرعة الأجهزة السورية في إلقاء القبض عليه خاصة بعد أن تم طرد كل عناصر الأمن من مدينة السويداء ومحاصرة مبنى البلدية .