تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

فساد السلطة الفلسطينية يصدع العلاقة مع فنزويلا

ما يلبث الفلسطينيون ينتهون من تداول قضية فساد تتورط فيها السلطة الفلسطينية، حتى تفتح صفحة جديدة من فسادها، وهذه المرة ذات أبعاد دولية، ضد فنزويلا، وهي من أصدقاء الفلسطينيين وداعميهم، عقب التلاعب بمنحتها لـ1000 طالب فلسطيني لدراسة الطب مجاناً، وتم كشف الفضيحة، التي تتواصل فصولها حتى كتابة هذه السطور.
Palestinian students arrive at Simon Bolivar airport outside Caracas November 6, 2014. Some one hundred Palestinian students arrived in Caracas on Thursday to begin their studies in medicine at a medical school in Caracas.   REUTERS/Jorge Silva    (VENEZUELA - Tags: POLITICS EDUCATION) - RTR4D61U

ما زال المشهد الفلسطيني مذهولاً من آخر قضايا الفساد للسلطة الفلسطينية، المعروفة بـ"فضيحة المنح الطلابية"، حيث قررت فنزويلا في نوفمبر 2014 تقديم ألف منحة لدراسة الطب لطلاب فلسطينيين بقرار من الرئيس الفنزويلي "نيكولاس مادورو"، عقب الحرب الإسرائيلية على غزة.

ممارسات مشينة

الفضيحة تتعلق بالتلاعب في التسجيل للمنحة من وزارتي الخارجية والتعليم الفلسطينيتين، والسفارة الفلسطينية في فنزويلا، مما أثار تخوفاً فلسطينياً من التأثير السلبي على العلاقات معها، وخرجت رائحة الفضيحة حين قررت سلطاتها في 13 يوليو ترحيل عشرات الطلاب الفلسطينيين خارج بلادها، لأن شروط المنحة لا تنطبق عليهم، مثل عدم حصولهم على معدلات 80% فما فوق، والتأكد أنهم ليسوا من القسم العلمي في المرحلة الثانوية، كما اشترطت المنحة على المتقدمين للحصول عليها.

فضيحة الفساد للمنح الدراسية علم بها الفلسطينيون فور وصول 25 طالباً فلسطينياً إلى الأردن، لأنهم فلسطينيين يقيمون في الأردن، بعد ترحيل السلطات الفنزويلية لهم، وقيامهم بتظاهرات احتجاجية على ترحيلهم أمام السفارة الفنزويلية في العاصمة الأردنية عمان في النصف الثاني من يوليو.

بعض الطلبة الذين اكتشف عدم ملاءمتهم للمنحة، قاموا بممارسات مشينة في "المدرسة اللاتينية الأمريكية للطب" في كاراكاس؛ فحضر بعضهم للدوام الجامعي ومعه الأرجيلة، وآخرون أتوا للدراسة بملابس النوم، وتذمروا من السكن الجامعي، وكتبوا عبارات مسيئة ضد الرئيس الفنزويلي الراحل "تشافيز" على جدران المعهد الجامعي الذي يدرسون فيه، مما أثار ضجة في فنزويلا.

دفعت هذه الفضيحة بوسائل إعلامية فلسطينية يوم 21 يوليو لتوجيه اتهامات متعددة للجهات الفلسطينية الرسمية المكلفة باختيار الطلبة دون معايير علمية نزيهة، فبعض من تم اختيارهم للمنحة كانوا من العمال والموظفين.

وكانت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية أعلنت يوم 19 يوليو عن شروط المنح الفنزويلية، أهمها تحديد معدل 80% في الفرع العلمي فقط كحد أدنى للتقدم للمنافسة على المنح، ومراعاة التوزيع الجغرافي للطلبة الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة والفلسطينيين المقيمين في الدول العربية، ومراعاة الجانب الاجتماعي للطلبة المرشحين من حيث الدخل الشهري، بحيث يكونوا من ذوي الدخل المحدود الفقراء.

"المونيتور" تواصل بصعوبة مع طلبة فلسطينيين في فنزويلا، وأبلغه أحدهم متحفظاً على ذكر اسمه، بما اعتبره سلبيات المنحة، قائلاً: "فوجئت بأن الدراسة تقتصر على اللغة الإسبانية والتعريف بالثورة الاشتراكية في فنزويلا، وعرض عليهم المدرسون منهجًا حول صحة المجتمع، وليس الطب، وانتابه القلق حين علم بأن تعليمهم لا يتوافق مع المعايير الدولية لدراسة الطب".

المثير أن أنور زكريا الوكيل المساعد في وزارة التعليم الفلسطينية، اعترف يوم 23 يوليو، أن بين الطلاب الذين حصلوا على المنحة من الفرع الأدبي وليس العلمي، ومنهم من ذهب لغرض العمل، أو اعتبار فنزويلا طريق عبور لبلدان أخرى، ومنهم من قلت معدلاتهم عن 80%.

فضيحة المنح الطلابية وصلت نتائجها حد توتير العلاقة مع فنزويلا، حيث استغلت المعارضة الفنزويلية هذه الفضيحة يوم 21 يوليو للهجوم على الرئيس الفنزويلي، ورغم أن فنزويلا من أكبر الداعمين لها على مستوى العالم، فقد ظهرت السلطة الفلسطينية كمن يطلق الرصاص على قدميه بسبب سوء إدارتها لملف يفترض أنه جامعي تعليمي بحت.

وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، شعر بحجم الكارثة التي لحقت بالسلطة، فحاول لملمة القضية، واعتبر يوم 17 يوليو ما تردد بشأن فضيحة الفساد بأنها قصة مبتورة ومشوهة لتشويه علاقة فنزويلا وفلسطين، معترفاً بوجود مخالفات من بعض الطلبة الذين لم تنطبق عليهم شروط المنحة الفنزويلية.

مسئول رفيع المستوى في وزارة التعليم العالي الفلسطينية، أكد "للمونيتور" رافضاً كشف هويته، أن "أهم سبب لفضيحة المنح الفنزويلية هو تعدد المرجعيات التي تشرف على اختيار المستفيدين من المنح بين وزارة التعليم العالي ومنظمة التحرير الفلسطينية والسفارات الفلسطينية في الخارج في غالبية دول العالم، مع توفر مستوى عال من المحسوبية والتدخلات والفساد لديها، وحرمان طلاب غزة من المنح الخارجية، واستغلال حصته لتكريس مزيد من التلاعب والفساد في التوزيع من قبل السلطة الفلسطينية".

وأضاف: "سفارة فلسطين في فنزويلا لها دور بإعطاء بعض المنح لمن لا يستحق، بسبب طرق الاختيار غير الموضوعية نتيجة الواسطات، مع وجود نفوذ لقيادات من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وأعضاء اللجنة المركزية في فتح، ومكتب الرئيس محمود عباس".

فضيحة الفساد أخذت أبعاداً سياسية فلسطينية، فقد كشف موقع "فلسطين برس" التابع للقيادي الفلسطيني الفتحاوي محمد دحلان، يوم 17 يوليو، أن فنزويلا اشترطت أن تزيد معدلات الثانوية العامة للحاصلين على منحتها عن 80%، وتخصصهم علمي وليس أدبي، ويكونوا من الطلبة الفقراء المبدعين، لكن ما حدث أن الطلبة الفقراء ذهبوا ضحية سماسرة في السلطة الفلسطينية، وتم بيع المنح لطلبة فاشلين بـ7 آلاف دولار لكل شخص.

ووصف سامي أبو زهري الناطق باسم حماس "للمونيتور" تعامل السلطة الفلسطينية مع المنحة الفنزويلية بأنها "تعبير عن فساد السلطة الفلسطينية، واستهتارها بمصالح الشعب الفلسطيني، وحماس تستنكر هذه الممارسات التي تخرب العلاقات الفلسطينية مع فنزويلا، وهي الدولة الداعمة والصديقة للفلسطينيين".

الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، طالبت السلطة الفلسطينية يوم 20 يوليو بعدم احتكار المنح الدراسة لفصيل واحد، قاصدة "فتح"، ولا إعطائها بناء على المحسوبية، لأنه يؤثر سلباً على علاقة فنزويلا والفلسطينيين.

لجنة تحقيق

فيما أعلنت الكتلة الإسلامية، الإطار الطلابي لحماس، يوم 21 يوليو، في بيان صحفي، أن جهات فلسطينية رسمية عملت كسماسرة، وضيعوا المنحة على أكثر من ألف طالب فلسطيني مستحق بسبب فسادهم.

حجم الغضب الفلسطيني من فضيحة السلطة الفلسطينية في هذه المنحة، ومظاهر الفساد التي رافقت سيرها من محسوبيات وواسطة، يتزامن مع صعوبة أوضاع الطلبة الفلسطينيين، وحلم الآلاف منهم بالحصول على منح دراسية في الخارج مجاناً، رغبة منهم بالهروب من الأعباء المالية الكبيرة للتعليم الجامعي في فلسطين.

الكاتب الفلسطيني محمد أبو مهادي من غزة، تحدث بمرارة يوم 19 يوليو عن تجربة شخصية مع ابن أخيه "أمجد أبو مهادي"، الذي حصل في الثانوية العامة على معدل 93%، ولم يحصل على المنحة الفنزويلية، فيما تمكن من هم أدنى منه في المعدل من الحصول عليها، متهماً ليندا صبيح السفيرة الفلسطينية في كراكاس بالمسئولية عن الظلم الذي لحق بالطلبة.

"المونيتور" حضر يوم 23 يوليو وقفة تضامنية في غزة بمشاركة عشرات الطلاب، لتحميل السلطة الفلسطينية مسئولية ما جرى في المنحة الفنزويلية، وطالبوا بوقف ما وصفوه بالفوضى العشوائية، وتشكيل لجنة تحقيق ومحاسبة المسئولين عن فضائح المنح الدراسية، وتصويب العلاقة مع فنزويلا.

أخيراً.. في الوقت الذي يتوقع الفلسطينيون من السلطة القائمة على إدارة شئونهم أن تساعدهم، فإن فضيحة المنحة الفنزويلية تقدم إشارة جديدة على أن السلطة الفلسطينية لا تقوم بهذا الواجب، بل تستغل ما يقدم للشعب الفلسطيني من مساعدات ومنح مالية، لزيادة حجم أرصدة مسئوليها في البنوك، على حساب مئات آلاف المسحوقين في الأراضي الفلسطينية.

More from Adnan Abu Amer

Recommended Articles