تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

زراعة الدخان في الضفّة... تلتهم سلّة فلسطين الغذائيّة

Tobacco_Field_Jenin.jpg

جنين، الضفّة الغربيّة - منذ أربع سنوات فقط، كان المزارع معزز فارس (54 عاماً) يزرع أرضه بالخضار، إلّا أنّ الحال تغيّر الآن وأصبحت كلّ مساحة العشر دونمات التي يملكها مزروعة بالدخان، الذي يدرّ عليه أرباحاً مضاعفة.

يقول فارس لـ"المونيتور" إنّ زراعة الدخان لا تحتاج إلى تكلفة ماليّة. فالأرض موجودة، ويشتري فقط الأشتال، ويقوم بحراثة الأرض وزراعتها، ليعود آخر الموسم ويقوم بقطفها وبيعها إلى تجّار الدخان بأسعار وصفها بـ"الممتازة".

وليس هذا فقط،، فالدخان لا يحتاج إلى كثير من المياه والأسمدة، ولا يتأثّر بالتقلّبات الجويّة، وتسويقه سهل جدّاً، وهي المشاكل التي كان يعاني منها في السابق مع زراعة الخضروات الأخرى.

فارس ليس المزارع الوحيد الذي تحوّل من زراعة الخضروات والمزروعات الحلقيّة إلى زراعة الدخان. ففي قريته باقة الشرقيّة الواقعة إلى الشرق من مدينة طولكرم، أصبحت زراعة عشرات المزارعين الرئيسيّة الدخان.

ولزراعة الدخان، والتي باتت تنتشر بسرعة وبكثرة، خطورة على الأرض والتربة وعلى الاقتصاد الفلسطينيّ، خصوصاً مع عشوائيّة زراعته وتمدّده على حساب المزروعات الأخرى، في أخصب الأراضي الزراعيّة في منطقة شمال الضفّة الغربيّة، وتحديداً في منطقة جنين شمال الضفّة الغربيّة، وهو الأمر الذي يدركه المزارع فارس تماماً، ولكن لا بديل أمامه، كما قال.

ويتابع فارس: "لا أحد يدعم المزارع الفلسطينيّ، هو وحيد في ميدانه، فلا تدخّل رسميّ يحميه، ولا صندوق تعويضات في حالة الكوارث الطبيعيّة، ولا دعم ومراقبة على بيع الأدوية والمبيدات اللازمة للزراعة، والأهمّ لا تسويق، ممّا يجعله يلجأ إلى الخيار الأسهل والأكثر ربحاً".

فارس أب لستّة أبناء، ثلاثة منهم يدرسون في الجامعات، وتكلفة دراستهم مرتفعة جدّاً، ممّا يجعل التفكير في جودة التربة وإمكان استنزافها، أو اعتبارات أخرى "ترفاً" لا يستطيع الوصول إليه، كما قال، إلى جانب أنّ المردود الماديّ أكثر بأربعة أضعاف من أيّ نوع آخر من المزروعات الأخرى.

ليس ببعيد، كان المزارع من بلدة يعبد القريبة من جنين، وهي الأكثر شهرة بزراعة الدخان، سفيان عطاطرة يقول إنّه يزرع أرضه بالدخان كلّ عام، من دون الأخذ في الاعتبار الدورة الزراعيّة والتي تحفظ الأرض وخصوبتها.

تخرّج عطاطرة (27 عاماً)، من كلية الاقتصاد في جامعة القدس المفتوحة في عام 2010، وفضّل العمل في الأرض وزراعتها بالدخان لما فيها من أرباح ماليّة عالية، وهو ما لم يكن يحصل عليه حينما كان يزرع أرضه، ومساحتها 20 دونماً، بالخضروات الصيفيّة.

وبالأرقام، ارتفعت مساحة الأراضي المزروعة بالدخان، من 7 آلاف دونم في عام 2012 إلى 20 ألف دونم حاليّاً، بحسب المهندس خالد داوود من الإغاثة الزراعيّة. وهذه الأرقام فقط في منطقة جنين، وهي المنطقة الأكثر خصوبة في الضفّة الغربيّة والتي تعتبر سلّتها الغذائيّة.

وتعود جذور المشكلة في زراعة الدخان إلى السنوات الخمس الأخيرة، حيث ارتفعت أسعار الدخان في السوق الفلسطينيّة المستوردة بعد رفع الضرائب عليها من قبل اسرائيل، فتوجّه قطاع كبير من المدخّنين إلى شراء الدخان المحلّي.

وتوقّع داوود خلال حديثه إلى "المونيتور"، أن تزداد هذه النسبة أكثر في السنوات المقبلة، وكلّ ذلك كما يقول، على حساب الأراضي التي كانت مزروعة بالخضروات ومحاصيل البستنه. فعلى امتداد سهول مرج بن عام وصانور والزبابدة وسهل ميثلون، تحوّلت الأراضي إلى مزارع للدخان، وهو ما يدعو إلى تدخّل رسميّ من وزارة الزراعة لوقف هذا التمدّد.

والخطورة في هذا التمدّد، بحسب داوود، هو امتداد هذه الزراعة من مدينة جنين إلى بعض المناطق الزراعيّة في كلّ من نابلس وطوباس وطولكرم وقلقيليّة وحتّى أريحا والأغوار.

يقول رئيس قسم الزراعة في الجامعة العربيّة-الأميركيّة مأمون دراغمة: "إنّ الأمر يتعدّى الضرر بالتربة إلى خلل في السوق الفلسطينيّة، فهذه المنطقة كانت تغطّي السوق الفلسطينيّة في الكامل، واليوم بتنا نستورد المنتجات الزراعيّة مثل الخضروات البعلية البندورة و الباميا و الكوسا و الخيار، من الخارج لنغطّي السوق الفلسطينيّة".

وتابع دراغمة في حديثه إلى "المونيتور": "باتت سهول جنين والتي كانت تعرف بأنّها سلّة فلسطين الزراعيّة اليوم تصدّر الدخان إلى الأسواق الفلسطينيّة، من دون أيّ رقابة من المسؤولين أو تحديد للمساحات المزروعة بهذا المنتج المضرّ في البيئة والاقتصاد الزراعيّ".

وطالب دراغمة السلطة بالعمل الجادّ لتحديد مساحات خاصّة بزراعته، خصوصاً أنّ زراعته في الأراضي الزراعيّة البعليّة تجهد التربة، وتؤثّر على المنتجات الزراعيّة التي تزرع في ما بعد.

يوافق المهندس داوود رأي الخبير الزراعيّ دراغمة، ويقول إنّ هذه الظاهرة في حاجة إلى خطّة وطنيّة شاملة لحلّ هذه المشكلة، تتضمّن سياسة استراتيجيّة شاملة، لتستبدل الدخان بمزروعات توازي في أرباحها زراعة الدخان وتسويق المنتجات، ودعم المزارعين وتفعيل صندوق الكوارث لتعويض المزارعين في حال أيّ ضرر.

لم يتعدّ تدخّل وزارة الزراعة لحلّ هذه المشكلة، وعلى لسان نائب مدير عام الإدارة العامّة للاستثمار والتمويل الزراعيّ محمّد المصري، مشاركتها في اللجنة الوطنيّة لتنظيم زراعة التبغ وتسويقه في العام 2013، من خلال طرح عدد من المقترحات والسياسات التي تتعلق بتحديد أراضي زراعية دون أخرى لزراعة الدخان، و هي الأراضي الغير خصبة و تنقص فيها المياه.

وتابع المصري في حديثه إلى "المونيتور": "وضعت وزارة الزراعة خطّة تستند إلى المخطّط المكاني تقسم فيها الأراضي الزراعيّة إلى تقسيمات بحسب خصوبتها، حيث يتمّ منع زراعة الدخان في الأراضي العالية الخصوبة وتخصيصها لزراعة الحقليّة والبستنه والخضروات لسدّ حاجة السوق المحليّة".

اعتبر المهندس داوود هذا التدخّل من قبل وزارة الزراعة والجهّات الرسميّة الأخرى غير كافٍ، وقال إنّ الحكومة تحاول التدخّل من خلال قوانين فقط تحدّد المساحات التي تتمّ زراعة الدخان فيها، من دون مراقبة تنفيذه، أو حتّى وضع بدائل للمزارعين. وتابع: "وهذا ليس بالكافي، خصوصاً أنّ المزارع الذي لا يجد فرصة عمل له، لا يلتزم بهذه القوانين غالباً".

وتبدو عملية انتقال المزارعين لزراعة الدخان في هذه المنطقة أسرع بكثير من اتوصل المؤسسات المعنية لخطة تحدد هذا القطاع وتنظمه، فالمزارع أولا وأخيرا يسعى إلى الربح الآمن في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها، وهو ما يهدد بتحولها بالكامل لمزارع للدخان.