تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف يحلّ التعاون الأميركيّ الروسيّ الأزمة السوريّة

قد يمهّد التعاون الناجح بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وروسيا في المفاوضات النوويّة مع إيران الطريق إلى خطّة جديدة من أجل سوريا
U.S. Secretary of State John Kerry (R) and Russian Foreign Minister Sergey Lavrov speak at the Zakovkzalny War Memorial in Sochi, Russia May 12, 2015.      REUTERS/Joshua Roberts - RTX1CKET

هل سيؤمّن نجاح التعاون الأميركيّ الروسيّ في التوصّل إلى اتّفاق مهمّ بشأن البرنامج النوويّ الإيرانيّ فرصة جديدة – وزخماً جديداً – من أجل حلّ سياسيّ للحرب الأهليّة المستمرّة في سوريا؟ يبدو أن واشنطن وموسكو تتركان كلتاهما الباب مفتوحاً، لكنّ عبوره لن يكون سهلاً.

لقد نتج عن الصفقة مع إيران مستوى من التهاني المشتركة في العلاقة الأميركيّة الروسيّة كان غائباً منذ فترة. فبحسب البيت الأبيض، شكر الرئيس باراك أوباما "الرئيس [فلاديمير] بوتين على الدور المهمّ الذي تضطلع به روسيا في مجال تحقيق هذا الإنجاز"، في مكالمة هاتفيّة في 15 تموز/يوليو. وبعد يومين، أعلن الكرملين أنّ بوتين وأعضاء من مجلس الأمن الروسيّ – بمن فيهم كبار المسؤولين العسكريّين والاستخباراتيّين والأمنيّين في روسيا، الذين ليسوا عادة أصدقاء واشنطن المفضّلين في موسكو – "أشاروا مجدداً إلى أنّ دور الولايات المتّحدة الرئيسيّ وموقفها البنّاء ساهما إلى حدّ كبير في التوصّل إلى الاتّفاقات النهائيّة" في خلال اجتماع ترأسه بوتين. واختلف هذا الإطراء المتبادل كثيراً عن تصاريح عدّة أدلت بها الحكومتان مؤخراً.

في الوقت نفسه، سلّط كلّ طرف الضوء على مشاكل سوريا وتنظيم الدولة الإسلاميّة في تصاريحه وتقييمه للمستقبل. ففي مؤتمر صحافيّ حول الاتّفاق مع إيران، قال أوباما: "لن نحلّ المشاكل في سوريا من دون موافقة الروس والإيرانيّين والأتراك وشركائنا الخليجيّين"، مضيفاً: "ينبغي أن تتّفق القوى الرئيسيّة المعنيّة بسوريا على أنّ هذه المشاكل لن تحلّ في ساحة المعركة". وأعرب وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف عن تفاؤله، قائلاً إنّ "العوائق الاصطناعيّة أمام تشكيل تحالف واسع من أجل محاربة تنظيم الدولة الإسلاميّة والمجموعات الإرهابيّة الأخرى بدأت تُزال".

ويبدو أنّ هذه التصاريح، والمودّة المتواضعة المتجدّدة بين واشنطن وموسكو، تؤمّن فرصة جديدة للتعاون في مسألة سوريا. لكنّ تحقيق نتائج ملموسة – بدلاً من مجرّد "فتح حوار" – سيكون مهمّة صعبة جداً.

العائق الأوّل هو أنّ الولايات المتّحدة وروسيا لا تزال لديهما مواقف مختلفة بشأن المسائل الرئيسيّة، ولا سيّما الرئيس بشار الأسد. ففيما يبدو أنّ إدارة أوباما تراجعت نوعاً ما، أقلّه من ناحية الممارسة، عن إعلان الرئيس في آب/أغسطس 2011 الذي قال فيه إنّ "الأوان قد آن كي يتنحّى الرئيس الأسد"، لا تزال واشنطن تريد رحيل الرئيس السوريّ كضمانة أكيدة لأيّ تسوية سياسيّة. وليس لدى موسكو مشكلة مع إزاحة الأسد في النهاية، لكنّها تعتبره الأساس الوحيد حالياً لحكومة مستقرّة في البلد.

ومن الواضح أيضاً أنّ المسؤولين الروس يتردّدون في محاولة إقناع الأسد بالقبول بصفقة ذات نتيجة محتومة من المرجّح أن يعتبرها الأسد نفسه غير مرضية. وهم لا يعتقدون أنّها ستنجح في كلّ الأحوال. وحتّى لو وافقت إدارة أوباما على التخلّي عن "ضمانات" رحيل الأسد كجزء من التسوية، من المحتمل أن يؤدي ذلك إلى تعرّض البيت الأبيض لانتقادات سياسيّة قاسية محلياً – من الديمقراطيّين والجمهوريّين على حدّ سواء.

بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن أن يحصل تفاهم كهذا في ظلّ الفراغ، بل بعد صفقة مع إيران سبق أن أثارت الجدل داخلياً ومع حلفاء أميركيّين في المنطقة، بما في ذلك شركاء إسرائيل وأميركا في مجلس التعاون الخليجيّ. في هذا السياق، ينبغي التذكير بأنّ أوباما أقرّ بأنّه سيتعيّن على طهران، وليس على موسكو وحدها، "الموافقة" على تسوية للأزمة السوريّة لكي تنجح هذه التسوية. ويعني ذلك أنّه قد يتعيّن على إيران المشاركة في العمليّة بشكل من الأشكال. ويعني أيضاً أنّ أي نتيجة لا تشمل إزاحة الأسد الفوريّة قد تُعتبر تنازلاً ليس لروسيا وحدها، بل لإيران أيضاً – خصوصاً بعد اعتبار الكثيرين (بشكل مبرّر أو غير مبرّر) أنّ تنازلات كبيرة قُدّمت في الصفقة النوويّة، وفي جوّ يخشى فيه حلفاء الولايات المتّحدة تغييراً استراتيجياً أميركياً قد يعطي مصالح إيران الأفضليّة على حسابهم. باختصار، من شأن تسوية سياسيّة في سوريا على أساس الشروط الممكنة الوحيدة أن يؤكّد مخاوف بعض خصوم أوباما السياسيّين، وحلفاء الولايات المتّحدة الرئيسيّين. ويدرك البيت الأبيض ذلك بلا شكّ.

ومع أنّ العوائق أمام التعاون الأميركيّ الروسيّ ضدّ داعش (المحدود مقارنة بالجهود المشتركة لحلّ المشكلة السوريّة) أصغر، إلا أنّها تبقى كبيرة. ومن العوائق الأكبر في هذا السياق إصرار موسكو على أنّ الولايات المتّحدة وغيرها لا يمكنها توجيه ضربات جويّة في سوريا من دون إذن من دمشق. لكنّ ذلك لا يمنع طبعاً التعاون في مجال دعم الحكومة العراقيّة التي أمدّتها روسيا بالأسلحة.

وفي هذا الإطار، يُطرح سؤال مهمّ عمّا إذا كانت واشنطن وموسكو قادرتين على إيجاد حلّ خلاق لمشكلة "الإذن". عند مناقشة دور إيران في محاربة داعش في العراق، أسند أوباما إلى بغداد مسؤوليّة "تنسيق" العمليات الأميركية والإيرانيّة لأنّ واشنطن عاجزة عن فعل ذلك مباشرة. هل يمكن أن تضطلع موسكو بدور مماثل من خلال "تنسيق" العمليات العسكريّة الأميركيّة والسوريّة ضدّ داعش؟

نظرياً، لا يختلف ذلك كثيراً عمّا أصبح أوباما مستعداً لقبوله (وحتّى الإقرار به علناً) في العراق. لكن يبقى هناك مشكلتان، الأولى هي أنّ أيّ تنسيق تكتيكيّ مع دمشق (قد يكون إبقاؤه سرياً شبه مستحيل في الولايات المتّحدة) من شأنه يساعد نظام الأسد في معركته ضدّ جميع خصومه، وليس داعش وحده. ومن شأن أيّ تنسيق غير مباشر عبر موسكو أن يسمح للحكومة السوريّة بإعادة نشر قوّاتها للاستفادة من العمليات الأميركيّة المعروفة. وتماماً مثل التنازلات لإيران، يُعتبر ذلك سمّاً سياسياً في واشنطن.

ثانياً، قد يؤدي اعتماد هذه المقاربة إلى تشارك معلومات حسّاسة مع روسيا حول العمليات العسكرية الأميركيّة الجارية، في الوقت الذي يتّجه فيه الجيشان الأميركيّ والروسيّ أكثر فأكثر نحو المواجهة واحدهما مع الآخر. وفي أيّ حوار ذي صلة، قد تطلب الولايات المتّحدة تفاصيل عن شحنات الأسلحة الروسيّة إلى سوريا – وهي أيضاً مسألة حسّاسة ومثيرة للخلاف. ولن تكون محادثات من هذا النوع سهلة على الإطلاق.

وحتّى قبل الأزمة الأوكرانيّة، تعثّر التعاون الأقلّ طموحاً ضدّ الإرهاب لسنوات بسبب الشكّ المتبادل بين الوكالات الاستخباراتيّة والأمنيّة. على سبيل المثال، حذّرت روسيا مراراً وتكراراً مكتب التحقيقات الفدراليّ الأميركيّ (أف بي آي) بشأن تامرلان تسارناييف، وهو مهاجر شيشانيّ إلى الولايات المتّحدة اعتبرته موسكو خطراً إرهابياً، قبل سنتين من تنفيذ تسارناييف وشقيقه تفجيري ماراثون بوسطن سنة 2013. لكنّ مسؤولي الـ "أف بي آي" شكّكوا في دوافع روسيا، ولم يولوا الموضوع أهمية كبيرة.

في الواقع، لدى الولايات المتّحدة وروسيا مصالح  مشتركة في سوريا، وهي إنهاء الحرب وهزيمة داعش وتحقيق الاستقرار في سوريا والدول المجاورة لها. لكنّ ذلك ليس دائماً كافياً للأسف من أجل حصول تعاون بين القوى العظمى.

More from Paul J. Saunders

Recommended Articles