تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الـ"فدعوس" و"الدبكة"... تراث فلسطينيّ يواجه البطالة

بات إحياء التراث الفلسطيني القديم يمثل مصدر رزق للعشرات من الشبان العاطلين عن العمل، من خلال فرق "الفدعوس" و"الفلكلور الشعبي" التي تحيي حفلات الزفاف الفلسطينية، حيث تشهد إقبالاً كبيراً من قبل الغزيين لما تضيفه من أجواء فرحة على نفوسهم.
Palestinians perform a traditional dance during a mass wedding for 250 couples in Rafah, in the southern Gaza Strip December 19, 2012.  REUTERS/Ibraheem Abu Mustafa (GAZA - Tags: SOCIETY) - RTR3BR3U

مدينة غزّة، قطاع غزة - لا يخلو حفل زفاف فلسطينيّ في قطاع غزّة، من فرق "فدعوس" التراثيّة والفلكلور الشعبيّ القديم، التي تحيي هذه الحفلات بترديد الأغاني التراثيّة باستخدام الآلات الموسيقيّة الشعبيّة، الأمر الذي جعل من هذه الفرق ملاذاً لمئات الشبّان العاطلين عن العمل من أجل التخلّص من البطالة والفقر.

ويقول الخبير في التاريخ والتراث الفلسطينيّ ناصر اليافاوي لـ"المونيتور": "أطلق اسم "فدعوس" على هذه الفرق، نسبة إلى عائلة فدعوس الفلسطينيّة التي أنشأت الفرقة الأولى قبل مئات السنين، وهي عبارة عن تقليد تركيّ انتشر في غزّة إبّان العهد العثمانيّ (1516-1924)".

وأوضح اليافاوي، ويشغل منصب الأمين العام لمبادرة المثقّفين العرب في غزّة، أنّ فرق "فدعوس" تنتهج ترديد الأغاني الشعبيّة القديمة، وفي أحيان أخرى تتّبع الأغاني الحديثة بما يتناسب مع رغبة العروسين، فيما يعتمر أفراد هذه الفرق طربوشاً أحمر يعود إلى العهد العثمانيّ، ويرتدون زيّاً تراثيّاً فضفاضاً موحّداً تميّزه الكوفيّة الفلسطينيّة.

لم يستطع الشاب مهنّد أبو زاهر (25 عاماً) من مدينة غزّة، والذي كان حفل زفافه في 17 تمّوز/يوليو 2015، تفويت إحضار فرقة "فدعوس" لإحياء حفله لإضفاء أجواء من البهجة والسرور على نفوس الحاضرين.

وقال أبو زاهر الذي يعمل في محلّ تجاريّ للمفروشات في غزّة لـ"المونيتور": ""فدعوس" جزء رئيسيّ من حفل الزفاف، ومن دونها سيكون حفلاً منزوع الدسم، فهي تشعرنا بتراثنا القديم، وفي الوقت ذاته، تستخدم إيقاعاً موسيقيّاً يجعلنا نشعر بانتمائنا إلى هويّتنا الفلسطينيّة".

يدير محمّد أبو حمدة فرقة "فدعوس" في غزّة التي يطلق عليها اسم "الزهور"، ويقول لـ"المونيتور": "إنّ ازدهار عمل هذه الفرق خلال مواسم الأفراح في فصل الصيف، مكّن مئات الشبّان من التغلّب على البطالة وعدم توافر فرص عمل"، مشيراً إلى أنّ فرقته تتكوّن من تسعة وعشرين فرداً، وجميعهم عاطلون عن العمل.

وكان أحدث تقارير البنك الدوليّ قد كشف أنّ البطالة في قطاع غزّة هي الأعلى على مستوى العالم، بوصول معدّلها إلى 43 في المئة في نهاية عام 2014.

وأوضح أبو حمدة أنّ فرقته قادرة على إحياء أربع حفلات زفاف في ليلة واحدة، حيث يتمّ تقسيمها إلى أربعة فرق، مشيراً إلى أنّ إحياء حفل زفاف واحد ليوم واحد يعود إلى الفرقة بعائد ماديّ يبلغ 800-1200 شيقلاً (215- 320 دولاراً)، حيث يتفاوت السعر بحسب عدد أشخاص الفرقة الذي يتمّ بالاتّفاق مع العريس أو القائمين على حفل الزفاف.

وعن الآلات الموسيقيّة المستخدمة، قال: "كانت فرق "فدعوس" قديماً تستخدم آلات موسيقيّة بدائيّة مثل الطبل البلديّ المصنوع من جلد الحيوانات، والمزمار المصنوع من الخيزران المجوّف. ولكن ومع التطوّر الحضاريّ، نستخدم أنواعاً عديدة من الطبول والمزامير والدفّ والبوق ومزمار الجراب الاسكتلنديّ، إضافة إلى استخدام المشاعل والسيوف اللازمة لفقرات "فدعوس"".

بالنسبة إلى ناصر اليافاوي، فإنّ هذا التراث تمركز في منطقة الساحل الفلسطينيّ، وتحديداً في مدينة يافا، حيث نقل إلى قطاع غزّة في عام 1948 عندما هاجر السكّان الفلسطينيّون المدينة إبّان قيام دولة إسرائيل، لافتاً النظر إلى أنّ إحياء "فدعوس" مراسم الزفاف في تلك الفترة كان يستمرّ من 3 إلى7 أيّام داخل ديوان العشيرة أو العائلة، ولكن اليوم يقتصر على ساعات عدّة فقط في يوم الزفاف.

وبيّن أنّه خلال فترة الحكم المصريّ لغزّة (1948-1967)، اندثرت فرق "فدعوس" في غزّة، واستبدلت بفرق الموسيقى والرقص الشرقيّ لإحياء حفلات الدفاف، واستمرّ اندثار "فدعوس" حتّى بعد احتلال إسرائيل لغزّة في عام 1967. وأضاف: "ولكن، بدأت "فدعوس" تعود إلى الصدارة مجدّداً في إحياء حفلات الزفاف في عام 1993، بعد انتهاء الاحتلال الإسرائيليّ لغزّة وبدء حكم السلطة الفلسطينيّة".

إلى جانب فرق "فدعوس"، تبرز فرق الفلكلور الشعبيّ أو ما يعرف محليّاً باسم "الدبكة"، التي تتألّف عادة من مجموعة من الأشخاص، يرقصون بإيقاع متناغم ومتناسق، يعتمد على الأرجل في شكل رئيسّي، حيث يحضر العريس هذه الفرق ليس في حفلات الزفاف عادة، إنّما في حفلات توديع العزوبيّة التي تسبق حفل الزفاف بيوم واحد وتكون ذكوريّة بحتة.

بمجرّد اللقاء به على هامش حفل شبابيّ في مخيّم البريج وسط قطاع غزّة، اعتقد فريد أبو خوصة (26 عاماً)، وهو مدير فرقة فلكلور شعبيّ يطلق عليها اسم "فرقة أبو خوصة" نسبة إلى عائلته، أنّ الأمر يتعلّق بحجز فرقته لإحياء حفل، وقال: "آسف... الفرقة محجوزة حتّى عشرين يوماً مقبلاً". ولكنّه ابتسم بعدما علم أنّ الأمر يتعلّق بمقابلة صحافيّة فقط.

وأوضح أبو خوصة خلال حديثه إلى "المونيتور"، أنّ فرقته تأسّست في عام 2013 وهي مكوّنة من سبعة من أفراد عائلته الشبّان، تجمعهم نقاط مشتركة. فإلى جانب بشرتهم السمراء، هم جميعهم عاطلون عن العمل، ودفعتهم هوايتهم للفنون الشعبيّة إلى تشكيل هذه الفرقة والعمل كلّ ليلة في إحياء الحفلات الشبابيّة للتخلّص من البطالة، مقابل 1000 شيكلاً (265 دولاراً) في الليلة الواحدة توزّع عليهم بالتساوي.

رامي أبو خوصة (23 عاماً) هو ابن عمّ فريد وأحد أعضاء فرقة الفلكلور الشعبيّ الخاصّة به، تخرّج من كليّة التجارة من الجامعة الإسلامية بغزة في 2014، ولكن قلّة فرص العمل وتشبّع سوق العمل بالخرّيجين الجامعيّين دفعه إلى الاندماج في هذه الفرقة من أجل إعالة نفسه وأسرته المكوّنة من 7 أفراد.

قال رامي لـ"المونيتور": "إنّ العمل شاقّ ويستنزف الطاقة الجسديّة، فالرقص باستخدام الأرجل بالضرب على الأرض على مدار أربع ساعات متواصلة يرهق العضلات كثيراً، الأمر الذي يتطلّب راحة طويلة. ولكن ما يدفعنا إلى العمل باستمرار من دون انقطاع هو إسعاد الناس، وجنّي المال لإطعام أسرنا. وأشار إلى أنّه يجني يوميّاً من خلال هذا العمل نحو 140 شيقلاً (40 دولاراً).

ويعجز سوق العمل في قطاع غزّة عن استيعاب آلاف الخرّيجين والخرّيجات سنويّاً، بعدما بلغ عددهم 150 ألف حامل شهادة جامعيّة من دون عمل، بحسب دراسة محليّة نشرت في 24 نيسان/أبريل 2013.

بالنسبة إلى ناصر اليافاوي، فإنّ الفلكلور الفلسطينيّ أو "الدبكة"، عبارة عن موروث فلسطينيّ منذ العصور الحجريّة، حيث كان الكنعانيّون القدماء يعبدون الآلهة بالرقص بضرب الأرجل على الأرض، واستمر هذا النوع من الرقص عابراً التاريخ ليصبح جزء من التراث الفلسطيني الأصيل، مشيراً إلى أنّ هذا التقليد تجذّر في منطقة شمال فلسطين ووسطها.

وإلى جانب تمكين هذه الفنون التراثيّة والثقافيّة الشباب من التغلّب على البطالة من خلال امتهانها، يبقى العائد الأسمى للمجتمع الفلسطينيّ هو الحفاظ على هذا التراث من النسيان وإبقائه حيّاً أمام حضارات العالم.

هذا المقال جزء من سلسلة مقالات عن التراث الثقافي في الشرق الأوسط. لقراءة المزيد، اضغط هنا.

More from Rasha Abou Jalal

The Middle East in your inbox

Deepen your knowledge of the Middle East

Recommended Articles