تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاحتكار وعدم الرّقابة سبب تذبذب صرف الدولار الأميركيّ في فلسطين

A Palestinian employee paid by the Palestinian Authority shows money to the camera after withdrawing cash from an ATM machine outside a bank, in Gaza City June 11, 2014. Gaza's public sector union suspended protests on Wednesday that had paralysed the local economy and threatened the deal on a Palestinian unity government but said it would resume its action if its members were not promptly paid. The pay dispute involving some 40,000 public servants erupted last week shortly after Hamas, which has ruled Gaza

إنّ اختلاف سعر صرف الدولار داخل غزّة وتذبذبه من تاجر إلى آخر قد يفسح المجال أمام وجود سوق سوداء، لأنّ الطلب يتزايد على صرف الدولار، خصوصاً في فترة صرف الرواتب وقلّة السيولة. ويبدو أنّ تجّار العملة هم من يتحكّمون في سعر الصرف من دون رقابة، سعياً منهم إلى زيادة أرباحهم.

لذلك لم يكن الغضب، الذي بدا واضحاً على وجه موظّف وزارة التربية والتعليم الفلسطينيّة من غزّة أيمن موسى طبيعيّاً، وهو خارج من المصرف الإسلاميّ الفلسطينيّ في غزّة يتمتم بكلمات ساخطة، معترضاً على السياسة الّتي ينتهجها المصرف في حقّه وفي حقّ الموظّفين عموماً. وفي هذا السّياق، قال لـ"المونيتور": "يجب أن يقوم المصرف بصرف راتبي البالغ 3200 شيكل بالعملة الإسرائيليّة، بما يعادل 849 دولاراً أميركيّاً، وفي حجّة عدم توافر السيولة منها، يعمل على استبدالها وعلى صرف رواتبنا بالدولار الأميركيّ، ممّا يؤدّي إلى خسارة 200 شيكل من راتبي لأنّ سعر الصرف في المصرف يختلف عن السوق الخارجيّ بمعدّل 6 شواكل، ما يعادل دولاراً ونصف وقد يزيد، لأنّ المصرف يتحكّم في عمليّة صرف الدولار على مزاجه، وبقيمة تختلف عن السوق من دون رقابة من وزارة الاقتصاد وسلطة النقد الفلسطينيّة، وهو يجبرني على تقاضي راتبي بالدولار بحجّة عدم توافر عملة الشيكل، في حين يجب أن يتمّ صرفه، كما حوّل له من وزارة الماليّة الفلسطينيّة بعملة الشيكل".

المعروف في الأراضي الفلسطينيّة أنّ المصارف تضع كلّ يوم لوحة تعريفيّة بأسعار صرف العملات وفق البورصة العالميّة، لكنّها لا تلتزم بالضرورة بالأسعار المعلنة، فيما لا يضع هذه اللوحة باقي التجّار في محلّات الصرافة الخاصّة بهم، فضلاً عن عدم الالتزام بها، وهو ما يشير إلى غياب الرقابة القانونيّة والحكوميّة عن هذه الظاهرة، ويجعل المواطن الفلسطينيّ يقع ضحيّة هذا التلاعب.

مساومة وابتزاز

وقالت الموظّفة رنا وادي، الّتي تعمل في وزارة التّخطيط: "إنّ مشكلتي مع تجّار العملة في الأسواق الفلسطينيّة، أنّني أجد فرقاً كبيراً في صرف الدولار من تاجر إلى آخر يصل أحياناً إلى 5 أو6 شواكل، ما يعادل دولاراً ونصف، في صرف كلّ 100 دولار.

ولفت زياد صيّام، وهو موظّف في شركة تعمل ضمن مشاريع إعادة إعمار غزّة، رفض الكشف عن اسمها، إلى أنّه يتقاضى راتبه بالدولار، ومشكلته تكمن في قيام عدد كبير من التجّار في غزّة بحجب الشيكل خلال فترة ارتفاع الدولار، الأمر الّذي يجعله يقبل مرغماً بسعر الصرف الّذي يحدّدونه، وهو يختلف من تاجر إلى آخر.

ومن جهّته، قال دياب راضي، وهو صاحب محلّ صرافة في غزّة لـ"المونيتور": "لا استقرار في سعر صرف الدولار، ولكنّ سعر صرفه غير مقبول من قبل بعض التجّار والمصارف، الّتي تعتمد في فترة صرف الرّواتب على مساومة الموظّف عن طريق استبدال عملة الشيكل بالدولار. ولذلك، يسفر ارتفاع سعر صرف الدولار عن خسارة الموظّف جزءاً كبيراً من راتبه، ولكنّ سياسة الأمر الواقع الّتي تفرضها المصارف على الموظّفين تقوم على المساومة والابتزاز، فتجبره على قبول الصرف بالقيمة الّتي يحدّدها المصرف، والتي تختلف دائماً عن سعر السوق المحليّة".

جرت العادة في المصارف الفلسطينيّة أن يستلم موظّفو القطاع الحكوميّ العامّ بالشيكل الإسرائيليّ، فيما تقوم بعض المصارف أحياناً بإجبار الموظّف على استلام راتبه بالدولار الأميركيّ، بحجّة عدم توافر سيولة ماليّة من الشيكل الإسرائيليّ. وفي الوقت نفسه، يقوم بعض شركات القطاع الخاصّ بصرف رواتب موظّفيها بالدولار، لكنّ المصرف يصرف رواتبهم بالشيكل، وهذه المرّة تكون الحجّة ذاتها، وهي عدم توافر سيولة ماليّة من عملة الدولار. وفي الحالتين، يحقّق المصرف مكاسب ماليّة ويخسر الموظّف، ويقع ضحيّة تلاعب المصرف بسعر صرف الدولار.

وأضاف: "يقوم المصرف بمساومة أصحاب الحسابات الجارية عند سحب مستحقّاتهم من دون التفاوض معهم وإجبارهم على ذلك، واستبدالها بعملة أخرى لتحقيق أرباح نتيجة فرق العملة، وابتزاز المواطنين عن طريق استبدال الحوالات الماليّة الّتي تأتي عن طريق XPress اوMoneyGram بعملة الشيكل بدل الدولار بسعر أقلّ من السوق المحليّة بفارق كبير، الأمر الذي يجعل المواطنين يخسرون كتيراً من الأموال نتيجة فرق العملة، وهي سياسة غالباً ما ينتهجها المصرف لتحقيق أرباح كبيرة، وفرض ذلك على عملاء المصرف".

ونفى مصدر مسؤول في المصرف الإسلاميّ الفلسطينيّ، رفض الإفصاح عن اسمه لـ"المونيتور" "الاتّهامات الموجّهة إلى المصارف في هذا الخصوص، مؤكّداً أنّه ليس هناك ابتزاز للموظّفين، لأنّ أسعار صرف العملات في المصرف موحّدة في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، وهناك رقابة من سلطة النّقد الفلسطينيّة على ذلك، ولكنّ سبب اختلاف سعر صرف الدولار مقابل الشيكل بين المصارف والسوق الخارجيّة يعود إلى تكدّس الدولار النقديّ في غزّة، ممّا يرهق المصارف، نظراً إلى وجود تلك المبالغ الضخمة من الأموال غير المستغلّة".

ورأى جهاد سليمان، وهو أحد التجّار الفلسطينيّين الّذين التقاهم "المونيتور"، أنّ "غزّة على الرغم من ارتباطها بسوق المال العالميّ، لكنّها في وضع خاصّ، لأنّها تخضع إلى قواعد السوق المحليّة، والطلب على العملة، وجاء فرض الحصار عليها ليتسبّب بحالة من التذبذب في سعر صرف الدولار من تاجر إلى آخر".

وتحدّث أحد تجّار العقارات وصاحب الشركة الهندسيّة للإنشاءات في غزّة جميل الصالحي لـ"المونيتور"، فقال: "كلّ تعاملاتي في السوق، وبيعي للشقق السكنيّة بالدولار. وعندما أريد تحويل الدولار إلى الشيكل أواجه معاناة كبيرة، لأنّني أتعامل مع التجّار بمبالغ كبيرة جدّاً. وإذا أردت تحويل الدولار إلى الشيكل، أتّصل بأكثر من 10 تجّار لأحصل على أفضل سعر ممكن للتّحويل. وللمفارقة العجيبة، أحصل على سعر مختلف من كلّ تاجر، فلا اتّفاق على سعر صرف موحّد".

تذبذب سعر صرف الدولار يعود إلى ارتباطه بالبورصة العالميّة، وبالجانب الإسرائيليّ الذي يتحكّم بالاقتصاد الفلسطينيّ بصفته محتلّ للأراضي الفلسطينيّة، وهو من يقوم بتحويل تلك الأموال إلي المصارف الفلسطينيّة، والفروق الّتي تظهر في سعر صرف الدولار لا علاقة لها بالسمسرة الّتي يقوم بها التجّار، ولكنّ اختلاف سعر صرفه عند البعض يعود إلى نسبة الرّبح الّتي يريد تحقيقها كلّ تاجر، والأهم من ذلك بسبب غياب الرقابة من سلطة النقد الفلسطينيّة ووزارة الماليّة، وترك الأمر بناء على رغبة كلّ تاجر أو بنك على حدة.

تبريرات واهية

وأكّد الخبير الاقتصاديّ والمحاضر الجامعيّ في جامعة الأزهر في غزّة معين رجب لـ"المونيتور"، قائلاً: "إنّ الحصار الإسرائيليّ والقيود الّتي تفرضها إسرائيل على حركة المبادلات بين غزّة والضفّة ألقت بظلالها على فروق سعر صرف الدولار بين غزّة والضفّة لتصبح نسبة التّمايز كبيرة، لأنّ المصرف المركزيّ الإسرائيليّ يحدّد آليّات الصرف والسعر. وبالتّالي، نحن كفلسطينيّين نلتزم بذلك لأنّنا جزء من المنظومة الّتي تعمل طبقاً إلى اتّفاق باريس الاقتصاديّ الموقّع بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل في عام 1994".

وأوضح الخبير الماليّ والاقتصاديّ أمين أبو عيشة في تصريح صحافيّ في 22 آذار/مارس أنّ كبار تجّار العملة في غزّة، بالشراكة مع أكبر المصارف المحليّة، يقومون بتحديد سعر صرف العملة، حيث تعود عليهم هذه العمليّة بأرباح خياليّة، نظراً إلى الفرق الكبير في سعر صرف الدولار داخل غزّة عن خارجها.

إنّ جزءاً كبيراً من الفلسطينيّين، خصوصاً الموظّفين، حمّلوا سلطة النّقد الفلسطينيّة، وهي إحدى مؤسّسات السلطة الفلسطينيّة، وخصوصاً دائرة الرقابة والتفتيش على المصارف ومحلّات الصرافة التابعة إليها، مسؤوليّة الرّقابة على المؤسّسات، وخصوصاً المصارف ومحلاّت الصرافة الّتي تتحكّم بمصير عشرات الآلاف من المواطنين، الّذين يتعاملون بالدولار وصرفه علي مزاجهم، سواء أكان بالرّاتب أم بالمدّخرات الشخصيّة أم بالمعاملات التجاريّة.

وفي هذا الصدد، أعلنت سلطة النّقد الفلسطينيّة في 15 نيسان/أبريل أنّها تلقّت شكاوى من المواطنين حول اختلاف أسعار صرف الدولار، والتي تسبّبت بتكبّدهم خسائر كبيرة.

ودعت سلطة النقد في 23 آذار/مارس 2015 شركات الصرافة العاملة في فلسطين كافّة، إلى احتساب أسعار صرف العملات الرئيسيّة حسب سعر الصرف السائد عالميّاً، وحذّرت المخالفين لقرارها، من أنّها ستّتخذ في حقّهم الإجراءات المناسبة، مشيرة إلى أنّ هذا القرار جاء في إطار حرصها على الحفاظ على حقوق المواطنين، الأمر الذي أدّى إلى التزام المصارف ومحلّات الصرافة في فلسطين بذلك نسبيّاً.

More from Iyad Qatrawi

Recommended Articles