تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

المصالحة الوطنيّة تبدأ من المسرح

مسرحية "ربيع العربي"، مسرحية تعبر عن تعاون جديد بين شقي المشهد الثقافي؛ الليبرالي والإسلامي، لتجمع بين المسرح الحداثي والكلاسيكي، لكنها مسرحية فقيرة في انتاجها، بسبب غياب التمويل الوطني عن المسرح في قطاع غزة.
paa.jpg

مدينة غزّة، قطاع غزة - "أنت بريء يا ربيع... أنت بريء يا ربيع"، بهذه الكلمات صرخ الحشد في الشاب العشرينيّ "ربيع"، الّذي قضى ساعة ونصف ساعة على خشبة مسرح "هولست" في مدينة غزّة، يمثّل حكاية المواطن العربيّ الّذي ترميه الأقدار من ظلم إلى آخر، في الشارع والعمل والسجن والبيت. هناك لوحات عدّة ضمّتها مسرحيّة "ربيع العربيّ" للمخرج عصام شاهين، والّتي كانت فقيرة في الديكور، ولكنّ غنيّة في الرمزيّة، وكان الشاب ربيع الّذي أدّى دوره الممثّل مجد عنتر يرمز إلى الرّبيع العربيّ، حيث أعلن الجميع مؤامرة كبيرة لسحقه.

وكان الممثّلون الّذين يزيد عددهم عن العشرين - وهم الحشد إمّا في السجن أو في البيت أو في العيادة النفسيّة أو في التكية الدينيّة- قد أتقنوا أدوارهم وأمتعوا الجمهور بين أدوار تراجيديّة، وأخرى فيها الكثير من الفكاهة.

وفي المسرحيّة، تعدّدت لهجات الحوار بين المصريّة والسوريّة والفلسطينيّة، للدلالة على بلاد الثورات العربيّة، وما فعل بها استبداد أجهزة الأمن، وسط هتافات بالشعار الأشهر "عدالة، عيش، حريّة"، الّذي كان رمزاً للثورة المصريّة.

وتنتمي المسرحيّة إلى المسرح التجريبيّ في ديكورها المتنقّل وكسر الإيهام عند المتلقّي، وتبعثر الحبكة على عدد من اللّوحات المسرحيّة، وهو الأسلوب الّذي غالباً ما اتّبعه المخرج عصام شاهين، متأثّراً بالكاتب المسرحيّ المصريّ لينين الرمليّ.

وكان المخرج شاهين قد غاب عن العمل المسرحيّ أربعة أعوام ليعود بهذه المسرحيّة الّتي لم يكن مخطّط لها، بل جاءت كدورة لتدريب الممثّلين على الاحتراف، الّتي نظّمتها "رابطة الفنّانين الفلسطينيّين"، الّتي تمّ تأسيسها في عام 2010، بعد أن سيطرت "حماس" على قطاع غزّة في يونيو/حزيران من عام 2007.

ويعتبر هذا العمل تعاوناً جديداً بين مخرج لطالما قدّم أعمالاً مسرحيّة ليبيراليّة تنتمي إلى المسرح الحديث مع رابطة فنّانين غالباً ما قدّمت أعمالاً إسلاميّة كلاسيكيّة.

وربّما يكون "المسرح"، وهذه المسرحيّة بالذات، بداية المصالحة الوطنيّة والسياسيّة الّتي تأتي بعد خلافات كثيرة بين شريحة من المخرجين والشعراء والأدباء وبين المؤسسات الثقافية القريبة من حركة "حماس".

ومن هنا، تسهل ملاحظة ثنائيّة الآداء والخطاب، بين رمزيّة عالية رفعت من قيمة المسرحيّة، وخطابيّة مباشرة ومملّة وإيديولوجيّة أفقدت المتلقّي اهتمامه في بعض المشاهد.

وأكّد شاهين لـ"لمونيتور" أنّهم في دورة الممثّلين استطاعوا أن يجمعوا بين ممثّلين من توجّهات مختلفة. لذلك، كان هناك اختلاف في الآداء، فهناك ممثّلون اعتادوا على المسرح الإسلاميّ، ويدخلون للمرّة الأولى تجربة المسرح التجريبيّ، الّذي يعتمد على الحركة وصدمة الجمهور.

وعن التّجربة الأولى الّتي تجمعه بالرّابطة، قال: "لم تكن هناك إشكاليّة على الإطلاق، طالما أنّ الهدف هو الفنّ والمسرح، ولا توجد أجندات معيّنة".

ومن جهته، أكّد مدير رابطة الفنّانين الفلسطينيّين عمر الرّاعي لـ"المونيتور" أنّهم لم ينظروا على الإطلاق إلى انتماء المخرج والممثّلين الّذين تدرّبوا في الدورة، بل كان الهدف هو الإبداع، وقال: "أردنا الاستفادة من خبرات المخرج المتميّزة والحديثة. وكانت التّمرينات بمثابة ورشة عمل مفتوحة للجميع".

ولم يكن غياب شاهين عن المسرح عبثيّاً، بل جاء بعد شحّ التّمويل الثقافيّ والوطنيّ للمسرح في قطاع غزّة، والّذي أصبح يعتمد على تمويل المؤسّسات لتقديم قضايا تهتمّ بشريحة المهمّشين كالطفل وذوي الإعاقة، والمرأة.

وفي هذا المجال، قال الكاتب الروائيّ والمسرحيّ عاطف أبو سيف لـ"المونيتور": "إنّ المسرح الفلسطينيّ لا يقوم على الرأس الماليّ الوطنيّ، فالموازنة الوطنيّة لا تستثمر على الإطلاق في الثقافة والمسرح. وبالتّالي، فهو يعتمد على مشاريع الدّعم الخارجيّ الّذي يرتبط بأجندات معينة".

ولفت إلى غياب نصوص مسرحيّة قويّة، مؤكّداً أنّ الانقسام السياسيّ الفلسطينيّ أثّر على المسرح، مشيراً إلى أنّ هناك تشديدات كثيرة فرضتها حكومة حماس السابقة في القطاع على الحركة المسرحيّة كمنع مشاركة النّساء، وقال: "في حين أنّنا ننسى جميعاً أنّ المسرح هو الفنّ الآنيّ الوحيد القائم على اللّحظة، والّذي يمكن أن يعالج أزمات وقضايا عدّة، أوّلها الانقسام المجتمعيّ والسياسيّ".

أمّا المخرج والممثّل جمال أبو القمصان فتحدّث عن المسرحيّة الّتي قام بإخراجها وكانت بتمويل وطنيّ، وهي مسرحيّة "Game Over" منذ خمسة أعوام، مؤكّداً غياب الاستراتيجيّة لدى السلطة الوطنيّة ووزارة الثقافة برام الله لدعم المسرح في القطاع.

ورأى المخرج شاهين أنّ الانقسام السياسيّ والحصار الّذي تعيشه غزّة، هما السبب الرئيسيّ وراء تراجع المسرح في غزّة، وقال: "في مسرحيّتنا الأخيرة لم نفكّر في فتح وحماس، ومن هو إسلاميّ أو غير إسلاميّ، بل خدمنا الفنّ ومن دون تمويل، وقدّمنا شيئاً مختلفاً، واستفدنا جميعاً من خبرات بعضنا البعض على اختلافها، سواء أكانت إسلاميّة أم ليبراليّة".

وأكّد مسؤول الرّابطة الرّاعي لـ"المونيتور" صعوبة تقدير الفنّ حاليّاً في قطاع غزّة، وقال: "حين نطلب دعماً للثقافة أو المسرح، يأتينا الردّ أنّ الناس يعانون من آثار الحرب، فكيف نقدّم دعماً إلى الفنّ؟!".

ولفت إلى أنّ تقدير الفنّ ورسالته يكاد يكون معدوماً، مؤكدّاً أنّ هذه هي المسرحيّة الكاملة الأولى الّتي تنتجها الرّابطة وبأقلّ الإمكانات، في حين أنّها أنتجت قبل ذلك عدداً من المهرجانات الاستعراضيّة.

ربّما قليلة هي الأعمال المسرحيّة، الّتي لا يتدخّل المموّل في موضوعها، إلاّ أنّ مسرحيّة كـ"ربيع العربيّ" تعطي الأمل بتجديد الحراك في المشهد المسرحيّ من دون الحاجة إلى تمويل، وبتعاون بين شقّي المشهد الثقافيّ الإسلاميّ والليبراليّ، حتّى لو كانت نهاية المسرحيّة تراجيديّة، فبراءة الشاب ربيع لم تنقذه، وسط صراخ الحشد خلفه: "في السجن لا يوجد أبرياء... بل يوجد أشقياء".

More from Asmaa al-Ghoul

Recommended Articles