تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الشعائر الشيعيّة تزيد من الأعباء الأمنيّة على الدولة

Shi'ite Muslims attend Friday prayers at the Imam Hussein shrine in the holy city of Kerbala July 18, 2014. Iraq's top Shi'ite Muslim cleric criticised the government and international agencies on Friday for failing to do enough to help hundreds of thousands of civilians displaced by fighting between government forces and Sunni Islamist insurgents. REUTERS/Mushtaq Muhammed (IRAQ - Tags: CIVIL UNREST POLITICS RELIGION) - RTR3Z7IR

بغداد — خلال السنوات العشر الأخيرة، لم يترك حسين علوان وأفراد عائلته البالغين 7 أشخاص أيّ مناسبة دينيّة شيعيّة، إلاّ وشاركوا فيها. لقد زاروا مرّات عدّة النّجف وكربلاء، وسامراء. وقبل أيّام، أنهوا رحلة استغرقت يوماً كاملاً، مشياً على الأقدام قطعوا فيها مدينة بغداد من جنوبها إلى شمالها لزيارة ضريح الإمام موسى بن جعفر، وهو سابع الأئمة الإثني عشر عند الشيعة. وفي اتّصال هاتفيّ مع "المونيتور"، أشار حسين إلى أنّ هذه الشعائر صارت جزءاً منه، وهو يشعر بالفخر في ممارستها رغم ما يصاحبها من إرهاق ومخاطر أمنيّة. ولقد استهدفت موكبهم سيارة مفخّخة في 12 مايو/أيّار الماضي في شارع السعدون، ولكن هذا لم يمنعهم من إكمال السير وإتمام زيارة قبر الإمام، وقال بفخر: "نحن نتحدّى داعش وكلّ التكفيريّين إن استطاعوا منع هذه الشعائر".

إنّ الملايين من الشيعة يمتلكون المشاعر ذاتها إزاء شعائرهم الدينيّة، فهم يعدّونها تحدّياً لإثبات الهويّة. وقد ازدادت أعداد المشاركين في هذه الطقوس سنة بعد أخرى، بالتّزامن مع تصاعد وتيرة النزاع الطائفيّ في البلاد. وتعدّ حشودهم أهدافاً رئيسيّة للجماعات الإرهابيّة. ولذلك، فإنّ جهوداً أمنيّة استثنائيّة تبذل على الدوام لحمايتها.

ويحتفل الشيعة بعيد مولد وبذكرى وفاة أئمتهم الإثني عشر، فضلاً عن مناسبات عدّة أخرى. وبعض هذه الإحتفالات، يستغرق على نحو استثنائيّ ما يزيد عن أربعين يوماً، مثل ذكرى مقتل الإمام الثالث الحسين بن علي، إذ يتوافد الزائرون إلى مدينة كربلاء من داخل العراق وخارجه. ولا توجد إحصاءات رسميّة دقيقة عن أعداد المشاركين في هذه الطقوس، إلاّ أنّ الوقف الشيعيّ يقدّم تقديرات في شأنها، وقد وصل أعداد المشاركين في بعضها بحسب هذه التّقديرات إلى 20 مليوناً.

ويقطع الشيعة، نساء ورجاء وأطفالا، مئات الكيلومترات مشيا على الاقدام من اجل الوصول الى اضرحة أئمتهم لزيارتها. ويعتقدون بأن المسير لهذه المسافات الطويلة هو تعبير عن اعلاء شأن هؤلاء الأئمة.

ينبغي على الدولة القيام بجهود أمنية من أجل حماية مواكب هؤلاء المحتفلين. فمع كلّ مناسبة دينيّة تضع الأجهزة الأمنيّة في محافظات البلاد الوسطى والجنوبيّة نفسها في الإنذار، وترصد عشرات الآلاف من العناصر الأمنيّة لتأمين الطرق ومداخل المدن ومخارجها ونشر الآليّات العسكرية عند مفارق الطرق، وإدارة غرف عمليّات تقوم بنشاط استخباريّ متواصل، ويشارك أحياناً طيران الجيش في مراقبة الشوارع.

كما يتلقّى بعض المحافظات دعماً عسكريّاً من محافظات أخرى. فعلى سبيل المثال، أرسلت محافظة ميسان في ديسمبر/كانون الأوّل من عام 2014 فوجين قتاليّين إلى محافظة كربلاء للمساهمة في حماية الزوّار، وأرسلت محافظة الناصريّة فوجين من شرطة المحافظة وسريّة الطوارئ إلى كربلاء للغرض نفسه.

كشف قائد عمليّات بغداد عبد الأمير الشمري خلال مؤتمر صحافيّ عقده في بغداد في 9 مايو/أيّار الحاليّ عن أنّ عدد القوّات الأمنيّة الّتي خصّصت لحماية زيارة الكاظم الأخيرة في بغداد وصل إلى 75 ألف عنصر أمنيّ.

وفي هذا السّياق، كشف قائد عمليّات الرّافدين الفريق مزهر شاهر في مؤتمر صحافيّ عقده في مقرّ قيادة شرطة واسط في 26 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2014 عن نوع الخطط والاستعدادات الأمنيّة، الّتي تتّخذها أجهزة الدولة لحماية المحتفلين بإحدى هذه المناسبات الدينيّة.

وشملت هذه الإجراءات، بحسب الفريق شاهر، نشر عشرات الآلاف من العناصر الأمنيّة على الطرق المؤدّية إلى مدينة كربلاء، وهي تمّت بجهود "مشتركة بين الشرطة بكلّ صنوفها والجيش والأمن الوطنيّ والمخابرات. وهناك غرفة عمليّات تدير حركة القوّات الأمنيّة على الأرض، وترتبط باللّجنة الأمنيّة العليا في كلّ محافظة، والّتي تؤدّي دورها بالتّنسيق المشترك مع قيادة عمليّات الرّافدين الّتي تنسق العمل بين القيادات المجاورة لها لضمان حماية الزوّار".

وإنّ سوء الوضع الأمنيّ والكلفة الكبيرة الّتي تستدعيها حماية الحشود البشريّة طرحا في بعض الأوساط هواجس مشتركة في إعادة تقويم هذه المسألة.

ورأى ابراهيم الحسني، وهو ضابط متقاعد سبق له أن ساهم في عمليّات حماية الزوّار في مدينة بغداد، أنّ الجهود الأمنيّة والاستخباراتيّة المخصّصة لحماية هذه الطقوس، لو أنّها تركّزت على محاربة تنظيم داعش في المحافظات الّتي يحتلّها، لأعطت نتيجة مختلفة وإيجابيّة في الحرب على الإرهاب، وجاء ذلك خلال اتّصال هاتفيّ مع "المونيتور"، مشيراً إلى أنّ الحشود المشاركة في هذه الشعائر تقدّم إلى الحركات الإرهابيّة أهدافاً سهلة.

وعارض هذا الرأي حسين علوان، الّذي أشار لـ"المونيتور" إلى أنّ من واجب الحكومة حماية الحشود الّتي تقوم بشعائرها. وبالنّسبة إليه، فإنّ المشاركة في هذه الشعائر "واجب لا يتنازل عنه الناس مهما حدث".

وقدّم بعض الأحداث أدلّة على حصول مفارقات كبيرة بين مخاطر الحال الأمنيّة وواجب حماية الحشود، ففي 11 يوليو/تموز من عام 2014، أيّ بعد يوم واحد على احتلال تنظيم داعش مدينتي الموصل وتكريت، أعلن قائد عمليّات بغداد، في مؤتمر صحافيّ عقده في مقرّ قيادة العمليّات، عن تخصيص 22 ألف عنصر أمنيّ للمشاركة في حماية إحدى هذه الشعائر والمسمّاة "زيارة النّصف من شعبان".

وتعليقاً على هذا الخبر، قال ابراهيم الحسيني لـ"المونيتور": "إنّها مفارقة كبيرة، فالبلد يتعرّض للإحتلال، فيما تحشد الدولة قوّاتها في اتّجاه آخر".

ولا يعترض ابراهيم، وهو شيعيّ، على مبدأ إقامة هذه الطقوس الدينيّة، فهو يعلن عن حبّه لها وممارسته لها أيّام شبابه، لكنّه يرى أنّ مصلحة البلاد تتطلّب الآن التّخفيف من حجم هذه الاحتفالات الدينيّة، ثمّ تخفيف الأعباء الأمنيّة على الدولة، والسماح لها بحشد قدراتها وجهودها لمحاربة التّنظيمات الإرهابيّة الّتي تتمدّد داخل الأراضي العراقيّة.

لقد شقّ مثل هذا النقاش طريقه للرأي العام، ولكن لا يبدو أنّ الحكومة العراقيّة قادرة بمفردها على اتّخاذ خطوة كهذه، فالأمر لا يتعلّق بقرار سياسيّ، بل يستدعي تفهّماً من المؤسّسات الدينيّة الفاعلة في البلاد، كمرجعيّة النّجف، لإقناع أتباعها بتأجيل ممارسة بعض هذه الطقوس لفترة من الزمن، لتتهيّأ الحكومة لحشد كلّ إمكاناتها الأمنيّة لتحرير الأراضي العراقيّة الّتي تحتلّها الجماعات الإرهابيّة.

More from Shukur Khilkhal

Recommended Articles