تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

روسيا تتدخّل في مسألة اليمن

بعد تحوّل روسيا إلى القوة النّاعمة في الشرق الأوسط، يناقش الرئيس فلاديمير بوتين "حاجة روسيا إلى التخلي عن 'قانون الغلبة للأقوى' و'حكم القبضة الحديديّة'".
The Russian ambassador to the United Nations Vitaly Churkin abstains from a vote in the United Nations Security Council attempting to halt the escalating conflict in Yemen in New York April 14, 2015. The United Nations Security Council on Tuesday imposed an arms embargo targeting the Iran-allied Houthi rebels who rule most of the country and blacklisted the son of Yemen's former president and a Houthi leader after veto-power Russia abstained.  REUTERS/Lucas Jackson      TPX IMAGES OF THE DAY      - RTR4XBCA

تستثمر روسيا موارد هائلة في القوة الناعمة وتحديدًا في ما يدعوه الأميركيّون دبلوماسيّة عامّة في الشرق الأوسط وحول العالم. لكن هل هذا ناجع؟ إنّ النتائج في اليمن، وقبلها في سوريا، تشير إلى خلاف ذلك.

إنّ كبار المسؤولين الروس، انطلاقًا من الرئيس فلاديمير بوتين ونزولاً إلى أسفل الهرم، يدعون باستمرار إلى إيجاد حلّ سلمي في الشرق الأوسط ويدينون العنف. بالفعل، قامت وزارة الخارجيّة الروسيّة بذلك مجدّدًا قبل أربعة أيام فقط من وقف إطلاق النار في اليمن في منتصف شهر أيار/مايو. وفي وقت سابق، قام السفير الروسي لدى الأمم المتّحدة، فيتالي شوركين، بانتقاد الولايات المتّحدة والحكومات الغربيّة لفشلها في دعم قرار مجلس أمن الأمم المتّحدة الذي يدعو إلى "الهدنة الإنسانيّة"، وحذّر شوركين في ما بعد من أنّ إرسال الجيوش البريّة الأجنبيّة إلى اليمن "قد يؤدّي إلى كارثة إنسانيّة خطرة للغاية".

أمّا على صعيد الأفعال فتصرّفت موسكو بإيثار قبل كلّ شيء في بعض الظروف الدقيقة، كما لدى إجلاء البحرية الروسيّة في شهر نيسان/أبريل لأكثر من 300 مدنيّ من اليمن. وبحسب التقارير الصّحفيّة، كان من بينهم 45 روسيًا فقط، وكان معظمهم من اليمنيّين. والمثير للاهتمام هو أنّ حوالي 18 من بينهم كانوا أميركيّين، ما دفع بوزير الخارجيّة الأميركي جون كيري لشكر وزير الخارجيّة الروسي سيرغي لافروف في اتّصال هاتفي، بحسب ما ورد في تصريح صادر عن وزارة الخارجيّة الروسيّة. (عندما سئلت الناطقة باسم وزارة الخارجيّة الأميركيّة ماري هارف عن الموضوع، بدت متفاجئة بذلك، لكنّها شكرت موسكو بنفسها.)

مع ذلك، قلّة من الأشخاص في المنطقة أو خارجها يقولون إنّ تنبيهات روسيا العلنيّة قد ساهمت في وقف إطلاق النار، أو حتّى يعترفون بفضل روسيا في السعي إلى ذلك، بل على العكس، يرى معظمهم أنّ دبلوماسيّة روسيا لا تخدم إلا المصلحة الذاتيّة الروسيّة.

لماذا؟

السبب ليس بغريب عن الأميركيّين: الاتّهامات بالنّفاق. نادرًا ما يمرّ يوم لا يقوم فيه أحد في مكان ما باتّهام الولايات المتّحدة بقول أمر والقيام بعكسه، بخاصّة في الشرق الأوسط، وفي أماكن أخرى كثيرة حول العالم. بالإضافة إلى ذلك، ليس هذا الانتقاد دائمًا من دون أساس. فكما كتبت السفيرة الأميركية السابقة لدى الأمم المتّحدة جين كيركباتريك في العام 1979، "تعدّ التّناقضات جزءًا مألوفًا من الحياة السياسية في معظم المجتمعات. لكن عادة تتصرّف الحكومات بنفاق عندما تتناقض مبادئها مع المصلحة الوطنية".

اليوم، غالبًا ما يقوم بوتين نفسه باتّهام الولايات المتّحدة والحكومات الغربيّة بالنّفاق وازدواجيّة المعايير، كما فعل في مؤتمر صحفي عقده مؤخرًا مع المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل في خلال زيارتها إلى موسكو في شهر أيار/مايو. في تلك الحالة، لفت بوتين الانتباه إلى واقع أنّ "انقلابًا جرى [في اليمن] وتنحّى الرئيس" وأنّ "دولاً أخرى تربطها بروسيا علاقات جيّدة تريد إعادته إلى السلطة". وقال أيضًا إنه في أوكرانيا، توفّرت "جميع أنواع الدعم لأولئك الذين نفّذوا الانقلاب" ضدّ الرئيس السابق فيكتور يانوكوفيتش.

ويكمل بوتين مشتكيًا، "إذا طبّقنا معايير مختلفة على النوع عينه من الأحداث، لن نتمكّن أبدًا من الاتّفاق على شيء" وبدون سخرية، يقول "إننا بحاجة إلى التخلّي عن 'قانون الغلبة للأقوى' و'حكم القبضة الحديديّة'".

من إحدى وجهات النظر، إنّ سياسة روسيا في الشرق الأوسط ثابتة إلى حدّ ما – تسعى موسكو إلى الاستقرار والسلام في المنطقة، وترى أنّ الحكومات القويّة هي أفضل من يضمن كلاً منهما. وتنصّ الحكمة التقليديّة الروسيّة المحافظة على أنّ الحكومات الضعيفة قد تؤدّي إلى مناطق غير محكومة أو حتّى إلى انهيار الدول حيث يسيطر الإرهاب والتطرّف. بالتالي، عارض الكرملين تدخل الولايات المتّحدة في العراق في العام 2003، واعترض مؤخرًا على تسليح المعارضة السوريّة، وطبعًا اعترض بشدّة على أيّ هجمات أميركيّة أو غربيّة مباشرة على القوات العسكريّة التابعة لنظام الأسد.

تمثّل اليمن حالة معقّدة إلى حدّ ما، إذ إنّ معارضة روسيا للضربات الجوية التي تقودها السعوديّة هي دعم فعلي للمتمرّدين الحوثيّين بدلاً من الحكومة اليمنيّة المخلوعة. في هذه الحالة، يبدو أنّ موسكو ترى في الحوثيّين الرهان الأفضل لإعادة فرض النظام، وبناء على ذلك، تعارض أيّ تدخّل خارجي قد يحول دون حصول ذلك أو قد يؤخّره؛ مع أنّه منذ سنتين فقط، قال بوتين للرئيس عبد ربه منصور هادي إنّ "روسيا ستبذل كلّ ما في وسعها لمساعدتك ودعمك".

إنّ موقف روسيا من ليبيا هو ربما الاستثناء الذي يثبت القاعدة: عندما طلب الرئيس الروسي آنذاك ديمتري ميدفيديف من الدبلوماسيّين الروس الامتناع عن التصويت في مجلس الأمن لصالح تسهيل الضربات الجويّة، أعرب بوتين، رئيس وزرائه آنذاك، عن عدم موافقته بشكل علني. وإنّ تصريحات بوتين في أعقاب الهجوم على الدبلوماسيّين الأميركيّين في بنغازي في خريف عام 2012 تقدّم أحد أوضح التفسيرات على تفكيره، وهي تستحقّ أن تُنقَل بحرفيّتها.

"في السنوات الأخيرة، اختلفنا مرات كثيرة بالرأي مع شركائنا الأميركيّين بخاصّة حول أساليب حلّ المشاكل في الدول المضطربة. نحن نشارك مبادئ الديمقراطيّة والحريّة، ونوافق على أنّ الكثير من المناطق حول العالم فيها عدّة أنظمة سياسيّة لا تتبع هذه المعايير.

"إنّ الفرق في المقاربات بيننا وبين شركائنا الأميركيّين يكمن في واقع أننا نؤمن بأنّ هذه الأنواع من المشاكل يجب أن تُحَلّ من خلال مفاوضات صعبة لكن سلميّة تودي إلى نتائج إيجابيّة موجّهة على الأمد الطويل، لضمان التطور الإيجابي لهذه الدول والتعايش الآمن بين جميع المعتقدات، والمجموعات الدينيّة والإثنيّة في هذه البلدان. وهذه عمليّة صعبة ودقيقة تتطلّب صبرًا ومهارة.

"نحن لا ندعم أيّ مجموعات مسلّحة تحاول حلّ المشاكل الداخليّة من خلال القوّة لأننا في العادة غير قادرين على أن نفهم بوضوح الأهداف النهائيّة لهؤلاء الأفراد وبالتالي يخالجنا دومًا شعور مزعج بأنّ حصول مثل هذه الجماعات المسلّحة على دعم من الخارج قد يؤول إلى طريق مسدود. لا نعرف أبدًا الأهداف الأخيرة لهؤلاء "المقاتلين من أجل الحرية" ونشعر بالقلق من أنّ المنطقة قد تدخل في حالة من الفوضى وهذا في الواقع ما يحصل بالفعل".

لكنّ المشكلة في هذه المقاربة هي طبعًا أنّ "العمليّة الدقيقة" "للمفاوضات السلميّة" ليست ممكنة ما لم توافق الحكومات على التفاوض. يخلق ذلك توتّرًا ملحوظًا في موقف موسكو التي تفضّل أصلاً وفعليًا الحكومات بدلاً من الفئات الاجتماعيّة غير الراضية. بالإضافة إلى ذلك، إنّ موسكو مستعدّة تمامًا لدعم الحكومات مثل حكومة بشار الأسد في سوريا في قمعها الوحشي للمعارضة الداخليّة. يرى المراقبون في الشرق الأوسط وأماكن أخرى ذلك – ويرون اعتراضات موسكو المتكرّرة في مجلس أمن الأمم المتّحدة ومساعدتها العسكريّة لحكومة الأسد – ويستخلصون حتمًا استنتاجاتهم الخاصّة حول دوافع روسيا ومبادئها.

بعد الأحداث في سوريا، ليس من المستغرب أنّ قوّة موسكو الناعمة ودبلوماسيّتها العامّة لا تتمتّعان سوى بتأثير محدود – وجد استطلاع للرأي أجراه مركز بيو للدراسات في العام 2014 أنّ متوسّط 68% لديهم نظرة سلبيّة تجاه روسيا في بلدان الشرق الأوسط التي شملها المسح. وفي مصر، والأردن وتركيا، أكثر من ثلاثة أرباع المستجيبين "لا ثقة" لديهم في بوتين.

وكما اكتشفت الولايات المتّحدة، يتطلّب الأمر أكثر بكثير من إنفاق الأموال على وسائل الإعلام التي ترعاها الحكومة لحلّ المسألة. 

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial