تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

بعد ثلاثة عقود على إغلاقها... السينما في غزّة بلا قاعات

A Hamas policeman rides a motorcycle past a billboard promoting a film titled "Imad Aqel" in Gaza City August 3, 2009. "Imad Aqel", which had its premiere on Saturday, is the first feature film produced by the Islamist Hamas movement and the title is the name of a Palestinian militant whom Israel held accountable for the deaths of 13 soldiers and settlers. REUTERS/Ismail Zaydah (GAZA POLITICS SOCIETY ENTERTAINMENT) - RTR26DLS

مدينة غزّة - لم يتبقّ من دور العرض السينمائيّ في قطاع غزّة سوى بعض أسمائها التي تطلق على بعض الميادين التي تقع في محيطها. فارتبطت تلك الأسماء في مخيّلة الأجيال الجديدة بعناوين، فيما تلاشت صورة السينما لدى معظم الغزّيين بعد إغلاق دور العرض في بداية الانتفاضة الفلسطينيّة في عام 1987، الأمر الذي أضعف الحركة السينمائيّة الفلسطينيّة النامية في ما بعد.

عرف قطاع غزّة دور السينما في النصف الثاني من أربعينيّات القرن الماضي، إذ كانت سينما الخضراء في حيّ الشجاعيّة العريق وسط مدينة غزّة أوّلها، وانتقلت تلك السينما مع بداية الخمسينيّات إلى دار السينما الجديدة، والتي أخذت اسم سينما السامر، تلتها مع منتصف الخمسينيّات كلّ من سينما الجلاء والنصر وعامر الصيفيّة، وكلّها في مدينة غزّة، وفقاً لحديث الباحث في تاريخ السينما في غزّة محمود روقة.

وفي هذا الصدد، قال روقة لـ"المونيتور" إنّ تلك الدور توقّفت عن العمل بسبب احتلال إسرائيل قطاع غزّة في عام 1967، مضيفاً: "عادت دور السينما إلى العمل مع بداية سبعينيّات القرن الماضي، كما ظهرت دور سينما جديدة بمواصفات أقلّ من التي سبقتها، إذ كانت القديمة على الطراز السينمائيّ المعروف عالميّاً، ومنها سينما صابرين والسلام والحريّة في مدينة رفح، والحريّة في مدينة خانيونس، وسينما الشاطئ بالقرب من معسكر الشاطئ للّاجئين".

وأوضح أنّ دور السينما بقيت تعمل في غزّة حتّى بداية الانتفاضة الفلسطينيّة في عام 1987، غير أنّ بعض المثقّفين حاولوا إحياء بعضها بعد سنوات على إغلاقها، وأضاف: "ساهمت مجموعة من المثقّفين والمسرحيّين في عام 1993 بترميم سينما الجلاء وتجديدها تحت اسم دار الجلاء للثقافة والفنون لتعيد الحياة من جديد إلى العمل الثقافيّ والمسرحيّ وعروض الأفلام السينمائيّة، لكن سرعان ما امتدّت إليها يدّ التخريب وحرقتها".

وتابع قائلاً: "حاول في عام 1994 بعض المثقّفين والفنّانين تحويل سينما النصر إلى مركز النصر الثقافيّ، وساعدتهم في ذلك السلطة الفلسطينيّة، إلّا أنّ المشروع أيضاً لم ينجح بسبب الحرق والتخريب على أيدي من لم ترق لهم مشاهدة أفلام سينمائيّة ".

فالتجربة العريقة لقطاع غزّة في دور العرض السينمائيّ امتدّت إلى أكثر من أربعين عاماً خلّفت وراءها أكثر من عشر دور، تراوحت مصائرها بين الهدم والإغلاق التامّ، وتحويل بعضها إلى صالات أفراح ومكتبة تابعة إلى إحدى المؤسّسات الإسلاميّة.

وحاول مراسل "المونيتور" الوصول إلى بعض دور السينما المغلقة التي تركت للزمن بعد الإهمال، خصوصاً داري السامر والنصر في مدينة غزّة، إلّا أنّ التواصل مع أصحابها لم يثمر عن شيء بسبب إغلاقها بقوّة المحاكم نتيجة المشاكل بين ورثتها ومالكيها.

وأكّد مدير عام الإبداع والفنون في وزارة الثقافة في غزّة عاطف عسقول أهميّة وجود دور سينما في غزّة، إذ تصنع حركة كبيرة في الإنتاج السينمائيّ والتفاعل مع الأفلام.

وأضاف لـ"المونيتور": "دور العرض هي النهاية الطبيعيّة لدورة صناعة السينما في أيّ مكان، وبالتالي أمر مؤكّد أنّ وجود دور للعرض السينمائيّ هو عامل مهمّ جدّاً في معرفة تأثير صناعة السينما على وعي المجتمع وثقافته".

وقال عسقول إنّ إعادة إنشاء دور السينما أو بناء جديدة، يشبه التوغّل في حقل من أشواك أو ألغام، مبيّناً أنّ الأمر تحكمه الكثير من الحسابات التي لها علاقة بالمجتمع والسياسة.

واستدرك: "دور السينما لها علاقة بالاستثمار في القطاع الخاصّ، وليس للوزارة كمؤسّسة رسميّة أيّ تأثير عليها في هذا الإطار. ومثلما يقال دائماً فإنّ رأس المال جبان، لذلك تكون هناك حسابات معيّنة في هذا الإطار".

وعن العوامل التي تحدّ من التفكير في إنشاء دور للعرض السينمائيّ، بيّن عسقول: "العوامل كثيرة، بعضها اقتصاديّ وسياسيّ واجتماعيّ وثقافيّ، إضافة إلى نزوع المجتمع إلى ثقافة معيّنة وعادات وتقاليد تشكّل سماته، كمجتمعنا الفلسطيني المحافظ في غالبيته، وتقبّل البعض لها، وربط البعض الآخر لها بأمور خارج إطار الأخلاق وفقا لثقافته وعاداته. لكنّ هذا الأمر يكون أحياناً بعيداً عن الصواب، خصوصاً إذا سارت الأمور في الإطار الصحيح بعيدا عن أي ابتذال. كما أنّ هناك أولويّات أخرى في ظلّ الوضع الاقتصاديّ السيّئ، لذلك إنشاء دور سينما لا تشغل سوى بعض المتخصصين والمهتمين والحالمين".

يرى المتخصّصون أنّ إغلاق دور السينما في غزّة لعب دوراً مهمّاً في تراجع حركة السينما النامية أصلاً. وقال مدير ملتقى الفيلم الفلسطينيّ المخرج سعود مهنّا لـ"المونيتور" إنّ معظم صانعي الأفلام في غزّة اتّجهوا إلى إنتاج الأفلام القصيرة والوثائقيّة نتيجة عدم وجود دور عرض سينمائيّ، مشيراً إلى أنّ المتابع لمسيرة الأفلام السينمائيّة في غزّة منذ بداية التسعينيّات حتّى اليوم سيجد أنّ 95% منها وثائقيّة وقصيرة ومعظمها إنتاج شخصيّ.

وتابع: "لا يمكن أن تزدهر صناعة السينما إطلاقاً من دون دور عرض، فإغلاقها أدّى إلى تراجع كبير في مفهوم السينما والثقافة السينمائيّة لدى المجتمع، وأثره سيّئ ومدمّر على كلّ من يعمل في صناعة السينما".

وأضاف: "على الرغم من التطوّر التكنولوجيّ ، إلّا أنّ كلّ ذلك لا يغني عن وجود دار للسينما كانت تجمع الأهل والأحبّة والأصدقاء. والآن، في الدول العربيّة البسيطة كاليمن والسودان، لا يخلو شارع ومدينة من دار للسينما".

ولفت مهنّا إلى أنّ دور السينما في ستينيّات القرن الماضي وسبعينيّاته ومنتصف ثمانيناته كانت رافداً أساسيّاً للثقافة الآتية من الدول العربيّة والعالم من خلال الأفلام التاريخيّة والدينيّة التي كانت تعرض فيها، قائلاً: "تعوّدنا منذ الصغر على مشاهدة الأفلام ومتابعة الحضارة من خلالها، فتعرّفنا على مصر وحضارتها، وحضارات سوريا وأميركا وفيتنام، إضافة إلى السعادة الغامرة التي كنّا نشعر بها حين نشاهد فيلماً. لكن بعد إغلاقها، انقطعت غزّة عن العالم".

واعتبر مهنّا أنّ إغلاق دور السينما في غزّة جريمة بحقّ الإنسان الفلسطينيّ، وضرب من ضروب التخلّف، لأنّه قضى على الكثير من الموهوبين والهواة والكتّاب. وتابع: "أتوقّع أنّه لو استمرّت دور السينما في غزّة، لحدثت نهضة سينمائيّة. فمثلاً بعد عام 1994، أخرجت ستّة أفلام روائيّة طويلة، لكنّنا عرضناها في صالات صغيرة، لذلك لو سألت الجمهور الفلسطينيّ عن الأفلام السينمائيّة الفلسطينيّة ومخرجيها، فلن يعرفوهم، بسبب إغلاق دور السينما التي كانت المتنفّس الثقافيّ والمرئيّ لهم".

وطالب وزارة الثقافة في غزّة بإعادة ترميم دور السينما والعمل على تشجيع إنتاج الأفلام السينمائيّة، إضافة إلى الرقابة على الأفلام المنتجة لضمان استمرار العمل فيها وإلغاء أيّ حجج لعرقلة عملها.

تتجاوز النتائج السلبية لإغلاق دور السينما العريقة في قطاع غزة المكان الذي كانت تعمل منه، ليكون جزءا رئيسيا من تلك النتائج إغلاق منفذا ومتنفّساً ثقافياً يلعب عاملا مهما في تشكيل ثقافة ووعي الجمهور.

More from Mohammed Othman

Recommended Articles