تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

بدو جنوب سيناء كلمة السرّ في نجاح المؤتمر الاقتصاديّ بمصر

An Egyptian military helicopter flies over the conference centre hosting the Egypt Economic Development Conference (EEDC) in Sharm el-Sheikh, in the South Sinai governorate, south of Cairo, March 14, 2015. REUTERS/Amr Abdallah Dalsh  (EGYPT - Tags: BUSINESS POLITICS TRANSPORT MILITARY) - RTR4TCPP

العريش، مصر - وسط الزّخم الإعلاميّ الكبير بين القوى الدينيّة والعسكريّة المتصارعة على حكم مصر، حول الجدوى الفعليّة من المؤتمر الاقتصاديّ الذي اختتم أعماله الأحد الماضي في شرم الشيخ، تبقى حقيقة نجاح المؤتمر أمنيّاً، معاكسة لكلّ توقّّعات احتمال حدوث عمليّات إرهابيّة، لإفشال محاولة مشاركة نحو 90 دولة عربيّة وأجنبيّة، في دعم الاقتصاد المصريّ المتعثّر.

وبذلك، ينتزع نظام السّيسي العسكريّ ورقة أمل رابحة من خلال استمرار تخطّيه تهديدات العرقلة الواضحة من خصومه، سواء أكانت جماعة الإخوان الّتي دعت، في شكل واضح وصريح، إلى ضرورة إفشال المؤتمر، أم تهديدات جماعة بيت المقدس الإرهابيّة، الّتي تضرب بين الحين والآخر كلّ ما تراه يزعزع استقرار الحكم المعادي لتوسّعاتها الدينيّة، الّتي تصفها أغلبيّة الشعب المصريّ بالمتطرّفة.

ورأى أحد الباحثين في شؤون سيناء والجماعات المسلّحة، والّذي رفض الكشف عن هويّته، أنّ نجاح المؤتمر من دون حدوث أيّ عراقيل أمنيّة أو عمليّات إرهابيّة بهذا الشكل يعدّ ورقة رابحة لدعم السّيسي عالميّاً، وقال في حديث إلى "المونيتور": "إنّ اختيار السّيسي عقد المؤتمر في شرم الشيخ، وهي إحدى مدن شبه جزيرة سيناء، والّتي تشهد هجمات إرهابيّة عنيفة من أقوى التّنظيمات الإرهابيّة عالميّاً، كان اختياراً مقصوداً وذكيّاً ليقول للعالم إنّه يستطيع القضاء على الإرهاب، رغم كلّ التّهديدات، كأنّه يقول إذا لم تدعموا سياساتي فالعكس سيكون صحيحاً".

أضاف: "إنّ العالم يدرك خطورة انتشار الإرهاب في مصر، وخصوصاً في سيناء، الّتي تعدّ محوراً استراتيجياً مهمّاً، خصوصاً لجوارها للصراع الإسرائيليّ - الفلسطينيّ، والّذي يعدّ أساس الصراع وعدم استقرار الشرق الأوسط".

وتابع: "أجزم حصول السيسي على الدّعم الغربيّ بأكمله، بعد المؤتمر، رغم قلقه المستمرّ من أسلوبه المناهض للحريّات وحقوق الإنسان وقمع معارضيه، إلاّ أنّ رفض هذه الدول الغربيّة للسياسات الديكتاتوريّة القمعيّة لا يمكن أن يكون أبداً على حساب الموافقة على البديل الدينيّ المتطرّف (داعش)، الّذي يتوعّدها بذبح الرقاب وتدمير إمبراطوريّاتها بالعنف والتطرّف".

وأثار غياب العمليّات الإرهابيّة، في فترة انعقاد المؤتمر من 13 إلى 16 مارس/آذار الجاري، التّساؤلات والاتّهامات لدى عدد من الإعلاميّين وقطاع كبير من المصريّين على مواقع التّواصل الإجتماعيّ، حول وجود صلة عمل بين النّظام الحاكم والجماعات الإرهابيّة، وخصوصاً تنظيم بيت المقدس (ولاية سيناء).

وفي هذا السّياق، سأل عمرو أديب، وهو المؤيّد لنظام الرّئيس السيسي، في إحدى حلقاته: "ليه توقّفت التّفجيرات من أول ما بدأ المؤتمر إلى حدّ انتهائه؟".

وردّ عليه الإعلاميّ محمد ناصر المحسوب على الإخوان المسلمين، متهكّما: "اسأل نفسك ليه"، في ردّ حمل اتّهامات للنّظام بتدبير العمليّات الإرهابيّة.

واتّضح من الرّصد الميدانيّ لعمليّات بيت المقدس الإرهابيّة، قبيل بدء المؤتمر بأسبوعين، استهداف أربع آليّات عسكريّة في مناطق مختلفة في العريش والشيخ زويد بعبوات ناسفة، ممّا أدّى إلى مصرع 7 عناصر من الجيش وإصابة 14 آخرين. وجرت محاولة فاشلة لاختراق معسكر الأمن المركزيّ في العريش بسيارة مفخّخة مزوّدة بعشرة أطنان من المتفجّرات يقودها انتحاريّ، وأصيب من تبعات موجة التّفجير الشديدة أكثر من 30 مجنّداً، فضلاً عن حرق شاحنة وقود متخصّصة في تموين المعدّات العسكريّة في عمليّة منفصلة وسرقة شاحنتي نقل مياه وسيّارتين تابعتين لوزارة الكهرباء والطاقة، يرجّح استخدامها في عمليّات انتحاريّة مقبلة.

فهل تعني هذه المعلومات ترجيح نظريّة المؤامرة، بأنّ هناك علاقة بين النّظام الحاكم والإرهاب، وإلاّ لماذا توقّفت العمليّات الإرهابيّة في فترة انعقاد المؤتمر؟

وردّاً على هذا السؤال، قال أحد المنشقّين عن تنظيمات السلفيّة الجهاديّة في سيناء في حديث لـ"المونيتور": "لم تتمكّن وحدة المراقبة والرّصد التّابعة لولاية سيناء (بيت المقدس) من إيجاد ثغرات لدخول جنوب سيناء، لتنفيذ عمليّة كبرى خطّط لها لإفشال المؤتمر، وكذلك الأمر في شمال سيناء. لقد كان التّأمين صعباً للغاية".

ورغم صعوبة حماية تضاريس سيناء الصحراويّة الوعرة، إلاّ أنّ صعوبة التّأمين بحسب الجهاديّ، سببها بدو جنوب سيناء، لا الأمن، وقال: "من عاشر المستحيلات أن يسيطر الأمن على الأودية والطرق الصحراويّة بين الجبال والكثبان الرمليّة الوعرة الواصلة بين شمال سيناء وجنوبها، ولا يمكن مراقبتها حتّى بالطائرات، لكنّه اعتمد على القبائل البدويّة في الجنوب، وكان الكثير من رجال البدو مسلّحاً ومنتشراً على الطرق الجبليّة".

أضاف: "كانت هناك سيّارة مفخّخة بقيادة انتحاريّ مخصّصة لاستهداف أيّ منطقة في جنوب سيناء، لا شرط شرم الشيخ، حتّى وإن كان الاستهداف فاشلاً لإحداث صدى عالميّ في الإعلام وإفشال المؤتمر، لكن لم يستطيعوا التحرّك بسبب الإجراءات الأمنيّة المعقّدة، وخصوصاً الاستعانة ببدو جنوب سيناء".

لقد نجح "المونيتور" في الوصول إلى أحد مشايخ قبائل جنوب سيناء للتأكّد من حقيقة الاعتماد عليها في تأمين المؤتمر، وقال رافضاً الإفصاح عن هويّته: "نعم، كنّا شركاء في إنجاح هذا الحدث العالميّ، فنحن أكثر النّاس استفادة من عودة السياحة إلى أرض السلام في سيناء".

وتابع في حديث لـ"المونيتور": "كانت مهمّتنا حماية الطرق والأودية الصحراويّة من دخول أيّ مسلّحين. كما كانت متوقّفة عند الرصد وإبلاغ الأمن فوراً. أمّا القوّات الأمنية فكانت تحمي من الداخل، وكانت هناك غرفة عمليّات مشتركة تضمّ كلّ الجهات الأمنيّة، من شرطة وأمن وطنيّ وقوّات خاصّة وجيش، إضافة إلى القوّات الجويّة. وكانت مهمّتنا التّواصل مع الغرفة في حال رصد أيّ خطر أو تحرّك لعناصر غريبة".

ورفض الشيخ الإفصاح عن حقيقة تسليحهم من عدمه، وقال: "لا يهمّ إذا كنّا مسلّحين أم لا، فالمهمّ أن نرفض كلّ العنف، الّذي دمّر مستقبلنا وأكل عيشنا ورزقنا، فرزق كلّ بدو جنوب سيناء واقتصادهم مبنيّ على السياحة. أمّا الإرهاب فهو عدوّنا الأوّل، إذ أنّه يدمّر قوت عيالنا ومستقبلنا".

وعلى النّقيض، قال أحد بدو شمال سيناء، وهو يعمل في إحدى الشركات الأمنيّة المتخصّصة بتأمين القرى السياحيّة ونقل الأموال في جنوب سيناء، وطالب بعدم نشر اسمه في حديث إلى "المونيتور": "لقد تعامل معي لواء أمن في شكل سيء، وسحب السلاح من كلّ من يحملون بطاقات ثبوتيّة من شمال سيناء. وقال لأحد الضبّاط، أحجزهم وشوف الكرنيهات اللّي معاهم، عملوها فين، أكيد دول عيال مزوّره، فأهل شمال سيناء كلّهم إرهابيّون".

أمّا في شمال سيناء فكانت الإجراءات الأمنيّة مجحفة، وقطعت الكهرباء في شكل متواصل عن مدينتي الشيخ زويد ورفح وقراهما لمدّة ثلاثة أيّام، وأغلقت الطرق أمام المواطنين وشدّدت الإجراءات الأمنيّة والتّحصينات في محيط المقرّات الأمنيّة والعسكريّة. كما كان هناك تحليق مكثّف للطائرات من دون طيّار. وتمّ أيضاً إطلاق النّار والمدفعيّة الثقيلة عشوائيّاً، ورصد حملات عسكريّة مكثّفة واعتقال عشوائيّ للمواطنين.

More from A correspondent in Sinai

Recommended Articles