تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الإسلام الصوفيّ في مواجهة الإسلام السلفيّ

إنّ الخلفيّة التاريخيّة للتصوّف والانتشار الواسع له في العالم الإسلاميّ، يعطيانه قابليّة واسعة للمضي في القيام بمشاريع إصلاحيّة دينيّة وسياسيّة في العالم الإسلاميّ.
Students attend a traditional Sufi "halaqa" (study group) at the Ribat Tarim religious school in the historical city of Tarim in southeastern Yemen February 23, 2010. Tarim has long been a teaching centre for Sufism, a mystical strand in Islam, but all Islamic schools have come under scrutiny since al Qaeda in Yemen said it was behind a failed attack on a U.S.-bound jet on Dec. 25.  Picture taken on February 23, 2010. To match feature YEMEN-RELIGION/    REUTERS/Khaled Abdullah (YEMEN - Tags: RELIGION EDUCAT

قد يندهش المتابع للتاريخ الإسلاميّ كيف تمّ الانتقال من الانتشار الواسع للإسلام الصوفيّ إلى الإسلام السلفيّ. ولكنّه لن يندهش حين يرى أنّ صعود ظاهرة التطرّف الدينيّ يتزامن في شكل واضح مع هذه النقلة المعرفيّة، حيث أنّ طبيعة الفكر الصوفيّ تعارض التطرّف، كما أنّ الفكر السلفيّ غالباً ما يتّخذ من التطرّف قاعدة دينيّة أساسيّة له.

وقد ساعد العامل السياسيّ والاجتماعيّ في توسيع حظوظ السلفيّة مقابل الصوفيّة. كما أنّ تركات الحقبة الاستعماريّة في العالم الإسلاميّ، إضافة إلى إنشاء دولة إسرائيل الذي جعل المعارضة مع الغرب مستمرّة في العالم الإسلاميّ، ساعدا في إيجاد أرضيّة خصبة للإسلام الثوريّ في شكل عام. وقد تجلّى الفكر الثوريّ في أشكاله اليساريّة والقوميّة خلال القرن الماضي. وبعد فشل هذه التجارب في قيام دولة وطنيّة مستقرّة في الشرق الأوسط، ارتفعت حظوظ الإسلام السياسيّ، الذي أخذ من السلفيّة ذريعة للتسويق لنفسه.

ويعود السبب في الميل نحو السلفيّة إلى الإيديولوجيّة الجزميّة فيها من جهّة، وإلى المشاعر العدائيّة الطاردة للغير. ومن الواضح أنّ هذا الفكر يلقى إقبالاً واسعاً في ظروف عدم الاستقرار واستمرار الأزمات السياسيّة والاجتماعيّة.

وتعدّ العلاقة عدائيّة جدّاً بين السلفيّة والصوفيّة، حيث أنّ الفكر السلفيّ يعتبر التصوّف بدعة في الإسلام، وينتقد الممارسات الروحيّة للصوفيّة كونها أنواعاً من الشرك والكفر. ومن أبرز ذلك، بناء المزارات والقيام بزيارتها والاحتفال بالمناسبات الدينيّة بأنواع مختلفة من الغناء والرقص الصوفيّ.

ويمثّل التصوّف مزيجاً ثقافيّاً واسعاً بين الثقافات المحليّة المنتشرة من الهند إلى شمال إفريقيا مع مبادئ الدين الإسلاميّ. ويركّز في تعاليمه على الجانب الروحيّ للدين مقابل الجانب السياسيّ. ويميل نحو تأويل المفاهيم الدينيّة السياسيّة، مثل الجهاد، إلى أمور روحيّة لترويض النفس على طريق الخير.

وتعدّ العلاقة بين الصوفيّة والديانات الأخرى والمذاهب الإسلاميّة غير السنيّة ودّية جدّاً. ويرجع سبب ذلك إلى رسوخ فكرة التعدّدية في النجاة الأخروي لدى المتصوّفة، إضافة الى أنّ الطبيعة الثقافيّة المتنوّعة للتصوّف تجعله منفتحاً تجاه الديانات والثقافات المجاورة.

وفي العلاقة مع الشيعة في شكل خاصّ، فإنّ هناك تقارباً كبيراً بين الجوانب الباطنيّة للتشيّع والتصوّف حسب ما فصّله الباحث العراقيّ الشهير كامل مصطفى الشيبي (توفّي عام 2006) في كتابه "الصلة بين التصوّف والتشيّع". وفي سياق الصراع الطائفيّ في التاريخ الإسلاميّ، لا يوجد هناك أيّ حدث عدائيّ بارز بين الجهّتين على الرغم من أنّ الأكثريّة الصوفيّة كانت تنتمي إلى مذاهب سنيّة.

وفي هذا السياق، اطّلع "المونيتور" على أنّ أحد رجال الدين البارزين في النجف، وهو الشيخ محمّد السند دعا الأسبوع الماضي إلى إعادة فتح العلاقات بين الشيعة والمجاميع الصوفيّة في مختلف أنحاء العالم الإسلاميّ، في سياق العمل على مكافحة الفكر السلفيّ المتطرّف.

وفي الجهّة المقابلة أيضاً، تحمل السلفيّة عداء واحداً تجاه الصوفيّة والشيعة، حيث أنّهما يمثّلان بدعة، وأنّ التابعين لهما خارجون عن الديانة الإسلاميّة الحقيقيّة.

وقد بذلت الجامعات السعوديّة جهوداً كبيرة في نشر كتب ومقالات للردّ على التشيّع والتصوّف باعتبارهما ذات نشأة فاسدة واحدة حسب تعبيرهم. كما أنّ العديد من المزارات والأبنية الدينيّة التابعة للصوفيّة قد هدمت من قبل الجماعات السلفيّة في مختلف أنحاء العالم الإسلاميّ.

وبعد ظهور الربيع العربيّ وصعود التيّارات السلفيّة في بعض مناطق العالم الإسلاميّ، اشتدّ الصراع بين التصوّف والسلفيّة في شكل بارز. ففي

مصر على سبيل المثال، جرت تعدّيات كثيرة ضدّ المزارات الدينيّة المتعلّقة بالصوفيّة من قبل أتباع الجماعات السلفيّة خلال عامي 2011 و2012، كما تمّ استهداف الأقلّية الشيعيّة في شكل وحشيّ جدّاً.

وبعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلاميّة على موصل ونواحي أخرى من شمال العراق وغربه، قامت الجماعة بهدم العديد من الأبنية الدينيّة المتعلّقة بالصوفيّة والشيعة في تلك المنطقة.

ويقع في بغداد مزار الشيخ عبد القادر الجيلاني، مؤسّس أحد الطرق الصوفيّة كثيرة الانتشار في العالم. ويعدّ إمام هذا المسجد الشيخ محمود العيساوي من أبرز رجال الدين السنّة ذات العلاقة الودّية مع الديانات والمذاهب الأخرى في العراق. كما أنّ هناك عدداً من الطرق الصوفيّة الأخرى المنتشرة في الأوساط السنيّة في العراق، ولكنّها شهدت انحداراً كبيراً منذ الحملة الإيمانيّة التي قام بها الرئيس العراقيّ السابق صدّام حسين، والذي فتح المجال في شكل واسع أمام الجماعات السلفيّة لتقوم بالدعوة إلى منهجها ضدّ المنهج الصوفيّ.

وعلى الرغم من أنّ الحضور السلفيّ في العالم الإسلاميّ يمتلك قوّة سياسيّة كبرى، بسبب الدعم الماليّ الذي حصل عليه منذ عقود من قبل المؤسّسات الدينيّة في السعوديّة، لكنّ المنهج الصوفيّ يعدّ ثقافة واسعة منتشرة في الشارع الإسلاميّ من المغرب العربيّ إلى الهند. وهذا من شأنه أن يلعب دوراً كبيراً في عمليّة الإصلاح الدينيّ الذي يحتاجه العالم الإسلاميّ في التصدّي للتشدّد والأصوليّة.

وفي دراسته حول الصراع الصوفيّ–السلفيّ في مصر، يؤكّد الباحث في مؤسّسة كارنيغي للسلام الدوليّ أنّ الصوفيّة وقفت إلى جانب التيّار الليبرالي مقابل الإخوان المسلمين وحلفائهم من الجماعات السلفيّة. وهذا يؤكّد بدوره القابليّة الواسعة للصوفيّة لدعم الديمقراطيّة والإصلاح السياسيّ في البلدان الإسلاميّة.

وأخيراً، إنّ الخلفيّة التاريخيّة للتصوّف والانتشار الواسع له في العالم الإسلاميّ يعطيانه قابليّة واسعة للمضي في القيام بمشاريع إصلاحيّة دينيّة وسياسيّة في العالم الإسلاميّ. ولكن، يبدو أنّ هذه القابليّة قد تمّ التغاضي عنها من قبل أصحاب القرار في العالم الإسلاميّ وخارجه.

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial