تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخطيب من الضفّة والخطيبة من غزّة والزفاف مؤجّل حتّى تفتح الطرقات!

Palestinians walk out of Israel's Erez Crossing after leaving Gaza July 13, 2014. According to a spokesperson for Israel's Coordination of Government Activities in the Territories (COGAT), about 850 Palestinians with dual citizenship left Gaza on Sunday at the request of their foreign embassies. Israeli naval commandos clashed with Hamas militants in a raid on the coast of the Gaza Strip on Sunday, in what appeared to be the first ground assault of a six-day Israeli offensive on the territory aimed at stopp

قطاع غزّة - ظهرت شعرات بيضاء في رأسها، فقد اقتربت من عامها الثالث والثلاثين، وسكن الحزن عينيها، ولا تزال الفتاة داليا شراب من قطاع غزّة تنتظر منذ ما يزيد عن الثلاثة أعوام لقاء خطيبها راشد فضّة (35 عاماً) الذي يسكن مدينة نابلس في الضفّة الغربيّة، كي يقيمان حفل زفافهما.

هذا العذاب والانتظار الطويل ومرور السنوات لم تكن أبداً في حسابات راشد وداليا حين التقيا للمرّة الأولى عام 2011 في أحد المؤتمرات الشبابيّة في الأردن، ونبض قلباهما بتناغم، ليخطبها راشد من أقاربها في الأردن، وبعد شهرين تعلن عائلتها في قطاع غزّة بعد التشاور على الموافقة، وتتمّ خطبتهما رسميّاً في 24 كانون الثاني/يناير 2012.

وتم عقد قرانهم بوجود راشد ووالده اللذين كانت المرة الأولى بالنسبة إليهما زيارة قطاع غزة، ولكنها زيارة لم تستمر أكثر من أربعة أيام، لتحاول داليا بعدها الالتحاق بخطيبها فقدمت تصريح إلى وزارة الشؤون المدنية التي تقدمه بدورها إلى السلطات الإسرائيلية، وذلك في شهر فبراير من العام 2012ومن ثم قدمت تصريح آخر في عام 2013، واستمرت في تقديم طلبات تصريح عبر الشؤون المدنية في قطاع غزة حتى بلغت خمسة طلبات، لكن من دون فائدة وكان الرد دائما أنها صغيرة السن أو أن أسباب سفرها غير مقنعة.

وبحسب منظمات حقوقية تمنع إسرائيل دخول الفلسطينيين من الأراضي المحتلة إلى داخل دولة إسرائيل الا إذا توفر لديهم تصريح خاص بذلك، ومنذ

شهر أكتوبر عام 2000 تمتنع إسرائيل عن إصدار تصاريح دخول الى اراضيها إلا في حالات استثنائية جدا.

تقول داليا التي التقتها مراسلة "المونيتور" في مكتبها، صباح 25 كانون الثاني/يناير 2015، حيث تعمل في شركة تسويق إلكترونيّ في مدينة غزّة: "كانت كلّ الأشياء جميلة وسهلة في بداية لقائنا، فقد ذهبت إلى الضفّة وتقابلنا، وهو جاء مع والده إلى غزّة، وقضينا جميعاً أيّاماً جميلة، ولم نكن نعرف أنّ الصعب لم يأت بعد".

تمسح داليا دموعها وتبوح لـ"الموينتور" بأنّها تخشى من اليأس، وأن يضطرّا في النهاية إلى التخلّي عن الارتباط، كي يعطي كلّ واحد منهما الفرصة للآخر لمتابعة حياته.

تقول داليا للمونيتور: "سنوات كثيرة ضاعت من عمرنا، ونحن ننتظر بعضنا البعض، لقد شابت رؤوسنا وتغيرنا ونحن ننتظر أن نلتقي، ربما نضعف يوما ونترك بعضنا".

راشد وداليا هما نموذج لمئات القصص المشابهة على مدار عقد من الزمان، بعد فصل الضفّة الغربيّة عن قطاع غزّة، والذي يرى كثيرون أنّه اكتمل بالانسحاب الإسرائيليّ من قطاع غزّة عام 2005.

يتحدّث الخطيبان عبر سكايب وفايبر وفايسبوك، وكلّ ما يمكن أن توفّره التكنولوجيا من اقتراب، ولكن لا شيء، كما لقاء الحبيبين واجتماعهما في بيت الزوجيّة الذي اشتراه راشد على أحد جبال نابلس.

يقول راشد في حديث عبر الهاتف مع "المونيتور": "حاولنا كلّ شيء، ذهبنا إلى مؤسّسات ومسؤولين ومحامين وحقوقيّين، ولم ننجح، لا أدري ماذا سنفعل ولكنّني لن أفقد الأمل وسأصبر، على الرغم من أنّ بعض ممّن حولي، ينصحني بالافتراق، خصوصاً بعدما مرّت كلّ هذه السنوات، وقد أكون ظلمتها معي".

ينتظر فستان الزفاف العروس في البيت، وغرفة النوم جاهزة، كذلك أدوات المطبخ، والأجهزة الكهربائيّة. لم يبق سوى أن تنير داليا البيت، هكذا يختصر راشد استعداده للزواج منذ ثلاث سنوات.

تعلّق داليا: "لذلك، عندي أمل وصبر، وإرادتي قويّة. فقد انتهيت من دراسة الفيزياء على الرغم من معارضة المحيطين، واشتغلت في غير مجالي حتّى أثبت نفسي، ونجحت في ذلك، والآن، لن أتخلّى عن راشد، إنّه مجرّد تحدٍّ آخر في الحياة".

لحظة يأس وصل إليها الخطيبان، عقب شجار صغير، حثّ فيه كلّ واحد الآخر على فعل ما يقدر عليه، فداليا تنتظر من راشد أن يفعل ما بقدرته كي يكافح من أجل لم شملهما وأن لا يستسلم بسهولة، تقول: " شعرت أن كل واحد فينا ينتظر من الآخر أن يسعى لحل هذه المشكلة وحده، ويتهم الطرف الثاني بالتقصير، وهذا ما حدث حين ذهب راشد لمقابلة الرئيس محمود عباس".

وبدأ الشجار بالضبط في اللحظة التي قام بها رجال الأمن في مبنى المقاطعة في مدينة رام الله، بطرد راشد، وعدم السماح له بلقاء الرئيس محمود عبّاس.

وهنا، غضبت داليا لأنّ راشد لم ينتظر حتّى يقابل الرئيس، فهي فعلت ذلك عند أبواب نوّاب حركة فتح في قطاع غزّة في مايو ويوليو من العام 2014، وفي يناير من العام 2015 ولم تغادر، وحاولت التواصل مع ثلاثة من اعضاء المجلس التشريعي عن حركة فتح كي يحاولوا أن يساعدوها في أزمتها عبر التأثير على المسؤولين من الوزراء وأصحاب القرار، ولكنها لم تنجح.

لحظة اليأس هذه، كانت كشهقة الأمل الأخيرة، فقد انتهت بقرار جريء بتشجيع من زميلتهما الناشطة ميساء الشاعر، وهو إطلاق حملة إلكترونيّة على الإنترنت تحت عنوان: "وصّل العروس للعريس يا رئيس".

الحملة التي بدأت في اليوم الأوّل من العام الجديد، وانتهت بزيارة 36 ألف شخص للصفحة على موقع فايسبوك، لاقت اهتماماً إعلاميّاً وشعبيّاً كبيرين، ولكن ليس على مستوى المسؤولين والحكومة،على حدّ تعبير داليا.

رافقت مراسلة "المونيتور" داليا إلى منزلها الذي يقع في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزّة. كانت داليا طوال الطريق الذي يستغرق حوالى الساعة إلّا ربع، تسرد تفاصيل قصّتها وردود المسؤولين وتهرّبهم، والذلّ الذي وصلوا إليه. داليا تشعر منذ البداية أن هناك تهرب من المسؤولين المحليين لحل أزمتها، تقول: "ليس عندنا واسطة، ولا نعرف أحد كي يساعدنا في حل مشكلة التصريح خاصة من الشخصيات التي لها علاقة مع الاسرائليين".

وأضافت: "توقّعنا في الحرب الأخيرة أن تفتح الطرق، ويسهّل الاحتلال أمر التصاريح، ولكن ما حدث هو العكس تماماً، فقد تأزّم الأمر إلى درجة أنّني أشعر بإحباط غير مسبوق".

وصلنا إلى منزلها الصغير وسط مدينة خانيونس، وقال والدها موسى شراب (63 عاماً)، والذي يبدو رجلاً منفتحاً، وقد أصرّ على تعليم معظم أبنائه وبناته خارج قطاع غزّة: "قصّة ابنتي هي جزء ممّا نعانيه كفلسطنيّين من الاحتلال والحصار، فنحن نعيش في فرقة وشتات لا يعلم بهما إلّا الله".

ويضيف أنّه يعتبر المسؤولين الذين لم يساعدوا ابنته، من ذوي القلوب الحجريّة والآذان الصمّاء، متابعاً: "لكنّنا لم نفقد الأمل، فإذا فقدناه، يعني أنّنا فقدنا الحياة".

تبدو والدة داليا أمّ مصطفى (59 عاماً) قويّة، لكن بمجرد أن بدأت تتحدّث عن ابنتها، امتلأت عيناها بالدموع، وهي تقول: "أتمنّى أن ترتاح نفسيّة داليا، وأن ينتهي قلقها. جميعنا في البيت متأثرّون بحزنها، أريد أن أراها مستقرّة في بيت زوجها، حتّى لو كان هذا يعني بعدها عنّي".

ربّما هي قلّة حيلة البسطاء، أو سوء حظّ العشّاق، والأغلب أنّه قدر الفلسطنيّين في الفراق. الخشية أنّ داليا وراشد يواجهان ثلاث عقبات معاً في قصّتهما، ولكن ألم يثبت الحبّ دائماً قدرته على تحقيق المفاجآت؟