تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

سوريا... التهرّب من الخدمة العسكريّة في مناطق سيطرة النّظام بات مستحيلاً تقريباً

TO GO WITH AFP STORY BY SAMMY KETZ
A Syrian man walks past a wall bearing the portraits of soldiers from the city of Tartus, who died during the Syrian conflict, in the city northwest of Damascus on May 18, 2014. Tartus has itself largely escaped the conflict in Syria, but posters of its sons killed fighting for the regime elsewhere in the country line the western city's main road. AFP PHOTO/JOSEPH EID        (Photo credit should read JOSEPH EID/AFP/Getty Images)

طرطوس - رغم ضيق مساحة الحياة والمعارك الطّاحنة في سائر أنحاء البلاد، كان الكثير من الشبّان المقيمين في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السوريّة قادرين طيلة ثلاثة أعوام على التهرّب من الالتحاق بالجيش، سواء أكانوا مطلوبين للخدمة الاحتياطيّة أم حتّى الإلزاميّة، إلاّ أنّه اعتباراً من أوائل تشرين الثاني الماضي بدأت السلطات السوريّة باتّخاذ إجراءات تحدّ من قدرة الشبان على التهرّب، حتّى بات الأمر شبه مستحيل، إلاّ بالسفر خارج البلاد، وهو الأمر الذي يصبح بدوره أكثر صعوبة يوماً بعد يوم.

أصبح محمّد (33 عاماً)، وهو اسمه المستعار، يخشى أن يكثر من التجوّل في شوارع مدينته طرطوس، بعد الأيّام العصيبة التي مرّت في الأسبوعين الأوّل والثاني من تشرين الثاني الماضي، وقال عن تلك الأيّام: "لقد انتشرت عناصر الشرطة العسكريّة في شوارع المدينة، فأخذت تداهم المقاهي العامّة والورش في المنطقة الصناعيّة ومنازل بعض المطلوبين إلى الخدمة. أمّا عناصر الحواجز فأصبحت تأخذ هويّات جميع الشبّان الشخصيّة في وسائل النّقل العامّة لمطابقتها مع قوائم المطلوبين إلى الخدمة الاحتياطيّة. أنا مطلوب إلى الخدمة الاحتياطيّة منذ أكثر من عام، لكنّي قبل هذه الإجراءات كنت أعيش حياة شبه طبيعيّة".

أضاف: "في الأيّام الأولى، اعتقدت أنّ الناس يبالغون، وأنّ الأمر مجرّد شائعات، لكن أحد أصدقائي روى لي أنّه شاهد بأمّ عينه كيف اقتحمت عناصر الشرطة العسكريّة أحد المقاهي الصغيرة في المدينة ومعها جهاز كومبيوتر محمول. ثمّ قامت بإغلاق الأبواب وجمع الهويّات الشخصيّة لجميع الشبان في المقهى. وبنتيجة مطابقة الأسماء مع القوائم على جهاز الكومبيوتر، قامت باقتياد ثلاثة شبان إلى الخدمة العسكريّة فوراً بعد السماح لهم بالاّتصال مع ذويهم اتّصالاً واحداً فقط".

لم تكن هذه المشاهد مألوفة على الإطلاق في طرطوس، ويبدو أنّ حدة الحملة لملاحقة المطلوبين قد تراجعت لاحقاً. ومع ذلك، قال محمّد: "صحيح أنّهم كفّوا عن أعمال المداهمات اعتباراً من منتصف تشرين الثاني، لكن التّدقيق الشديد على الحواجز داخل المدينة وخارجها لا يزال مستمرّاً. كما أنّي لا أعرف اللّحظة التي يمكن أن يعودوا فيها إلى أعمال المداهمة، فالأوضاع أصبحت مخيفة جداً".

وفي الطريق لدخول إحدى القرى في ريف طرطوس الشرقيّ، لا بدّ من المرور على حواجز عدّة تابعة لمختلف الأجهزة الأمنيّة، وعلى أحد هذه الحواجز، طلبت عناصر الشرطة العسكريّة الهويّات الشخصيّة ودفاتر الخدمة العسكريّة من جميع الركّاب في الباص الصغير الذي كنّا نستقلّه. وإنّ أحد الشبّان، وهو في التّاسعة عشرة من عمره لم يكن يحمل دفتر خدمته العسكريّة، ورغم أنّه أكّد للعناصر أنّه مؤجّل بداعي الدراسة، إلاّ أنّها قامت باحتجازه، ريثما يقوم أحد ذويه بإحضار دفتر الخدمة لإثبات تأجيله.

وانطلق باصنا في اتّجاه القرية، تاركين ذلك الفتى خلفنا غارقاً في دموعه، والأرجح أنّه إذا لم يتمكّن من إثبات تأجيله فسيتمّ اقتياده إلى الخدمة العسكريّة فوراً.

وفي القرية، التقينا بشاب متخلّف عن أداء الخدمة الإلزاميّة، وتمّ التحفّظ على شخصيّته واسم قريته لدواعٍ أمنيّة، فقال لـ"المونيتور": "أنا مطلوب منذ أشهر عدّة، ولم أتمكّن من مغادرة البلاد، والأرجح أنّي لن أتمكّن من ذلك حتى نهاية الحرب. ففي السابق، كنت أحرص على عدم السفر إلى خارج المحافظة، وهذا كان كافياً. أمّا اليوم فلا أستطيع مغادرة القرية. كما أراقب الطريق الترابيّة المؤدّية إلى بيتنا في كلّ وقت، خوفاً من مداهمة الشرطة العسكريّة، فلا أعرف ما يمكنني فعله في نهاية المطاف".

لماذا تطلب عناصر الحواجز دفاتر الخدمة العسكريّة، طالما أنّ لديها أسماء المطلوبين؟ ويجيب على سؤالنا: "لا يتمّ تعميم أسماء المتخلّفين عن الخدمة الإلزاميّة فوراً، لأنّ هناك إجراءات يتطلّب اتّخاذها بضعة أشهر. لذلك، إنّهم يطلبون دفاتر الخدمة التي توجد عليها مواعيد نهاية فترات التأجيل. لقد اقتادوا شاباً على أحد الحواجز إلى الخدمة فوراً، بعد أن عرفوا من خلال دفتر خدمته أنّه قد انقضى أسبوع على نهاية موعد تأجيله".

تساعد طبيعة تلك القرى الجبليّة الوعرة وكثافة الأشجار على الهرب والتخفّي في حال حصول مداهمات، ولعلّ هذا ما يمنع عناصر الشرطة العسكريّة من ملاحقة الناس إلى بيوتهم في القرى. ومع ذلك، فإنّ الحياة أصبحت قاسية جداً بالنّسبة إلى المطلوبين، وقال ذلك الشاب: "لقد أصبحت محاصراً ضمن القرية، وربّما أصبح لاحقاً محاصراً داخل بيتي أيضاً، وهو ما قد يدفعني في النهاية إلى الالتحاق بالخدمة بنفسي لأنّ عائلتي لن تتمكّن من الإنفاق علي لفترة طويلة".

ثمّة رعب آخر يصيب الشبان الذين سبق لهم أن أدّوا الخدمة الإلزاميّة ولا يزالون دون سنّ الثانية والأربعين (ضمن سنّ الخدمة الاحتياطيّة)، إذ جرت العادة أن يتم تبليغ الشخص في بيته بضرورة الالتحاق بالخدمة الاحتياطيّة خلال فترة معينة، وهو الأمر الذي كان يسمح للشبان بالتخفّي أو تحديد تحرّكاتهم أو الفرار خارج البلاد.

أمّا اليوم فبات الأمر مختلفاً، قال شاب آخر من سكّان القرية نفسها، وهو في الثالثة والثلاثين من عمره ويعمل في الزراعة في بستان صغير ملاصقٍ لبيته: "أنهيت خدمتي الإلزاميّة قبل تسع سنوات، وكنت مطمئناً إلى أنّه سيتمّ تبليغي مسبقاً في حال الاستدعاء إلى الخدمة الاحتياطيّة، لكنّي فوجئت بأنّ أحد أصدقائي تمّ اعتقاله على أحد الحواجز وإرساله إلى جبهات القتال بدعوى أنّه مطلوب إلى الخدمة الاحتياطيّة من دون أن يكون مبلّغاً بذلك في السابق. لذلك، أتجنّب المرور على الحواجز قدر الإمكان، رغم أنّي لست مطلوباً بعد".

لا يقتصر الأمر على محافظة طرطوس، إذ أنّ الأنباء عن إجراءات مشابهة تأتي من دمشق واللاذقيّة وسائر المناطق التي يحكم النظام السوريّ سيطرته عليها. أمّا السفر خارج البلاد فأصبح صعباً جداً، ذلك أنّ أغلب البلدان لا تمنح تأشيرات دخول للسوريّين إلاّ بصعوبة بالغة جدّاً، أضيف إلى ذلك الإجراءات التي اتّخذتها الحكومة اللبنانيّة للحدّ من دخول السوريين لبنان منذ الصيف الماضي، وجاء إيقاف الرّحلات البحريّة من طرطوس إلى مرسين التركية أخيراً ليصبح أغلب الشبّان السوريّين الذين لا يملكون مبالغ مالية كبيرة أو علاقات واسعة تساعدهم على السفر، محاصرين داخل البلاد في انتظار دورهم للذهاب إلى جبهات القتال.

More from A correspondent in Damascus

Recommended Articles