تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ماراثون خيريّ للتبرّع للأطفال المصابين بالسرطان يقابله فساد حكوميّ

10873441_885427644825543_893534062806541525_o.jpg

دمشق - خرج الطفل وائل (12 عاماً) عند الساعة السابعة صباحاً، مع والده من منزله وسط دمشق على درّاجته الهوائيّة، وتوجّه إلى مدينة دمر (10 كم غرب دمشق)، التي تعتبر المدينة الأكثر أماناً في دمشق، متحدّياً البرد ومشاق الطريق، ليشارك في الماراثون الخيريّ "بدنا نركض لبسمة"، الذي أقيم الجمعة في 19 كانون الأوّل/ديسمبر 2014، لدعم الأطفال المصابين بمرض السرطان، وتقديم التبرّعات الماديّة لصالح "جمعيّة بسمة" التي ترعى الأطفال المصابين بمرض السرطان.

 كان الطفل وائل وألفا شخص آخرين من كلّ الفئات العمريّة، متواجدين عند نقطة الانطلاق أمام مطعم روستي الذي نظّم هذا الماراثون الأوّل من نوعه، بالتعاون مع عدد من الجمعيّات والمؤسّسات الأهليّة في دمشق. فآثار الحرب السوريّة ألقت بظلالها على جمعيّة "بسمة" التي لم تعد قادرة على توفير الرعاية الكافية لجميع الأطفال المصابين بالسرطان، بسبب نقص الموارد الماديّة والأدوية، وغياب الدعم الحكوميّ، ولذلك كان الهدف الأوّل من الماراثون جمع التبرّعات.

وفي لقاء معه، قال صاحب فكرة الماراثون فراس عناية لــ"المونيتور": "قدّمت جمعيّة "بسمة" الكثير للأطفال المصابين بالسرطان، والآن جاء دورنا لندعم "بسمة" في هذه الظروف السيّئة التي تمرّ بها سوريا. لذلك جاءت فكرة الماراثون، وقمنا بدعوة الجميع عن طريق وسائل التواصل الاجتماعيّ". ويتابع فراس: "استطعنا من خلال هذا النشاط أن نحقّق هدفين، الأوّل إنسانيّ، وهو جمع التبرّعات عن طريق رسوم الاشتراك، 500 ليرة سوريّة (3 دولارات) للشخص الواحد، وهو الهدف الرئيسيّ، والثاني أنّنا استطعنا خلق نشاط ترفيهيّ يجمع الدمشقيّين من أنحاء دمشق كافّة، على الرغم من كلّ الظروف السياسيّة والعسكريّة التي تعصف بسوريا، لنؤكّد أنّ السوريّين يرغبون في الحياة".

وحول اختيار مدينة دمر كمكان لانطلاق الماراثون، قال عناية إنّ دمر هي المنطقة الأكثر أماناً في دمشق، فلم تطالها قذائف الهاون مسبقاً، وهذا يعطي راحة نفسيّة للمشاركين الذين تجاوز عددهم الألفي شخص، إضافة إلى عدم وجود حواجز عسكريّة إلّا على مداخل المدينة، وإمكان التحكّم المروريّ بشوراعها التي أغلقت من أجل هذا الماراثون، وهذا أمر قد يسبّب أزمة مروريّة لو حدث وسط العاصمة دمشق.

كان انطلاق الماراثون الخيريّ عند الساعة التاسعة صباحاً من أمام مطعم روستي في مشروع دمر. وكان بعض المشاركين على درّاجاتهم مثل الطفل وائل، والبعض الآخر مشياً على الأقدام، واستخدم بعضهم المزلاجات، في جوّ أقلّ ما يوصف بأنّه حماسيّ، لينسوا لمدّة ساعتين من الزمن أنّ الحرب تمزّق سوريا، متفاعلين مع أصوات الآلات الموسيقيّة لبعض الفرق التي شاركت أيضاً، لإضفاء جوّ من المرح، جاب خلاله المشاركون كلّ شوارع مدينة دمر الهادئة، ليعودوا مجدّداً إلى نقطة الانطلاق.

التقى "المونيتور" أحمد وهو أحد المشاركين في الماراثون الخيريّ مع أصدقائه، حيث قال: "نحن كسوريّين نتحمّل جزءاً من المسؤوليّة. الحرب في سوريا وحّدتنا على الشعور بألم الآخرين، لذلك جئنا جميعاً من كلّ مناطق دمشق لنساهم، ولو بمبلغ بسيط في إعادة البسمة إلى الأطفال المصابين بالسرطان". وتابع بغصّة في صدره: "الأطفال هم الخاسر الوحيد في هذه الحرب التي لم تعد تميّز بين صغير وكبير".

ما زال قطاع الأدوية في سوريا يعاني من مشاكل عدّة عاصرت الأزمة الأمنيّة، أهمّها فقدان بعض الأصناف من الأسواق، حسب ما يؤكّد أحد الصيادلة في ريف دمشق منذر الخضري الذي قال لـ"المونيتور": "يوجد نقص في أغلب أنواع الأدوية المهمّة للأطفال والقلب والسكّري والأمراض المزمنة، ومنها بخّاخات الربو وأدوية التشنّجات، وأدوية السرطان وإبر الأنسولين". ويضيف: "كثير من هذه الأدوية متوافر في مناطق معيّنة في العاصمة دمشق فقط، وغير متوافر في الأرياف أو باقي المحافظات. والموجود في دمشق يكون بأسعار مرتفعة جدّاً بسبب عمليّات الاحتكار والاستغلال من جميع الأطراف".

وفي هذا السياق، قال أحد العاملين في وزارة الصحّة رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنيّة لـ"المونيتور": "صدر في 18 كانون الأوّل/ديسمبر قرار بإتلاف أدوية منتهية الصلاحية يبلغ سعرها مليار ليرة سوريّة، كانت موجوده ومخزّنة في مستودعات فارمكس الطبيّة منذ مدّة طويلة". وأضاف المصدر: "كانت هذه الأدوية مفقودة من السوق، وغير متوافرة في الصيدليّات، وكان المرضى في أمسّ الحاجة إليها لكنّها لم توزّع، وعلى رأسها دواء فرط النشاط ريتالين، ومجموعة كبيرة من أدوية السرطان التي تكلّف المواطن 30 ألف ليرة سوريّة (200 دولار) للعلبة الواحدة".

وحول هذا القرار، قال المصدر إنّ قرار الإتلاف ليس حقيقيّاً، بل هو تغطية للسرقات التي تحدث في وزارة الصحّة. فالدولة تدفع ثمن هذه الأدوية مبالغ طائلة، ولكنّ بعض الفاسدين المعروفين في وزارة الصحّة يقومون ببيعها إلى بعض محتكري الأدوية، وهم يقومون بدورهم ببيعها بأضعاف أسعارها إلى المرضى المحتاجين إليها.

وفي الوقت الذي لم يعلّق الإعلام الرسميّ على حادثة إتلاف الأدوية، تداول ناشطون على "فايس بوك" هذا الخبر بوابل من السخرية، حيث علّقت رئيسة حزب سوريا الوطن مجد نيازي عبر صفحتها على فايس بوك، بعدما قامت بنشر صورة يظهر فيها محضر إتلاف الأدوية، وقالت: "هذ محضر إتلاف الأدوية المنتهية الصلاحية خلال شهري أيلول/سبتمبر وتشرين الأوّل/أكتوبر، علماّ أنّ الدواء مفقود منذ أكثر من ستّة أشهر. المريض السوريّ لا ينقصه تعتير آخر، برسم من يا ترى"!!

بحسب التصريحات الحكوميّة، فإنّ معامل الأدوية المحلّية لا تعطي كلّ طاقتها، وعدد المعامل المتوقّفة حاليّاً يصل إلى 25 معملاً من أصل حوالى 73 معملاً، كما أنّ المعامل الفعّالة لا تعمل بأكثر من 40 إلى 50% من طاقتها، لذلك يتمّ اللجوء في أغلب الأحيان إلى الاستيراد بعد مراسلة معامل الأدوية. وفي حال عدم قدرتها على التأمين، يتمّ اللجوء إلى الدول الصديقة ومنها إيران، أو دول أخرى. ونتيجة هذه الإجراءات، قد ينقطع الصنف الدوائيّ من السوق لحين تأمينه. كما أشارت التصريحات الحكوميّة إلى فقدان حوالى 250 صنفاً دوائيّاً في سوريا، معظمها لمعالجة مرضى السرطان.

يبقى السوريّون ممنّ يعانون من مشاكل صحيّة، وخصوصاً مرضى السرطان، الخاسر الوحيد في هذه الحرب. وفي ظلّ غياب الدعم الحكوميّ، والفساد في مؤسّسات الدولة الطبيّة، تبقى المبادرات الفرديّة التي تقام لدعم هؤلاء المرضى أملهم الوحيد. ويأمل المشاركون في ماراثون "بسمة" الخيريّ أن تساهم المبالغ التي تبرّعوا بها في رسم بسمة على وجوه أطفال مرضى السرطان.

More from Mustafa al-Haj

Recommended Articles