تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مسيرة الأربعين ومدلولاتها السياسيّة

Shi'ite Muslim pilgrims walk to the holy city of Kerbala, ahead of the holy Shi'ite ritual of Arbaeen, in Najaf, December 8, 2014.  Arbaeen falls 40 days after the holy day of Ashura.   REUTERS/Alaa Al-Marjani  (IRAQ - Tags: RELIGION MILITARY TPX IMAGES OF THE DAY SOCIETY) - RTR4H650

النجف — اختلفت مسيرة الأربعين هذا العام عن سابقاتها من حيث احتوائها على مدلولات سياسيّة مختلفة في ظلّ التحوّلات الجارية في العراق والمنطقة، ويقوم العراقيّون الشيعة بهذا الطقس، منذ مئات السنين، في ظلّ أنظمة سياسيّة مختلفة توالت الحكم على العراق. ويعدّ الطقس بمثابة كارنفال ثقافيّ يشترك فيه عدد كبير من شيعة العراق، ولقد انضمّ إليهم مشاركون شيعة من دول أخرى في السنوات الأخيرة.

الأربعين هي كناية عن طقس شيعي ديني يُقام تكريماً لذكرى استشهاد الإمام حسين بن علي، حفيد النبي محمد، وذلك بعد أربعين يوماً من عاشوراء. ويتخلل الاحتفال تجمع كبير ينطلق من المدن العراقية المختلفة باتجاه مدينة كربلاء المقدسة حيث دُفن حسين.

قام النظام السابق بالتضييق على هذه الممارسة، ثمّ منعها خلال ثلاثة عقود من حكمه من السبعينيات حتى العام 2003، ممّا تسبّب باحتقان كبير لدى الشيعة في مناطق الوسط والجنوب. وفي الأربعينيّة الأولى بعد سقوط صدام في عام 2003، شهد العراق مسيرة شيعيّة كبيرة من مختلف مدن الوسط والجنوب، وصل عدد المشاركين فيها إلى مليونين. وسنة بعد أخرى، تعاظمت المسيرة لتبلغ هذا العام أكثر من عشرين مليون مشارك.

وقد أدّى الوضع الإقليميّ دوراً بارزاً في توسيعها عدديّاً واحتوائها لرسائل بين القوى المتصارعة، وهي لم تعد كارنفالاً ثقافيّاً بحتاً، بل تحوّلت في بعض جوانبها إلى مظاهرة سياسيّة لإبراز العضلات ضدّ من يعادي الصعود الشيعيّ في المنطقة.

إنّ المدلول الأوّل للمسيرة كان ردّ فعل ضدّ الإنحدار الأمنيّ الّذي حصل بعد سقوط الموصل مع ما رافقه من مجازر ضدّ الجنود والمدنيّين الشيعة. لقد كانت وما زالت مراسيم العزاء الشيعيّ وسيلة للتعبير عن المظلوميّة من جهة، وأداة لإبراز القوّة الإجتماعيّة والمشاعر الثأريّة من جهة أخرى. وفي هذا السّياق، قال عالم الإجتماع العراقيّ البروفسور إبراهيم الحيدري لمراسل "المونيتور": لتلك الطقوس إمكانية التّحوير والتكيّف مع متطلّبات العصر لتتحوّل الى أداة ديناميّة تعكس الإرادة الجماعيّة للطّائفة.

أمّا المدلول الثاني فكان رسالة إقليميّة من الشيعة إلى معارضيهم بأنّ الهلال الشيعيّ الّذي كان يحذّر منه السنّة، كما وصفهم بذلك ملك الأردن، أصبح اليوم حقيقة لا تنكر ولا تستصغر. لقد أدّى التّراكم لمشاعر الرّفض من قبل الحكومات السنيّة المجاورة للعراق بالشيعة أن يتكرّسوا أكثر في هويّتهم الدينيّة ويعكسوها في واقعهم السياسيّ والاجتماعيّ.

وإنّ المدلول الثالث كان رسالة بين القوى الإقليميّة، إذ أنّ إيران حاولت استخدام المسيرة كوسيلة لإعلان انتصارها في المنطقة وتحذير مباشر لمعارضيها السنّة من المساس بامتدادها الإقليميّ. لقد فتحت إيران حدودها في شكل كامل ورفعت الإجراءات الإداريّة. كما قام العراق بإجراء مماثل. وقد أدى ذلك إلى دخول أكثر من مليون زائر إيرانيّ للعراق. وتحدّث بعض الإحصائيّات عن مليوني زائر وصلوا إلى العراق من إيران في آخر أيام الاحتفال، وشمل هذا العدد قسماً كبيراً من المسؤولين الإيرانييّن بما فيهم نواب برلمانيّون، رؤساء بلديّات، قادة عسكريّون رفيعو المستوى وشخصيّات دينيّة وسياسيّة أخرى. وقد رافقت هؤلاء كوادر أمنيّة وعسكريّة وتجهيزات لحفظ الأمن.

وأدّى الحضور الإيرانيّ البارز وغير المسبوق إلى تبادل مشاعر التّضامن بين الشيعة العرب وغير العرب، إذ تمّ استقبال الزوّار الإيرانيّين بحفاوة بالغة من قبل العراقيّين عبر تأمين الإقامة ومتطلبات أخرى لهم مجاناً، ولكن أدّى ذلك من جهة أخرى إلى بروز ظواهر طائفيّة لم يعرفها الشعب العراقيّ سابقاً. لقد قام بعض الزوّار الإيرانييّن بإطلاق السبّ والشتم علنيّاً ضدّ بعض الرّموز الدينيّة السنيّة، مما تسبّب بردّ فعل انتقاديّ من قبل المثقّفين الشيعة، إذ اعتبروه وسيلة لإشعال الطائفيّة ونشر الحقد والكراهيّة. لقد كتب الشاعر الشيعيّ الشهير فارس حرّام في صفحته على موقع "فيسبوك": "أدين بأقسى العبارات ما أقدم عليه نفر من الزائرين الإيرانيّين، من حفل سباب وشتائم ضدّ رموز دينيّة إسلاميّة يعتقد بها ملايين العراقيّين، وأطالب الحكومة باتّخاذ الإجراءات القانونيّة بحقّ المتخلّفين، لكونهم يهدّدون السلم الأهليّ في بلادنا. وأتساءل في ظلّ احترامي الكبير للشعب الإيرانيّ وحضارته وثقتي بأنّ هؤلاء لا يمثلّون هذا الشعب، عمّا إذا كانت أرض إيران قد ضاقت بهذه الأفعال لتصدّرها إلينا على طبق من دماء".

شاهد المونيتور مشاجرات واعتداءات خلال المسيرة بين مؤيّدي القيادات الدينيّة والسياسيّين الشيعة، خصوصاً من الجهتين الإيرانيّة والعراقيّة. وقام كلّ طرف من الأطراف المختلفة بنشر صور رموزه مثل المرشد الأعلى الإيرانيّ السيّد علي الخامنئي الذي نُشرت صوره وكذلك المرجع الأعلى العراقيّ السيّد علي السيستاني وشخصيات أخرى. وقام البعض بتمزيق صور بعض هؤلاء ممّن يعارض منهجهم.

وقال البروفسور الحيدري عن ظاهرة الاستغلال السياسيّ لطقوس العزاء إنّ هذا يعرّضها للاستغلال والتّشويه ويحرّفها عن المبادئ العظيمة التي قامت من أجلها. ولفت إلى أنّ "الشعائر والطقوس الحسينيّة من شأنها أن تكون قاسماً مشتركاً يجمع ويوحّد كلّ الأديان والمذاهب والطوائف في هدف إنسانيّ مشترك واحد هو الوقوف بجانب قيم الخير والحقّ والعدالة ومحاربة قيم الشر والعدوان".

وانتقد أيضاً ظاهرة تبذير الأموال الطائلة في شكل غير عقلانيّ في هذه المراسم، معتبراً أنّ هذه الأموال يجب أن تصرف في تأسيس مدارس، مستشفيات، دور أيتام ومشاريع خيريّة أخرى وبنائها.

وأشار إلى أنّ هناك "مظاهر شعبيّة مفتعلة وزائدة عن اللزوم، مثل زيارات الحجّ المليونيّة في عاشوراء ويوم الأربعين حيث تتوقّف الدّوائر والمؤسّسات عن العمل لأيّام عدّة وتهدر أيّام عمل وإنتاج وتبذَر مئات الملايين التي يفترض أن توظّف في مجالات نافعة".

كما انتقد التصرّفات غير العقلانيّة مثل التطبير، مقترحاً استبداله بالتبرّع بالدمّ للمستشفيات ليتمّ استخدامه للمرضى والجرحى.

ويتّفق بعض مراجع الشيعة مع رؤية الحيدري، إذ يعمد المرجع العراقيّ السيّد حسين الصدر إلى التبرّع بالدمّ كلّ عامّ في مناسبة العزاء للإمام الحسين في مسيرة جماعيّة، يرافقه فيها بعض مؤيّديه.

More from Ali Mamouri

Recommended Articles