تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

معركة عرسال معلقة ...بانتظار المخطوفين العسكريين

A Syrian refugee girl sits on cement blocks amid damage and burnt tents from the fighting between Lebanese army soldiers and Islamist militants in the Sunni Muslim border town of Arsal, in eastern Bekaa Valley August 7, 2014. Militant Islamists have mostly withdrawn from the Lebanese border town of Arsal, which they seized at the weekend, taking with them captive Lebanese soldiers, militant and security sources said on Thursday, as a truce to end the deadly battle appeared to hold. REUTERS/Hassan Abdallah (

معركةٌ مفتوحة خاضها الجيش اللبناني في بلدة عرسال البقاعية. معركةٌ، بدايتها معروفة ولكن حسمها النهائي غير واضح أكان على مستوى الاسلوب او التوقيت، رغم انها عُلقت. فهذه البلدة البقاعية السنية، المفتوحة على جرود تمتد على مسافة 50 كم، تحدّها شرقاً سوريا، وغرباً عددٌ من البلدات الشيعية ابرزها اللبوة، وتبلغ مساحتها 317 كم2، ويقارب عدد سكانها الاربعين الفاً ، وهي تحتضن حوالى 120 الف نازح سوري لجأوا اليها منذ اندلاع الازمة السورية. 

منذ السبت الماضي، تحوّلت عرسال إلى رهينة، بعدما سيطر عليها آلاف المسلحين الذين تسلّلوا إليها من الجرود المحيطة بها، وانضمّ إليهم آخرون من بين النّازحين الذين تأويهم البلدة. ونتج هذا التطوّر الأمني من توقيف عماد أحمد جمعة عند أحد حواجز الجيش على تخوم عرسال، وهو أحد أخطر المطلوبين، الذي انضمّ إلى صفوف "جبهة النصرة" في معركة القلمون. ثمّ عاد وبايع تنظيم الدولة الإسلاميّة (المعروف سابقاً باسم الدولة الإسلاميّة في العراق والشام أو داعش) منذ أسبوعين.

وأشارت مصادر عسكريّة إلى أنّ أبو أحمد جمعة اعترف خلال التحقيقات معه بأنّه، يوم توقيفه، كان يقوم بمهمّات استطلاعيّة تشمل أوّلاً مراكز عسكريّة، تمهيداً لشنّ هجماتٍ عليها واحتلالها وأسر عسكريّين، بغية المطالبة بمقايضتهم بموقوفين إسلاميّين. كما أنّ قرى بقاعيّة تصلح لإنشاء إمارة إسلاميّة.

ولقد شكّل توقيفه فتيلاً لاعتداء نفّذه مسلّحون على مراكز الجيش في عرسال ومحيطها، في هجوم وصفه قائد الجيش العماد جان قهوجي بأنّه "محضّرً سلفاً وبدقّة".

وفق مصادر متابعة للوضع الميداني، حوالى 5000 مسلح دخلوا عرسال، ونحو 2500 آخرين منتشرون في جرودها. وقدموا الى البلدة البقاعية بأسلحتهم الخفيفة والمتوسطة، ومن جنسيات عدة، ومكتسبين خبرات عالية في القتال والتفخيخ بعدما خاضوا معارك عدة في سوريا، من "القصير" الى "القلمون"، مرورا بـ"يبرود" و"النبك". 

المشهد داخل عرسال الذي بقي لايامٍ مجهولاً تماماً، ولم يرشح عنه الا ما تردد على لسان الاهالي الذين نجحوا بالمغادرة، كاشفين عن قيام المسلحين بقتل العشرات وبأخذ آخرين دروعاً بشرية وبالاستيلاء على المنازل والمحال التجارية. الا انه بات اوضح بعد انسحاب المسلحين. ولكن الخطورة الاكبر تكمن الآن في انسحاب المسلحين مصطحبين معهم 22 مخطوفاً من عناصر الجيش اللبناني، و17 عنصراً من قوى الامن الداخلي ، بعدما لم تنجح المبادرة التي قامت بها هيئة العلماء المسلمين - التي دخلت البلدة واجرت مفاوضات مع المسلحين – الا في اطلاق سراح 6 عسكريين، 3 من قوى الامن و 3 من الجيش. 

آفاق الحسم العسكري للجيش اللبناني الذي قدم 17 شهيداً وعشرات الجرحى لم تكن واضحة. ففرضية دخول الجيش الى البلدة لم تكن واردة، لان محاذير عدة تشوبها. فالمناطق المأهولة تشكل صعوبة كبرى لاي عملية عسكرية، خصوصاً ان المسلحين اعتمدوا استراتجية عدم افراغ البلدة من اهلها عبر منعهم من مغادرتها، كي لا تتحول الى هدف سهل للجيش اللبناني. وطالما اهالي عرسال داخلها، يصعب على الجيش القتال في شوارعها ولن يتمكن من استخدام اسلحة ثقيلة واعتماد آليات عسكرية تدميرية للرد على مصادر اطلاق النار، لانها قد تؤدي الى وقوع اصابات كثيرة في صفوف المدنيين . وهوقد ينتج عنه ضغط شعبي وسياسي وطائفي. 

وفي المقابل، إنّ التأخّر في الحسم يطيل أمد المعركة التي بدورها تؤدّي إلى استنزاف الجيش وتكبّده المزيد من الخسائر. وبما أنّ الجهة الشرقيّة للجرود تقع ضمن الأراضي السوريّة، وبالتّالي يتولاّها الجيش السوريّ، و الجهة الجنوبيّة الغربيّة ينتشر فيها أصلاًّ "حزب الله" لحماية القرى الشيعيّة، يركّز الجيش اللبنانيّ عمليّاته العسكريّة باتّجاه تحقيق هدف فصل بلدة عرسال عن جرودها وقطع خطوط الإمداد بين الجهتين، كي لا تبقى عرسال خزّاناً للمسلّحين.

لقد عَمِل الجيش على استعادة مراكزه المحيطة بالبلدة التي كان استولى عليها المسلحون، وعلى بسط سيطرته على التلال المشرفة على مسرح العمليّات وتضييق الخناق على المسلّحين الموجودين في الداخل. وسط تأكيد الجيش أنّ الحسم النهائيّ يتمثل أوّلاً، باستعادة كلّ الجنود الأسرى، وثانياً بخروج كلّ المسلّحين من الأراضي اللبنانيّة.

كيف ستنتهي هذه المعركة؟ وإلى أين سيتوجّه المسلّحون؟ ففي ظلّ انعدام احتمال عودتهم إلى سوريا، ومضي الجيش في المعركة حتّى إخلاء المقاتلين البلدة، لن يبقى أمامهم سوى اللجوء إلى جرود عرسال. ولكن، إلى اي مدى سيتمكّنون من الصمود في هذه الارض التي يغلب عليها التصحّر والجفاف، ولا تتوافر فيها مقوّمات الحياة، بعدما فقدوا خزانهم العرساليّ الذي كان يقدّم إليهم المأوى والمساعدة والدعم؟

لقد أعادت المعركة التي يخوضها الجيش في عرسال إلى أذهان اللبنانيّين حرب مخيم نهر البارد التي وقعت في عام 2007، إلاّ أنّ المقارنة لا تجوز بين المعركتين، وفق المصادر، إذ أنّ طبيعة الأرض التي تدور فيها المعركة مختلفة، وإنّ نهر البارد كان مخيّماً فلسطينيّاً شكل بيئة حاضنة تماماً لـ"فتح الاسلام"، الأمر الذي سمح بتطويقه والتّعاطي معه كمنطقة معادية، ولكن هذا الواقع لا ينطبق على عرسال، البلدة اللبنانيّة التي تضمّ مواطنين لبنانيّين، وتستضيف آلاف النّازحين السوريّين. كما أنّ هناك فارقاً كبيراً في عديد المسلّحين الذي لم يتجاوز الـ 600 في نهر البارد، في حين تضمّ عرسال وجرودها ما يفوق السبعة آلاف مسلح. كذلك، تختلف المساحة التي تدور فيها الاشتباكات، بما انها لم تتعدَ الكيلومتر مربع في نهر البارد، بينما تقارب أرض المعركة في عرسال وجرودها الـ 300 كيلومتر مربّع.

كانت عرسال وستبقى تحدّياً، وها هو الجيش يخوض معركتها اليوم، بعدما كان دعا على مدى ثلاث سنوات إلى معالجة الوضع الأمنيّ للنّازحين السوريّين والمراكز التي ينتشرون فيها على كلّ الأراضي اللبنانيّة كي لا تكون بؤراً للارهاب.

إذاً، إنّ أيّ تفلّت في أيّ منطقة ينذر بخطورة كبيرة، وهو عرضة للتوسّع إلى كلّ الأراضي اللبنانيّة التي لن تكون بعيدة عن الخطر.