تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

اللبنانيّون: إنّها نهاية العالم!

A general view of the presidential palace is seen during a farewell ceremony for Outgoing Lebanese President Michel Sleiman in Baabda, near Beirut, May 24, 2014.  
REUTERS/Mohamed Azakir  (LEBANON - Tags: POLITICS) - RTR3QNB0

يبتسم بعض اللبنانيّين وهم يكرّرون بسخرية واضحة: قد تكون نهاية العالم! إنّه آخر صيف للبنان!

يقولون ذلك، وهم يستعرضون أزماتهم المتتالية والمتراكمة: بلدهم بات من دون رئيس للجمهوريّة منذ 25 أيار / مايو الماضي، في ظلّ صعوبة تبدو متمادية في انتخاب رئيس جديد. حتّى أنّه يحكى عن مرور أشهر طويلة، سيبقى خلالها قصر بعبدا، مقرّ الرئاسة القائم على هضبة شرق بيروت، خالٍ من أيّ سيّد ومطفأ الأنوار. بعد أزمة فراغ الرئاسة، يبدو البرلمان أمام استحقاق مماثل. قبل نحو عام، ظهر أنّ هناك عجزاً لبنانيّاً عامّاً عن إجراء انتخابات نيابيّة، لتجديد البرلمان الذي كانت ولايته تنتهي في 20 حزيران / يونيو 2013. فقرّر النوّاب اللجوء إلى خطوة تعدّ هرطقة في الأنظمة الديمقراطيّة، إذ مدّدوا ولايتهم البرلمانيّة، واستمرّوا في كراسيهم ممثّلين عن الناس، من دون الأخذ في رأيهم. غير أنّ التمديد الذي أقرّوه قبل سنة كان متفائلاً، إذ اعتقدوا على ما يبدو أنّ بضعة أشهر ستكون كافية لتطبيع الأمور في البلاد. تأمّلوا أنّ انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة قبل ربيع 2014 سيكون حتميّاً، وأنّه سيسمح لاحقاً بانتخابات برلمانيّة عاديّة، فاكتفوا بأن أقرّوا تمديد ولايتهم حتّى 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. مرّت أشهر التمديد بسرعة. لم ينتخب رئيس. وها قد أطلّ استحقاق انتخاب النوّاب، في ظلّ  الظروف المأزومة نفسها. في 20 آب / أغسطس المقبل، تنقضي آخر مهلة قانونيّة للدعوة للانتخابات. وبعدها بتسعين يوماً، يصير لبنان بلا نوّاب ولا برلمان ولا سلطة تشرّع قوانينه وتراقب حكومته. غير أنّ الأمر لن يحصل على الأرجح، إذ من المتوقّع أن يتمّ الاتّفاق بأكثريّة سياسيّة من كلّ الطوائف والأطراف على تمديد جديد للمجلس. حتّى أنّه بدأ يحكى عن تمديد طويل هذه المرّة، لا يكتفي بـ17 شهراً كما في المرّة السابقة المتفائلة، بل يذهب أكثر من سنتين في الحدّ الأدنى، انطلاقاً من قراءة واقعيّة أنّ أزمة لبنان، المرتبطة بأزمة المنطقة المتفاقمة كلّ يوم، ستطول كثيراً بعد.

وحدها الحكومة اللبنانيّة تبدو شغّالة في بيروت، لكنّها معطوبة بأكثر من رأي دستوريّ وقانونيّ وسياسيّ، حول إمكان عملها في شكل طبيعيّ، في ظلّ عدم وجود رئيس للجمهوريّة. وهو ما جعلها تبدو كأنّها في ظروف استثنائيّة، أو في حالة تصريف أعمال للشؤون الطارئة أو الضروريّة لا غير. حتّى أنّه في جلستها الأخيرة يوم 3 تموز / يوليو الجاري، أثار وزير المال علي حسن خليل، مشكلة تواجهها وزارته، وتتمثّل في عدم قدرتها على دفع رواتب موظّفي الدولة بعد تموز / يوليو الحاليّ. أمّا السبب فقانونيّ بيروقراطيّ، ذلك أنّ حكومات لبنان المتعاقبة تعيش من دون موازنات، كما يقتضي الدستور، منذ عام 2005. وكان يتمّ الاستعاضة عن ذلك، بإقرار قوانين استثنائيّة في البرلمان، تجيز للحكومات صرف اعتمادات خاصّة، في انتظار إقرار الموازنة. اليوم، انتهت اعتمادات آخر قانون مماثل، في ظلّ مقاطعة عدد من القوى السياسيّة للبرلمان، وتأكيدها رفض التشريع في غياب رئيس للجمهوريّة. وهو ما ينذر بجعل الدولة اللبنانيّة، ولو شكليّاً أو ورقيّاً، مفلسة بدءاً من نهاية آب / أغسطس المقبل.

لم تنته مشكلات الجهاز الإداريّ للدولة عند هذا الحدّ. فالقطاع العام، من إدارة وتعليم رسميّ، لا يزال عمليّاً في حالة إضراب متقطّع، واعتصامات دوريّة، وذلك للمطالبة بإقرار قانون يعطي موظّفي الدولة زيادة على رواتبهم. إنّها حالة شاذّة لم تعرفها الدولة اللبنانيّة من قبل. حتّى أنّ الامتحانات الرسميّة بدت مهدّدة المصير قبل أسبوعين، إذ أعلن الأساتذة المحرومون من زيادة رواتبهم، مقاطعتهم للامتحانات ورفضهم وضع أسئلتها أو مراقبتها، ممّا جعل مصير سنة دراسيّة لأكثر من 200 ألف تلميذ على المحكّ، قبل أن تنتهي الأزمة - من دون أن تنتهي - مع اتّفاق هجين، حيث وافق المعلّمون على إجراء الامتحانات، لكن من دون تصحيح مسابقاتها، وبالتالي عدم إعلان نتائجها، ما لم يقرّ البرلمان مطالبهم. وهو ما لم يحصل بعد.

ولم تتوقّف سلسلة الأزمات هنا. فمع اجتياح "داعش" لشمال غرب العراق، عادت التفجيرات الانتحاريّة إلى بيروت. ثلاثة انتحاريّين في أقلّ من أسبوع، رفعوا عدد العمليّات الانتحاريّة في لبنان إلى 17، كان أوّلها في 19 تشرين الثاني /نوفمبر الماضي، ضدّ مقرّ السفارة الإيرانيّة في بيروت.

وفيما كانت الانفجارات الانتحاريّة تلهب لبنان، كان الصيف اللبنانيّ الحارّ يتقدّم تدريجيّاً، مع درجات حرارة لامست الأربعين مئويّة في بعض مناطق الداخل. وفي تلك الظروف بالذات، كان رئيس لجنة الأشغال النيابيّة، النائب محمّد قبّاني، ينذر اللبنانيّين بصيف كوارثيّ، في ظلّ عجز متزايد عن توليد الكهرباء، ومطالبة حكوميّة برفع أسعار استهلاكها للتخفيف من عجز الخزينة، كما في ظلّ عجز مائيّ، هو الأوّل من نوعه في لبنان منذ عقود طويلة. فكميّة الأمطار المتراكمة طيلة موسم الشتاء الماضي لم تتجاوز ثلث معدّلها العامّ المعروف في لبنان، والمقدّر بين 750 ملم و800 ملم سنويّاً.

العجز الكهربائيّ والمائيّ فاقمه طبعاً وجود أكثر من مليون نازح سوريّ في لبنان، يضغطون على اقتصاد لبنانيّ متعثّر أصلاً، وعلى دين عام بلغ أكثر من 64 مليار دولار أميركيّ، وبدأوا يشكّلون أزمة وجوديّة كبرى، كما قال وزير الخارجية اللبنانيّة جبران باسيل، في مؤتمر صحافيّ عقده في 4 تموز / يوليو الجاري.

أزمات رئاسة وبرلمان وحكومة وأمن واقتصاد ومطالب موظّفين وامتحانات طلاّب وكهرباء وماء وحرارة طقس ... ماذا كان ينقص لاكتمال المشهد الأبوكاليبتيّ؟ هزّات أرضيّة؟ لم تتأخّر الأقدار في تلبية طلب اللبنانيّين. فبعيد منتصف الليل، أو فجر صباح الأحد في 6 تموز / يوليو الجاري، وقعت هزّتان أرضيّتان مركزهما جنوب لبنان. لا أضرار ولا إصابات، بل مجرّد هزّة وموجة ارتداديّة لها، لم تبلغ 5 درجات وفق مقياس ريختر، كما قال الخبراء. لكنّ الصورة باتت مكتملة في انطباعات اللبنانيّين الساخرة: إنّها نهاية العالم. إنّه صيف أبوكاليبتيّ طويل وأخير... قبل الحلّ الكامل أو النهاية!