تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حيّ الشجاعيّة... حين انهارت الأرواح والمنازل والهدنة

200714-WN-GAZ11.jpg

تمّ إعلان ساعتين من الهدنة الإنسانيّة لإخلاء الجرحى والقتلى من حيّ الشجاعيّة منذ الساعة الواحدة والنصف وحتّى الساعة الثالثة والنصف بالتوقيت المحليّ، من بعد ظهر يوم الأحد 20 تمّوز/يوليو 2014، بعد ليلة طويلة، قصفت فيها قوّات الاحتلال الإسرائيليّ الحيّ في شكل عشوائيّ ومتواصل، بقذائف الدبّابات، ممّا أدّى إلى إصابة 400 مواطن، واستشهاد أكثر من 60 مواطناً من أهالي الحيّ، ولا يزال البحث جارياً عن آخرين.

ولكن، لم تمرّ ساعة على الهدنة، حتّى أصابها الانهيار. فسرعان ما سمعنا صوت قصف إسرائيليّ جديد، فيبدو أنّ الهدنة لا تساوي شيئاً عند الاحتلال الإسرائيليّ مثلها مثل الدماء.

وكنّا دخلنا إلى الحيّ مع صحافيّين وسيّارات إسعاف خلال الهدنة، وقد استطاعت الطواقم إجلاء جثث شهداء من المنازل. فقد كان بعضهم مختبئاً، أو يحمل أكياساً فيها أغراض، هرباً من الموت، ولكنّ قذائف الدبّابات اصطادت المواطنين في اللحظات الأخيرة.

دخلنا شارع البلتاجي في حيّ الشجاعيّة، وكانت المنازل خالية تماماً ومعظمها مقصوفاً أو محروقاً. رأينا مقاوماً وحيداً يمشي في زاوية بعيدة، يرتدي الأسود قادماً من خطّ المواجهة الأوّل. وهناك، عدد قليل من المواطنين الذين بقوا على قيد الحياة، يخرجون من منازلهم، والبعض الآخر رجع إلى منزله خلال الهدنة ليجلب بعض الأغراض.

عاد والد أحد الأطفال إلى منزله يبحث عن ابنه، وقد قال لـ"الموينتور": "لم أجد طفلي في الأماكن التي هرب إليها أهل الشجاعيّة، ولا يوجد في المستشفى. أعتقد أنّه بقي هنا". أخذنا نرفع معه شجرة كبيرة أسقطها القصف، علّ ابنه يكون تحتها. لم نجد شيئاً، وقد كانت أسلاك الكهرباء مقطوعة وملقاة في كلّ مكان.

ويقول محمّد ربيع (49عاماً) الذي كان خارجاً من المنطقة المحروقة لـ"المونيتور": "طوال الليل والفجر، يقصفون المنازل في شكل عشوائيّ. بعض أهالي الحيّ خرج، وبعضهم لم يستطع ذلك، فمات تحت القصف".

حاولنا التقدّم مشياً إلى داخل الحيّ. كانت هناك سيّارات للدفاع المدنيّ تطفئ حريقاً، وكان هناك مسعفون يبحثون عن مزيد من المصابين والقتلى. رأينا سيّارة الإسعاف التي قتل إلى جانبها الصحافيّ خالد حمد، وضابط الإسعاف فؤاد جابر، وقد توقّفت بعدما أصابها القصف الإسرائيليّ.

تقدّمنا قليلاً، ووصلنا إلى منزل يتصاعد منه الدخان. انهارت لحظتها الهدنة، حين سمعنا صوت القذائف الإسرائيليّة تتساقط، ثم انفجاراً قريباً جدّاً... وبعد ذلك بثوانٍ، سمعنا انفجاراً آخر. حاولنا الاختباء في زوايا جانبيّة للمنازل، ثم ركضنا إلى السيّارة، لكنّ مراسل الجزيرة وائل الدحدوح ظلّ واقفا مكانه في بثّ مباشر.

بسرعة كبيرة، أخذتنا السيّارة إلى خارج الشجاعيّة، حيث رأينا المواطنين الذين كانوا يحاولون دخول الحيّ لتفقّد منازلهم يعودون. تقول قمر الزعيم (35عاماً)، التي ترتدي ملابس الصلاة: "رجعنا إلى البيوت لنأخذ ملابسنا حتّى نرتديها، ولكنّنا لم نستطع دخول المنطقة، فقد نجونا هذا الفجر مع عائلاتنا بأعجوبة".

وكانت أنباء مجزرة الشجاعيّة بدأت تصل إلى مسامع المواطنين مع ساعات الصباح الأولى، حيث امتلأت مستشفى الشفاء بالمصابين. في قسم الاستقبال والطوارئ، كان الطفل محمّد أبو رحمة (15 عاماً) قد وصل، وهو مصاب بشظيّة في وجهه، والدماء تخرج كالنافورة. يمسك جانب وجهه، محاولاً إيقاف الدماء، وقريبه أمجد اليازجي (15عاماً) يمسك عينه اليمنى. أخذ الممرّض ضمّادة ووضعها على وجه محمّد، محاولاً هو الآخر وقف الدماء، ويقول: "إنّها شظيّة في وجهه، نخشى أن يكون الشريان قد تمزّق".

أخذ ممرّض آخر أمجد بعيداً ووضع ضمّادة على عينه. ولكنّه سرعان ما عاد إلى قريبه وصديقه محمّد. أمجد لم يستطع التحدّث إلى "الموينتور"، ولكنّ شقيقه محمّد اليازجي (24عاماً) قال لـ"الموينتور": "جاء محمّد إلى بيتنا للاحتماء هو وعائلته، وكنّا نجلس في المنزل، حين دخلت قذيفة الدبّابة وأصابتهما هما الإثنين".

على سرير آخر، كانت إيمان العطوي (32عاماً) تحتضن ابنة شقيقها نوال (3سنوات) التي تبكي بخوف، وقد أصابتها الشظايا في أنحاء جسمها، وتنادي تالا تالا.

تقول إيمان لـ"الموينتور": "تالا شقيقة نوال، رأيت رأسها على الأرض حين قصفتنا الطائرات". وأضافت: " لم نخرج من المنزل طوال الليل على الرغم من قصف الدبّابات العشوائيّ. لم نعرف أين سنذهب، ولكن، حين قصفت طائرات الـ"أف 16" حول المنزل وسقطت الجدران علينا والجميع نائم، هربنا مع أفراد عائلتي بسيّارات الجيران، وأصيبت بنات شقيقي الخمسة تالا وأسيل ونوال وكندة وديانا، وكنت أعرف منذ لحظتها أنّ تالا ماتت".

تبدو المستشفى كأنّها تحوّلت إلى ملجأ كبير، حيث يفضّل آلاف من أهالي منطقة الشجاعيّة في ساحة المستشفى وفي الشوارع المحيطة بها، البقاء في الشارع على العودة إلى الموت.

تجلس عائلة مصبح أمام أحد أقسام مستشفى الشفاء، وتقول الأمّ عبلة مصبح (56عاماً) المحاطة بأبنائها وأحفادها: "نحن نسكن على حدود الشجاعيّة عند معبر كارني، وتصلنا تهديدات من الجيش الإسرائيليّ منذ أكثر من أسبوع ولم يغادر أحد. إلاّ أنّ القصف ازداد ليلاً في شكل كبير، فهربنا وذهبنا إلى وسط الشجاعيّة، وهناك اقترب قصف القذائف أكثر فأكثر، فرحلنا مرّة أخرى".

تشير إلى أقدام حفيدها مصبح البالغ من العمر ثلاثة أعوام، وتبدو قدماه سوداوان، موضحة: "جاء حافي القدمين إلى هنا. مشينا وسط الدمار والقصف حفاة القدمين للنجاة بحياتنا".

وكانت وكالة الأونروا أوضحت أنّ "هناك 81 ألف مواطن لجأوا إلى مقرّاتها في قطاع غزّة يوم الأحد".

أمام بوّابة القسم الذي اتّخذته عائلة مصبح كمنزل موقّت، وقفت سيّارة إسعاف، خرج منها ثلاثة ضبّاط مسعفين، يقول أحدهم وهو أحمد صباح (27عاماً) لـ"المونيتور": "أتينا الآن من دفن صديقنا المسعف فؤاد جابر، الذي كان يقف في سيّارة الإسعاف أمام أحد المنازل في الشجاعيّة، ومعه صحافيّ". وأضاف أنّ "إدارة المستشفى قرّرت تسليم كلّ الجثث إلى ذويها ودفنها، وفضّلت ذلك على بقائها في المستشفى، فليس هناك مكان لمزيد من الجثث".

ويقول زميله المتطوّع في الإسعاف نبيل صقر (33عاماً): "منذ الأمس ليلاً (أي ليل السبت-الأحد)، ونحن نحاول الوصول إلى الجرحى، ولكنّ الأمر كان صعباً، وتمّ إعلامنا من مؤسّسات دوليّة أنّ إسرائيل أعلنتها منطقة عسكريّة مغلقة". وتابع: "معظم من استطاعوا إخراجه من الشجاعيّة خلال الساعات الماضية، كان إمّا شهيداً أو مصاباً بدرجة خطيرة، فمعظم الإصابات في الرأس والصدر".

كانت نهاية هذا اليوم الذي وصل خلاله عدد الشهداء إلى 97 مواطناً من قطاع غزّة، عند ثلاّجة الموتى في مستشفى الشفاء، حيث يتجمّع عشرات الأهالي، ينتظرون معرفة مصير أقاربهم، خصوصاً بعد انتهاء فترة الهدنة وانتشال الجثث.

لم تتّسع الثلاّجة، ولكن على الأرض، كانت هناك جثث مغطّاة بملاءة بيضاء. ويقول مدير الطبّ الشرعيّ إيهاب كحيل لـ"المونيتور": "بعضهم مجهول الهويّة، وبينهم نساء، وقد جلبهم الإسعاف خلال فترة الهدنة".

اقترب رجل مسنّ وهو سعيد القنفد (72 عاماً) يبحث عن قريب له اسمه مروان القنفد (22عاماً)، ويقول لكحيل: "لا أذكر ماذا يرتدي ولكنّ ساقه مقطوعة". يردّ عليه كحيل: "هذه الجثّة لشابّ مقطوعة ساقه، ولكنّه من دون رأس. كيف ستتعرّف عليه؟؟!!".