تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الملحدون في مصر.. نظرة على حياتهم

A masked woman demonstrator shouts slogans against Egypt's former army chief Abdel Fattah al-Sisi and against a law restricting demonstrations near El-Thadiya presidential palace in Cairo, April 26, 2014. REUTERS/Amr Abdallah Dalsh (EGYPT - Tags: POLITICS CIVIL UNREST) - RTR3MR49

كانت الافكار تراود «مجد» الشاب المصري الذي ينحدر من عائلة مسيحية حول خالق لهذا الكون هل له وجود ام لا ؟، وبدايته مع الالحاد كانت بعد وفاة صديقه مينا دانيا الذي قتل خلال أحداث ثورة 25 يناير في مصر، حيث توجه إلى أحد القساوسة في الكنيسة وقال له "انت قلت لي طالما انك مع الله ستكون سعيدا، إذا لماذا مات مينا".

كيف يعيش الملحد

لم يعد مجد يذهب إلى الكنيسة وهو الشاب الذي تربى بين قساوستها وكان يخدم فيها منذ كان صغيرًا بالمدرسة، ولم يعد يصدق ما يقوله الانجيل، لأنه ببساطة كما يقول «لم أعد استوعب كيف يقبل الرب الذي يدعوه الجميع بالعادل أن يتم قتل أصدقائي دون ذنب خلال الثورة، وأن أفقد أشخاصًا أحبهم واتألم لفراقهم دون أن ارتكب معصية يعاقبني عليها».

الأفكار التي يقوم الشاب الملحد بالإفصاح عنها سواء من خلال حسابه على فيس بوك أو بالحديث مع اصدقاءه، جعلته يخسر كثيرا من المقربين منه خاصه أصدقاء الكنيسة بالإضافة إلى أقاربه من المتدينين الذين يرون في كلامه كفرًا يستوجب مقاطعته.

من ناحية اخرى، يقول مجد انه في حالة قلق دائم وكثيرًا ما يشعر بعدم الطمأنينة، ففكرة وجود إله كانت تشعره بأن هناك قوة تحميه وظهرًا يستند عليه، ودائما ما يواجه صراعًا بين قلب غير مرتاح وعقل لا يرضى إلا بالتفكير المنطقي.

ومن بين الملحدين عدد غير قليل من الفتيات، واللاتي حاولت "المونيتور" اللاتقاء بهن، لكنهن يرفضن الحديث للاعلام، وملخص تجاربهن التي توصلنا لها من خلال عدد من اصدقائهن، ان رحلة الفتيات في التصريح بالالحاد اكثر قسوة لان اسرتها الى قد تاجأ استخدام العنف معها حتى ان بعضهن ادخلن مصحات نفسية بعد ان وصفن بالجنون، كما ان اتجاه الفتيات للالحاد يفرض عليهن امورا لا يرغبن بها مثل ان ارتداء الحجاب او زي ذات مواصفات معينة ان كانت من عائلة مسلمة او يفرض عليها الذهاب الى الكنيسة ان كانت عائلتها مسيحية.

أسباب الالحاد

تقول دكتورة آمنة نصير أستاذ الفلسفة والعقيدة بجامعة الأزهر، إن هناك قاعدة أساسية في أي مجتمع وهي «كلما زاد التطرف الديني زادت نسبة الالحاد»، لأن النفس البشرية بطبيعتها متمردة وعندما يغالي المتشددون في الدين ينفر الشباب منه، وشبهت ما يحدث في مصر الآن بما حدث في أوروبا في القرون الوسطى حين سيطرت الكنيسة بشكل كبير على كل مناحي الحياة فحدث ردة عقائدية في المجتمع.

على الجانب الآخر يقول القمص عبد المسيح بسيط كاهن كنيسة العذراء، إن عدم وجود قيود على المعرفة بعد ازدياد التواصل بين الشعوب عن طريق الانترنت، جعلت الشباب لا يستشير أحدًا عن ما يدور في فكره، وأصبح الإعتماد الأكبر على ما يتناقلونه عبر المواقع الاجنبية المختلفة والتي من ضمنمن بينهاها مواقع لملحدين في دول أخرى، يتاثر بهم الشباب.

لكن السبب الرئيسي الذي إتفق عليه الطرفان المسلم والمسيحي هو أن كثيرًا من رجال الدين غير مؤهلين علميًا للتعامل مع أسئلة الشباب، فالشيوخ أو القساوسة متخصصون في المجالات الدينية وليس العلمية، وحين يتوجه اليهم أحد بسؤال حول أمور غيبية لا يكون هناك رد من قبلهم، أو يكون الرد «لا تجادل ولا تناقش»، فتزيد الحيرة لدى السائل، ويبدأ في الشك في معتقداته.

الملحدون والإعلام

يتناول الإعلام في مصر مسألة الملحدين بطريقة غير محايدة بحسب ما يقول مجموعة من الشباب الملحد الذين التقت المونيتور بهم، ففي أحد البرامج التي تقدمها مذيعة شهيرة استضافت شابًا ملحدًا ووجهت له انتقادات ولم تمنحه الفرصة لتوضيح وجهه نظرة أو الأسباب التي دفعته للاتجاه نحو الالحاد، واستضافت في مواجهته شيخًا من الازهر وقسًا من الكنيسة لكنها رفضت مواجه الطرفين وجهًا لوجه قائلة "احترامًا لهما رفضت أن يجلسا مع شخص مثله".

يقول إسماعيل أحد الملحدين والمنحدر من عائلة مسلمة "الاعلام يصور الملحدين على أنهم مرضى نفسيون ويحتاجون إلى علاج للتخلص من الأفكار التي يتحدثون عنها".

عدم وجود منبر إعلامي للملحدين ليعبروا فيه عن ارآئهم دفعت البعض منهم إلى خلق منبره الخاص، كما فعل إسماعيل الذي انشأ راديو على اليوتيوب وصفحة على فيس بوك اسمهاها "البط الأسود"، وهو الاسم الذي اختاره اسقاطًا على النظرة التي يرى بها المجتمع الشخص الملحد وكأنة البطة السوداء وسط البط الأبيض.

ومن بين المحاولات الإعلامية الآخرى المجلة التي أسسها عدد من الملحدين والعلمانيين وألقوا عليها اسم "مجلة علمانية"، وهي متخصصة في نشر أفكار الكتاب والمفكرين الملحدين والعلمانيين.

يقول محمد هشام أحد مؤسسي المجلة وهو يعمل مدرسًا للأدب الروسي بجامعة الاسكندرية للمونيتور، "هدف المجلة هو تحفيز الشباب على التفكير العلمي، وعدم الاستسلام للأفكار الخاطئة التي تربوا عليها دون التفكير في منطقيتها".

من ناحية أخرى يؤكد هشام أنه يواجه مشكلات اخرى من الذين يعتنقون نفس افكاره، فهو يرى أن غالبية الملحدين في مصر لم يعلنوا ذلك عن اقتناع، بل ليكونوا متفردين عن غيرهم، ويلفتوا الأنظار لهم، ويقول "نسبة 10 % فقط أن لم يكن أقل هم من أصبحوا ملحدين بعد رحلة تفكير عميقة وقراءات كثيرة"، وهؤلاء هم من اطلق عليهم "الباحثون عن الحقيقة"، الذين لا يرفضون فكرة وجود "الله" كرها في الدين، إنما يرفضونها لأسباب علمية اقتنعوا بها.

الملحدون والقانون

"المتهم الماثل أمامكم سيدي الرئيس أعلن كفره وإلحاده عبر محافل عامة، وجهر بأفكاره عبر شبكة المعلومات الدولية، واستباح لنفسه ما لم يأت به السابقون له أو اللاحقون عليه في هذا المجال، وسب أنبياء الله المختارين، وتهكم على الشعائر المقدسة وعلى الكتب السماوية؛ وهما القرآن والإنجيل وكثير مما حوته أوراق القضية تفصيلا، ومما يتنافى مع الفطرة الإنسانية السليمة بزعم حرية الرأي والتعبير"..

كانت هذه خاتمة مرافعة النيابة العامة في قضية إتهام ألبير صابر بازدراء الاديان، التي حكم عليه فيها بالحبس ثلاث سنوات في مطلع عام 2013، لاتهامه بنشر صور الفيلم المسىء للرسول الكريم، على صفحته الشخصية على الموقع الاجتماعي «فيس بوك».

وتنص المادة (64) والمادة (65) من الدستور المصري الجديد على ان حرية الاعتقاد مطلقة وأن حرية الفكر والرأى مكفولة، ولكل إنسان حق التعبيرعن رأيه بالقول، أو الكتابة، أو التصوير، لكن الواقع لا يقول ذلك بحسب ما يرى أحمد عزت مدير الوحدة القانونية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير، ففي حين تنص المواد السابقة على حرية الفرد في التعبير عن رأيه، يعطي القانون في المصري الحق في محاكمة أي مواطن بتهمة ازدراء الأديان، والتي تصل عقوبتها للسجن بين 3 الى 5 سنوات.

هذه التهمة تقع على من ينتقدون الديانات السماوية فقط، ولا يعتبر من يسخر من البهائية أو البوذية مثلاً مزدري للدين.

عزت قام بدراسة معمقة أصدرتها مؤسسة حرية الفكر والتعبير تحت عنوان محاكمات الإيمان، جاء في جزء منها إنه على الرغم من تعاقب النظم السياسية منذ قيام ثورة يناير، إلا أن قضايا ازدراء الأديان ظلت علامة مميزة لكافة المراحل، وذلك تحت حكم مبارك ثم الإخوان المسلمين، وأيضا تحت حكم الحكومة الانتقالية الحالية ، وهو ما يؤكد أن إشكالية حرية التعبير عن المعتقد غير مرتبطة فقط بوجود التيار الديني في السلطة، لكنها مرتبطة بغياب أي إرادة سياسية لدى الدولة في إطلاق هذه الحرية.