تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مطالبات بترشيح السيستاني لجائزة نوبل للسلام

إن الوضع الصعب الذي تمرّ به المنطقة وبالتحديد العراق وسوريا، يستوجب بشكل خاص ومؤكّد دعماً دولياً واسع النطاق لمواقف السيستاني. وبالتأكيد ستكون جائزة "نوبل" للسلام أحد أهمّ مفاصلها.
BAGHDAD, IRAQ:  A V-sign for victory is flashed in front of a portrait of religious leader of Iraq's Shiite majority Grand Ayatollah Ali al-Sistani during a march through the streets of Baghdad, 08 June 2004, heeding Sistani's latest call as they headed from the northern district of Al-Shaab toward the coalition's headquarters. The 2000 demonstrators denounced the interim constitution as an instrument of the United States, drafted behind closed doors with the aid of the US-picked and now dissolved Governing

كتب الصحافي الشهير كولن فريمن في الرابع من آذار/مارس الجاري مقالة بعنوان: "إنسوا أوباما والاتحاد الأوروبي، إن الرجل الذي ينبغي أن ينال جائزة نوبل للسلام هو رجل دين عراقي غامض". وقد طرح أدلة متعدّدة لدعوته تلك بمنح جائزة نوبل للسلام للسيّد علي السيستاني. الأمر الذي أدّى إلى إطلاق  حملة عالميّة للمطالبة بترشيحه لهذه الجائزة. وهذه ليست المرّة الأولى التي تطرح فيها هذه الفكرة، فقد طرحت سابقاً في العام 2005 من قبل جهات مختلفة منها عدد من المتخصّصين في الوضع العراقي وبعض الأقليات العراقيّة.

وليس غريباً أن يُطرَح اسم السيستاني لجائزة نوبل للسلام، وذلك لجهة دوره البارز في الوقوف في وجه التشدّد الديني وترويجه للتسامح والسلام وتعامله الحكيم في فترة احتلال العراق والأزمة الطائفيّة. وهذا كلّه جعل منه صمّام الأمان في العراق، إذ إن عدم وجوده في الفترات العصيبة الماضية كان من شأنه أن يؤدّي إلى كوارث إنسانيّة أكبر بكثير من تلك التي وقعت في العراق.

لكن المستغرب جداً هو أن تواجه هذه المطالبات بهجوم عنيف على السيستاني من قبل جهات في الحكومة ورجال دين متشدّدين. فقد ذكرت وسائل الإعلام أنّ رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أبدى امتعاضه مما أسماه "تدخلات بعض المرجعيات الدينيّة من غير العراقيّين"، مضيفاً أن "هذا الأمر وعلى الرغم من احترامنا لهم، غير مقبول". وجاء ذلك في خلال اجتماع ضمّه إلى وزير العدل حسن الشمري حول مشروع قانون الأحوال الشخصيّة الجعفريّة الذي وقف السيستاني في وجهه بسبب تضمّنه انتهاكات لحقوق الإنسان والأقليات. لكن على الرغم من ذلك، قام مجلس الوزراء مؤخراً بتمرير المشروع وإرساله إلى البرلمان للتصويت النهائي عليه.

وقد تهجّم المالكي على رجال الدين الشيعة الذين وقفوا ضدّ المشروع وانتقدوه بشدّة. وهم إلى جانب السيستاني نفسه، المراجع الثلاثة الآخرون في النجف وكذلك المرجع الديني السيّد حسين الصدر المقيم في الكاظميّة بالقرب من بغداد. من جهة أخرى عبّر المالكي عن شعوره بأن العراق بحاجة إلى مرجعيّة عراقيّة خالصة، في إشارة إلى رجل الدين المتشدّد محمد اليعقوبي الذي وقف بكل قوّته لدعم مشروع القانون آنف الذكر.

وقد بدأ اليعقوبي حملة هجوميّة على السيستاني منذ ظهور الخلافات بخصوص المشروع المذكور. وفي آخر تصريحاته عبّر عن مواقف مراجع الشيعة والسيستاني نفسه ضدّ القانون، إذ قال إنه ليس إلا "صوت نشاذ يجب أن نضع في فمه التراب". ويعني هذا المثل فيالثقافة العراقيّة الإشارة إلى القضاء على الشخص نهائياً، بحيث لا يمكنه التكلّم ثانية.

وكان لـ"المونيتور" اتصالات بعدد من المقرّبين من المالكي للتأكد مما نقلته وسائل الإعلام عنه حول هجومه على السيستاني. فأكدوا ذلك وأضافوا أن التوتّر بين رئيس الحكومة والسيستاني بدأ منذ إغلاق الأخير بابه أمام الحكومة تعبيراً عن عدم رضائه من تفشّي الفساد في الحكومة العراقيّة وعدم وفائها بواجباتها في ما يتعلّق بتأمين الأمن والخدمات. وقد وصل التوتّر ذروته مؤخراً حين انتقد السيستاني بصراحة المسؤوليين العراقيّين وطلب من الشعب العراقي الدقّة في تمييز الصالحين عن الفاسدين في الانتخابات المقبلة.

وفي أجواء مماثلة، ترشيح السيستاني لجائزة نوبل للسلام سيعني الكثير للمجتمع العراقي بل للمنطقة بأسرها. فقرار مماثل قد يدعم جبهة التسامح والاعتدال في بلد ومنطقة حيث كل شئ جاهز للاشتعال. وقد يضعف جبهة المتشدّدين في الحقلَين السياسي والديني على حدّ سواء ويمنعها من الاستمرار في أجنداتها الطائفيّة والأصوليّة.

فلنتصوّر ما كان سيحدث إن لم يكن السيستاني موجوداً.. كانت الأزمة الطائفيّة في العراق ستؤدّي  إلى مجازر كبيرة وحروب أهليّة حقيقيّة بين المناطق بحسب التقسيم المذهبي. أما الوضع في سوريا فكان ليصبح أسوأ بكثير، لكن السيستاني منع أتباعه من الذهاب إلى هناك للقتال ودعم قرار الشعب السوري من دون النظر إلى عنصر المذهب في هذا البين. وقد أدّى ذلك إلى امتناع أعداد غفيرة من الشيعة المتحمسين لما يحدث لأبناء طائفتهم ومقدّساتهم على يد المتشدّدين السنّة، من الذهاب إلى هناك للقتال طاعة لفتوى مرشدهم الديني. كذلك كان العراق ليخضع لحكم ديني متشدّد تحت سيطرة الأحزاب الدينيّة، لكن السيستاني وقف بكل قوّته أمام جهود فرض الشريعة على المجتمع ودافع عن ضرورة الهويّة المدنيّة للدولة العراقيّة.

وبخلاف ما يُطرح أحياناً حول آراء دينيّة متشدّدة للسيستاني مثل أنه أفتى بقتل المثليّين جنسياً كما نقل كولن فريمن، إلا أن لا صحّة لذلك إطلاقاً. والسيستاني لا يفتي بتطبيق العقوبات الشرعيّة على هؤلاء، بل هو يعتقد فقهياً بأن ليس للفقيه أو لأي شخص آخر في عصرنا هذا صلاحيّة تطبيق هذه العقوبات، إذ إنها من خصوصيات النبي أو من يعيّن من جانبه مباشرة.

لكن هذا كله لا يعني أن السيستاني يقوم بدور شخصيّة علمانيّة تدافع عن الحريات في مطلق معانيها، بل يجب أن يُفهم دوره كرجل دين. فمن غير المعقول أن نتوقّع من البابا أن يقوم بدور فولتير أو جان بول سارتر على سبيل المثال. إن أهميّة السيستاني تكمن في موضوعَين بالتحديد: أولاً، الحفاظ على التديّن بوصفه قضيّة شخصيّة وبالتالي المنع من فرضه على المجتمع. وثانياً، المنع من استخدام العنف لأسباب دينيّة ومذهبيّة بل الترويج للتسامح والمحبّة والسلام بين كل أطياف المجتمع العراقي. إلى كلّ ذلك، فإنه يمثّل النسخة البديلة لنظام ولاية الفقيه لدى الشيعة، وهذا يعني أن أي انكسار له سيؤدّي إلى تقوية تلك النسخة المتشدّدة والمرتبطة بالأزمات الدينيّة في المنطقة وحالات من انتهاكات حقوق الإنسان.

وعليه، فإن الوضع الصعب الذي تمرّ به المنطقة وبالتحديد العراق وسوريا يستوجب بشكل خاص ومؤكّد دعماً دولياً واسع النطاق لمواقف السيستاني، وبالتأكيد ستكون جائزة نوبل للسلام أحد أهم مفاصلها.