تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الصلاة في المسجد الأقصى.. حلم يراود الغزيّين

Ahmad Khalaf prays outside al-Aqsa mosque after he was released from an Israeli prison, in Jerusalem's old city December 31, 2013. Israel freed 26 Palestinian prisoners on Tuesday, days before U.S. Secretary of State John Kerry was due back in the Middle East to press the two sides to agree a framework peace deal.  REUTERS/Ammar Awad  (JERUSALEM - Tags: POLITICS RELIGION) - RTX16YA6

في العام 1999، كانت المرّة الأخيرة التي ترى فيها أم عارف يوسف المسجد الأقصى (القبلة الأولى للمسلمين)، إذ لم يُسمح لها بالذهاب إلى هناك مجدداً بسبب القيود المعقّدة التي وضعتها إسرائيل على سفر الغزيّين بعد ذلك العام.

تنظر أم عارف التي تبلغ من العمر 72 عاماً بعين الحسرة إلى صورة لقبّة الصخرة الذهبيّة، معلّقة على أحد جدران منزلها الكائن في حيّ النصر في مدينة غزّة. وتقول لـ"المونيتور"، "ما زلت أشتمّ رائحة جدرانه العتيقة، ولم أستفق بعد من لذّة الصلاة في رحابه. أن أعود إلى هذا المكان يمثل حُلماً أتمنّى تحقيقه من جديد قبل أن يُدركني الموت".

وكانت إسرائيل قد منعت سكّان غزّة من السفر إلى القدس منذ انطلاق الانتفاضة الفلسطينيّة الثانيّة في العام 2000. وجعلت التنقّل عبر معبر بيت حانون (إيرز) الذي تشرف عليه، مقتصراً على فئات قليلة هي الأجانب وكبار التجار والمرضى.

وحديث أم عارف الدائم عن الرحلة الأخيرة التي قامت بها إلى المسجد الأقصى، تحوّل إلى موضوع أمل لدى أحفادها الذين كبروا في ظلّ المنع الإسرائيلي للغزيّين من الوصول إلى القدس. وتخبر حفيدتها سماح البالغة من العمر 19 عاماً، إنها لم ترَ القدس إلا من خلال روايات جدّتها وشاشات التلفزة فقط.

وتختصر سماح مشكلة جيل بأكمله، جيل بات يحلُم بالذهاب إلى المدينة التي تعدّ سبباً رئيسياً في استمرار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. لكن المنع الإسرائيلي يقف عائقاً أمام تحقيق أحلام ذلك الجيل، ما جعله يبتكر وسائل أخرى لتحقيق التواصل الوجداني مع المعالم المقدّسة في القدس.

ساجدة أبو عودة شابة من مدينة خان يونس جنوب قطاع غزّة. وقد دفعها عشقها للحرم المقدسي إلى الطلب من صديقتها المقدسيّة كتابة اسمها على ورقة ووضعها أمام قبّة الصخرة وتصويرها وإرسالها لها عبر البريد الإلكتروني، أملاً في أن تتمكّن من زيارته قريباً.

وتروي أبو عودة لـ"المونيتور"، "لم أستطع إخفاء فرحتي العارمة عندما لبّت صديقتي المقدسيّة طلبي. (...) لقد بكيت حينها وشعرت بأنني أسير في أروقة المسجد. وقمت بوضع الصورة في إطار خشبي مزركش وعلقتها على أحد جدران منزلي".

تضيف "لم يكن إحساسا عادياً. فقد شعرت بأن الأمل يجري في عروقي. صحيح أن جسدي لم يصل إلى هناك، لكن من خلال هذه الصورة شعرت بأن روحي باتت ترفرف فوق باحات الأقصى".

من جهته نشر الشاب أحمد الزيتونيّة أيضاً صورة مماثلة لتلك التي التقطت لاسم ساجدة أبو عودة، تحمل اسمه مع عبارة "لكم تحية من القدس" على صفحته على موقع "فيسبوك". فيقول "نحن كغزيّين لم نتمكّن من الوصول بأجسادنا إلى القدس، فوجدنا أن نصل بأسمائنا لنثبت للمحتل الإسرائيلي أن القدس عربيّة إسلاميّة فلسطينيّة".

ويوضح لـ"المونيتور" أن العقبة الأساسيّة التي تحول دون وصوله إلى القدس، هي معوقات الاحتلال الإسرائيلي، مشيراً إلى أن الهدف من نشر هذه الصور هو "التأكيد على تمسّك الغزيّين بالمسجد الأقصى الذي يمارس بحقّه التهويد الإسرائيلي".

وبسرعة تطوّرت هذه الفكرة في أذهان المقدسيّين والغزيّين على حدّ سواء، وانطلقت حملات عديدة عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي تحت شعار "اليوم اسمك، وغداً أنت". وبات رائجاً جداً نشر صور لأسماء غزيّين وفي خلفيّتها أحد معالم الحرم المقدسي، أملاً في أن يتمكنوا من الصلاة في المسجد الأقصى في المستقبل القريب.

ومن بين هذه الصفحات، واحدة تحت عنوان "اسمك بالأقصى" وأخرى تحت عنوان "اسمك من الأقصى". ويمكن لمتصفحّ هذه الصفحات الاطلاع على مئات الصور التي تحتوي على أسماء غزيّين وفي خلفيّتها المسجد الأقصى أو قبّة الصخرة، وقد التقطها متطوّعون مقدسيّون من أجل تحقيق الحلم الغزّي.

ويشير الشاب المقدسي صلاح خضير وهو أحد المشرفين على صفحة "اسمك بالأقصى"، إلى أن مئات الطلبات المشابهة تصله في اليوم الواحد. ويقول "الكثيرون من غزّة يتلهّفون لرؤية المسجد الأقصى، وقد جعلوني أشعر بالحرمان الذي يعيشونه، ما جعلني أقوم بتلبية طلبات المئات من دون مقابل أو استثناء".

يضيف خضير لـ"المونيتور"، "في بداية الحملة، كانت أعداد الطلبات تتراوح ما بين خمسين ومئة طلب بشكل يومي. لكن مؤخراً بات يصلنا أكثر من ألف طلب في اليوم الواحد، ما جعلنا نبحث عن متطوّعين مقدسيّين لتأدية مهمّة التصوير والمساهمة في تلبية أحلام هذا العدد من الغزيّين الذين يتمنّون زيارة القدس".

انتشار صور الغزيّين على المواقع الاجتماعيّة، جعلت الشباب الفلسطيني في غزّة يصرّون على المطالبة بحقّ زيارة القدس، من خلال تنفيذ العديد من الحملات والاعتصامات في غزّة تحت شعار "أنا فلسطيني من غزّة، أريد حقي في الصلاة في القدس".

ويوضح المسؤول عن هذه الحملة رائد موسى أن هذه الفعاليات تأتي بهدف الضغط على الجهات المعنيّة كافة، بهدف السماح لسكان غزّة بزيارة القدس والصلاة في المسجد الأقصى. وذلك لما يمثل لهم هذا الأمر من حلم يصعب تحقيقه في ظلّ المنع الإسرائيلي.

ويخبر موسى "المونيتور" أن مجموعته الشبابيّة التي تعمل على تحقيق هذا الهدف، جمعت مئات الطلبات التي تقدّم بها الراغبون في زيارة القدس وتوجّهت إلى الهيئة المدنيّة في غزّة وهي الجهة المختصّة بشؤون السفر عبر معبر بيت حانون للمطالبة بهذا الحق.

يضيف "المسؤولون هنا أخبرونا بأن الجانب الإسرائيلي يرفض تسلّم مثل هذه الطلبات، ما جعلنا نعتصم أمام مقرّ الهيئة لأيام عديدة. لكننا لم نحرز أي تقدّم في موضوع الحصول على حقوقنا".

وعند السؤال عن سبب منع إسرائيل الغزيّين من التوجّه إلى القدس، يرفض رئيس الهيئة المدنيّة في قطاع غزّة ماهر أبو العوف الردّ. ويكتفي بالقول لـ"المونيتور"، "أفضّل عدم التحدّث إلى الإعلام".

لكنه كان قد سبق وتحدّث عن القضيّة في آب/أغسطس 2013 إلى صحيفة "فلسطين" المحليّة، قائلاً إن "فكرة استقبال المواطنين للسفر عبر معبر بيت حانون غير مطروحة". أضاف "هذه القضيّة سياسيّة ونحن كشؤون مدنيّة لا نتدخّل فيها".

وعلى الرغم من استمرار المنع الإسرائيلي لسكان غزّة من السفر عبر معبر بيت حانون، يبقي المواطنون على أمل وحلم كبيرَين.. بأن ترفع عنهم هذه القيود والعراقيل كافة ويسمح لهم بسفر آمن إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى.

More from Rasha Abou Jalal

Recommended Articles