تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

سلفيّون جهاديّون في الضفة الغربيّة

Boys hold onto window bars as the bodies of Palestinian Moussa Makhamra (R) and Khalid al-Najjar are carried during their funeral in the West Bank village of Yatta, near Hebron November 27, 2013. Israeli security officials said their forces killed three Palestinian militants, including Makhamra and al-Najjar, on Tuesday who were part of an al Qaeda-linked network in the West Bank. REUTERS/Ammar Awad (WEST BANK - Tags: POLITICS CIVIL UNREST) - RTX15UU9

حين اغتالت قوات الاحتلال الإسرائيلي مساء الثلاثاء 26 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي ثلاثة شبان في محافظة الخليل جنوب الضفّة الغربيّة وخرجت المصادر الأمنيّة الإسرائيليّة والفلسطينيّة على حدّ سواء تؤكد أنهم أفراد خليّة تابعة لـ"السلفية الجهاديّة"، كانت هذه هي المرة الأولى التي يسمع الشارع الفلسطيني عن وجود هذه الجماعة في الضفّة الغربيّة.

في جنازات تشييع الشبان الثلاثة محمد نيروخ (29 عاماً) ومحمود النجار (23 عاماً) وموسى مخامرة (22 عاماً) في مدينة الخليل وبلدة يطا المجاورة، خفقت رايات التيار السلفي السوداء في تشييع الشهيدَين الأخيرين وتمّ لفّ الجثمانَين بها، في حين لفّ علم حماس جثمان نيروخ. بذلك يصبح الأمر مؤكداً بوجود شبان ينتمون إلى السلفيّة الجهاديّة، وإن بقي الأمر موضع نقاش ساخن في الشارع حول حقيقة وجود السلفيّة الجهاديّة على الأرض من عدمه.

لكن تصريحات مصادر أمنيّة فلسطينيّة وتأكيدها شنّها حملة أمنيّة استهدفت مجموعات من "السلفيّة الجهاديّة" بلغت حصيلتها 22 معتقلاً، حسمت هذا النقاش لصالح وجود فعلي للسلفيّة الجهاديّة وإن ظلت قدراته الفعليّة وامتلاكه للسلاح وعدد المنتمين إليه غير معلومة حتى الآن.

وكان مجلس شورى المجاهدين قد أعلن بعد اغتيال الشبان الثلاثة في الخليل عن بدء نشاطه العسكري في الضفّة الغربيّة، موضحاً في بيان نشره أن "الخليّة التي تمّ القضاء عليها ما هي إلا غيض من فيض". لكن أحد العالمين بأمور السلفيّة والذي رفض الكشف عن هويّته قال لـ"المونيتور" إن البيان استخدم مصطلحات غير جهاديّة مثل "مقدام" و"الصنديد الأسد". ومن الواضح أنه "مفبرك".

وتقول مصادر أمنيّة فلسطينيّة إن نيروخ هو من كان يترأس المجموعة التي اغتالتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، وكان قد بدأ في الآونة الأخيرة يعمل على تنظيم مجموعات مسلحة ويعدّ للقيام بهجمات.

وكان نيروخ ملاحقاً من قبل أجهزة الأمن الفلسطينيّة التي حاولت اعتقاله مراراً، لكنه كان ينجح بالفرار في كلّ مرة. وآخرها قبل أسبوعَين من استشهاده عندما دهمت عناصر الأمن مصنع "نيروخ" للسخانات الشمسيّة الذي كان يعمل به. وبعد أن أصبح في قبضة عناصر الأمن، أخبرهم أنه يريد فقط بضع دقائق لتبديل ملابسه ثم هرب من مخرج الطوارئ، ليصبح مطلوباً من قبل السلطة حتى لحظة استشهاده مع رفيقَيه، بحسب ما روى أحد أصدقائه لـ"المونيتور".

وكان شقيقه عبيده نيروخ قد أكّد لوكالة "وطن" أن محمد انضم إلى تنظيم جهادي في داخل سجون الاحتلال منذ أربع سنوات، حيث كن معتقلاً على خلفيّة انتمائه إلى حركة حماس.

من جهتها حمّلت زوجة نيروخ ووالدة طفله الوحيد السلطة الفلسطينيّة مسؤوليّة استشهاد زوجها لأنها كانت تلاحقه وقد صادرت صورة له من البيت لتُحكم مراقبتها عليه.

في خلال اعتقاله لمدّة سبع سنوات في السجون الإسرائيليّة، أتمّ نيروخ الذي لم يكمل دراسته الجامعيّة حفظ القرآن الكريم كاملاً، وستة آلاف حديث نبوي وفقاً لما قاله صديقه.وكان الناطق باسم الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة اللواء عدنان الضميري وعلى الرغم من عدم إدلائه بأي تصريح للإعلام الفلسطيني حول ما يجري من حملة أمنيّة، قد كتب في الثالث من كانون الأول/ديسمبر الجاري على صفحته الخاصة على موقع "فيسبوك"، أن الاحتلال لجأ إلى التهويل بشأن ما يحدث في الضفّة الغربيّة عبر تقديم "روايات إعلاميّة للاستفادة منها في العالم حول وجود قاعدة وسلفيّة جهاديّة في فلسطين"، في رسالة للعالم مفادها أنه الأقدر على "محاربة الإرهاب ويجب أن نبقى نجتاح المدن الفلسطينيّة (...)". Top of Formويقول الخبير في الحركات الإسلاميّة والصراع العربي الإسرائيلي الكاتب خالد عمايرة إن "المجموعات الجهاديّة في غزّة أفلحت في إيجاد نواة للسلفيّين الجهاديّين في الضفّة الغربيّة. نحن لا نعلم إن كانت مسلحة أم لا، أم إنها فقط تقوم بتجنيد الأنصار المتبنّين للأفكار الجهاديّة".

وكان من اللافت رفض الأغلبيّة الساحقة من أهالي الشبان المعتقلين لدى الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة التعليق أو الإدلاء بمعلومات حول ظروف اعتقال أولادهم، وقد امتنعوا عن الخوض في الموضوع إعلامياً.

لكن شقيق خالد داوود من مدينة قلقيليّة شمال الضفّة الغربيّة، اكتفى بالتصريح لـ"المونيتور" أن أجهزة الأمن الفلسطينيّة اعتقلت خالد يوم 26 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وأطلقت سراحه بعد يومَين. لكن حريّته لم تدم طويلاً، إذ اعتقله الاحتلال الإٍسرائيلي يوم الجمعة في 29 من الشهر نفسه.

داوود مثل أغلبيّة الشبان الذين اعتقلتهم السلطة في حملتها ضدّ السلفيّة الجهاديّة، الذين هم في العشرينيات من العمر ولم يكملوا تعليمهم وعاطلين عن العمل وقد سبق أن اعتقلوا لدى الاحتلال أو السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة بتهمة الانتماء إلى حركة حماس أو الجهاد الإسلامي.

ويواجه السلفيّون الجهاديّون في الضفّة الغربيّة عدوَّين رئيسيَّين هما: السلطة الفلسطينيّة التي ترى فيهم عدواً يشيع العنف ويدعو إلى القضاء عليه والاحتلال الإسرائيلي الذي يعتبرهم "إرهاباً" يجب استئصاله. أما في قطاع غزّة فيزداد عدد الأعداء عدواً آخر ممثلاً بحركة حماس التي يرى فيها السلفيّون الجهاديّون حركة إسلاميّة لا تطبّق الشريعة الإسلاميّة كما يجب.

ويُطلق الفلسطينيّون لقب "سلفي" بناءً على المظهر الخارجي، على الشخص المتديّن الذي يرتدي رداء قصيراً أي "دشداشة" وبنطلون وقبّعة ويطلق لحيته. وثمّة وجود ملحوظ للتيار السلفي في الضفّة الغربيّة، لكن أحد شيوخ هذا التيار في قلقيلية قال لـ"المونيتور" إن "الإعلام يجب أن يفرّق ما بين السلفيّين والسلفيّين الجهاديّين. هذا الخلط خطير"، في إشارة منه إلى أن السلفيّة لا تتبنّى العنف أو السلاح بل تدعو إلى الإلتزام بالإسلام بالكلمة على عكس السلفيّة الجهاديّة التي تستلهم فكر القاعدة.

ويرى عمايرة أن الوضع في الضفّة الغربيّة يساعد على قيام هذه الخلايا بسبب توفّر العديد من الظروف الموضوعيّة التي تشكّل أرضيّة مناسبة لنموّها مثل "الوضع  السياسي العام أولاً. فالضفّة تشبه برميل بارود في ظلّ مسيرة سلميّة متعثرة. ثانياً، السلطة تقوم بدور الدولة البوليسيّة لكن بلا دولة. أما السبب الثالث فمهمّ جداً وهو الأزمة الاقتصاديّة الطاحنة التي تمرّ بها الضفّة العربيّة. وأخيراً الوضع شبه المجمّد لحركة حماس في الضفّة".

وينتهي عمايرة بالقول "بالنسبة إلى هذه الجماعات، لا يوجد أي أمل بإحداث تحسّن نوعي في الأوضاع المذكورة سابقاً إلا من خلال تحريك الوضع جهادياً".

إلى ذلك، رفض أحد شيوخ السلفيّة المعروفين في نابلس التعليق على الموضوع بأكمله، مكتفياً بالقول لمراسلة "المونيتور": "إذا أردت سؤالي حول أي شأن أو فتوى دينيّة سأجيبك. لكنني لن أتحدّث في السياسة".

من ناحيته، قال المحلل السياسي وأستاذ القضيّة الفلسطينيّة في جامعة القدس المفتوحة في الخليل أسعد العويوي  لـ"المونيتور" إنه "من المرجّح عدم وجود تيار سلفي جهادي في الضفّة الغربيّة، بل أفراد معدودين. لكن ثمّة تخوّفاً من أن ينجحوا ويتحوّلوا من حالة فرديّة إلى ظاهرة".

المرحلة المقبلة هي الكفيلة بالردّ على السؤال حول وجود جهاديّين سلفيّين في الضفّة الغربيّة يشكلون خطراً على أمن السلطة والاحتلال، وإن كانوا مجرّد حالات فرديّة أم إنهم نواة ظاهرة مقبلة.

More from Naela Khalil

Recommended Articles