تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أزمة الوقود في غزّة تمنح الحمير.. أهميّة كبرى!

01 Animal Carts  Al-Monitor.jpg

باتت الحمير والبغال في قطاع غزّة ذات أهميّة كبيرة بالنسبة إلى السكان المحليّين، بعد أن أصبحت الوسيلة الوحيدة في مواجهة تداعيات الحصار الإسرائيلي على قطاع غزّة وذلك في ظلّ اشتداد أزمة الوقود التي طالت جميع مظاهر الحياة في القطاع.

وكانت الدواب قد لعبت دوراً بالغ الأهميّة عند اشتداد الحصار في أواسط العام 2008، في التخفيف عن المواطنين في خلال تنقلاتهم، وكذلك في حراثة الأراضي الزراعيّة بعد توقّف العمل بالآلات الخاصة لذلك.

ويتذكّر فوزي الأغا تلك الأيام التي أصيب فيها القطاع بالشلل التام. فيقول لـ"المونيتور" إنه "عندما اشتدّ الحصار في العام 2008، كان من يمتلك حماراً يُعدّ شخصاً محظوظاً جداً، إذ توقّفت المركبات التي تسير على الوقود الذي لم تعد تتوفّر منه حينذاك قطرة واحدة، وارتفعت أسعار الحمير بشكل كبير لتصل إلى نحو ألف دولار أميركي للحمار الواحد". يضيف "أخشى أن تتكرّر تلك الأيام من جديد. حينها ستكون كارثة كبيرة".

إلى ذلك، برز حديثاً دور ذو أهميّة أكبر للدواب وعربات الكارو، وقد لجأت بلديات غزّة إلى الاعتماد عليها في جمع القمامة من الحاويات المنتشرة في الشوارع والطرقات، بعد توقّف الشاحنات عن العمل لعدم توفّر الوقود.

وكان وزير الحكم المحلي في غزّة محمد الفرا قد أعلن عن توقّف جميع شاحنات نقل النفايات عن العمل، نتيجة أزمة الوقود في القطاع، ما اضطرّ البلديات إلى استخدام عربات تجرّها الحيوانات لجمع النفايات من شوارع القطاع.

وقال الفرا في خلال مؤتمر صحافي عقده على مقربة من مكب نفايات اليرموك في مدينة غزّة حضرته مراسلة "المونيتور" في 24 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، إن "الحكومة استقطعت جزءاً من رواتب موظفيها لتشغيل 430 عاملاً لجمع النفايات، مع عربات تجرّها الحيوانات من شوارع وأزقة غزّة"، مشيراً إلى أن 1700 طن من النفايات تجمع يومياً من القطاع.

إن اعتماد البلديات على عربات الكارو في جمع القمامة، يوفّر عشرات فرص العمل للفئة الأشدّ فقراً في المجتمع الفلسطيني، ما يجعل ذلك الحدث مناسبة سعيدة بالنسبة إليهم لجني المال.

منير الصعيدي شاب يبلغ من العمر 31 عاماً، هو يخرج فجر كلّ يوم بعربته التي يجرها حمار ويشرع بجمع القمامة المنتشرة في الشوارع ومن الحاويات أيضاً. فيقول "استدعتني بلديّة غزّة للعمل مؤخراً بسبب الأزمة التي يعانون منها، ودوري ينحصر في جمع القمامة وتحويلها إلى مكبّ اليرموك العشوائي وسط المدينة".

ويشرح الصعيدي لـ"المونيتور" وهو يضع ما جمعه من قمامة في صفيحة حديديّة على متن عربته، أن البلديّة تمنح ما مقداره 280 دولاراً لأصحاب عربات الكارو شهرياً، شريطة ملء العربة بالقمامة والعمل بمسؤوليّة.

وبينما يقود العامل خليل القيسي (42 عاماً) عربته ببطء، يحاول ابنه محمد (15 عاماً) بقدمَيه الحافيتَين اللحاق به لوضع أكياس القمامة التي جمعها من شارع الوحدة وسط مدينة غزّة على متن العربة.

ويخبر الأب القيسي لـ"المونيتور" أنه "قبل أيام كنت أعمل في المناطق السكنيّة المكتظة وأُمنع من جمع القمامة من الأحياء الراقية. لكن اليوم، لا موانع ولا شروط بسبب توقّف شاحنات جمع القمامة عن العمل بشكل كامل".

ويشير إلى أنه أجبر ابنه على عدم الذهاب إلى المدرسة في ذلك اليوم من أجل مساعدته في جمع أكبر قدر ممكن من القمامة، مضيفاً "عندما تتعطل الشاحنات، تعمل عربات الكارو. هذا موسم عملنا ويجب أن نستغله لجمع أكبر قدر ممكن من النفايات لتحصيل أجر إضافي".

بالعودة إلى الوزير الفرا، فقد أوضح في خلال مؤتمره الصحافي أن أزمة الوقود أدّت إلى ظهور عشرة مكبات عشوائيّة وسط التجمعات السكنيّة في الوقت الذي تحاول بلديات القطاع محاربة هذه الظاهرة، ما قد يتسبّب بانتشار الأوبئة بين السكان ووصول التلوث الناتج عنها إلى المياه الجوفيّة.

ولفت الفرا النظر إلى أن بلديات القطاع بحاجة إلى 150 ألف لتر من الوقود شهرياً لتشغيل معداتها وشاحنتها، بالإضافة إلى سبعة آلاف لتر لتشغيل مرافق المياه والصرف الصحي.لكنه أوضح أن "البلديات الآن عاجزة عن شرائه لارتفاع سعره إلى ضعفَيه ونصف ضعفه، فضلاً عن تزايد الطلب عليه من قبل شركة توليد الكهرباء التي تحاول مكافحة أزمة انقطاع التيار الكهربائي".

وقد طالب الجهات الدوليّة والعربيّة كافة بالتدخل العاجل لوضع حدّ للأزمة المتفاقمة.

من جانبه، قال مدير عام الصحّة في بلدية غزّة عبد الرحيم أبو القمبز في خلال المؤتمر ذاته  إن "سبعين شاحنة توقّفت عن العمل في بلديّة غزّة وحدها، ما قد يؤدّي إلى كارثة بيئيّة مجهولة النتائج"، مشيرًا إلى أن استمرار توقّف عمل الشاحنات سيجعل المكان المخصّص لجمع النفايات في المدينة ممتلئاً، ما من شأنه أن يفاقم من حدّة الأزمة بشكل خطير.

لكن عدم كفاءة عربات الكارو مقارنة بالشاحنات في جمع القمامة لجهة التنظيم وتأخر وصولها أحياناً، يجعل بعض المواطنين يقدمون على حرق الحاويات المنتشرة حول منازلهم للتخلص من الرائحة الكريهة من دون الاكتراث لخطورة الأدخنة الضارة التي تنبعث نتيجة عمليّة الحرق.

الغزيّون لم يستخدموا الحمير وعربات الكارو للتنقل وحراثة الأرض وجمع القمامة فقط، بل كانت لها أدوار أكثر من ذلك أهميّة في مراحل سابقة، بخاصة في ظلّ الحرب الإسرائيليّة على قطاع غزّة أواخر العام 2008، حين شوهدت في أكثر من مرّة عربة كارو تنقل جريحاً إلى مستشفى بسبب انشغال جميع سيارات الإسعاف بمهام أخرى.

ولم تسلم عربات الكارو من الاستهداف الإسرائيلي في خلال شنّ غارات عسكريّة على أهداف في قطاع غزّة، والتي كان آخرها استهداف عربة يجرّها حمار في 18 كانون الثاني/يناير 2012. وقد استشهد على أثرها فلسطينيان عند أطراف بيت حانون شمال قطاع غزّة.

كذلك قام الحمير في غزّة بأدوار عسكريّة أيضاً عندما تمّ استخدامها من قبل عناصر مسلحة لنقل عبوات ناسفة زرعت في المناطق الحدوديّة مستهدفة جنوداً إسرائيليّين، فضلاً عن استخدامها (الحمير) في تنفيذ عمليات تفجير.

وقد حدث ذلك فعلاً في 25 أيار/مايو 2010، عندما أعلن الجيش الإسرائيلي في بيان عسكري أن فلسطينيّين استخدموا حماراً لجرّ عربة وضعوا على متنها عبوة ناسفة لتفجيرها بقوات الجيش، إلا أن العبوة انفجرت قبل وصول العربة إلى الجانب الإسرائيلي، ما أدى إلى مقتل الحمار.