تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

في بغداد.. نقاط تفتيش بلا تفتيش!

مكابدات السكان عند نقاط التفتيش، يجد المسؤولون الأمنيّون مبرّرات لها. لكن تلك النقاط تبدو في كثير من الأحيان بلا فاعليّة.
An Iraqi policeman inspects a car using a scanning device at a checkpoint in Baghdad's Abu Nawas street August 29, 2013.   REUTERS/Saad Shalash (IRAQ - Tags: CONFLICT CIVIL UNREST MILITARY TRANSPORT) - RTX13024

لا ينظر معظم الجنود المتجمّعين في عشرات من نقاط التفتيش في داخل أحياء بغداد وعند التقاطعات وعلى الطرقات الرئيسة والفرعيّة، بعين الرضا إلى وجودهم غير المثمر غالباً في الشوارع ولا إلى موقف السكان الممتعضين من الاختناقات المروريّة التي تسبّبها نقاط تفتيش لا يتمّ فيها أي تفتيش في الأساس.

وتوضح مصادر أمنيّة عراقيّة لـ"المونيتور" أن "بغداد تضمّ نحو 250 نقطة تفتيش ثابتة وعدداً مماثلاً من النقاط الصغيرة أو المتحرّكة ويصبح عدد النقاط نحو ألف نقطة في فترات الأزمات الأمنيّة الكبيرة أو المناسبات الدينيّة"، فيما تقلّ نقاط التفتيش في محافظات أخرى وتكاد تنعدم في داخل مدن إقليم كردستان العراق.

ويقول ملازم في نقطة تفتيش وسط بغداد فضّل عدم الكشف عن هويّته لـ"المونيتور"  "نعرف أننا نتعرّض إلى انتقادات شديدة في الشارع، وندرك أن عدداً كبيراً من الناس يرون أن هذا الوجود لا طائل منه خصوصاً لجهة المضايقات والتأخير الذي نتسبّب به".

يضيف الضابط الشاب الذي تبدو علامات الإرهاق واضحة عليه "نحن أيضاً نناقش هذا الوضع بشكل شبه يومي في ما بيننا. وكثيراً ما يزورنا قادة كبار فننقل لهم ملاحظاتنا خصوصاً في ما يتعلّق بجهاز كشف المتفجرات الذي بذلنا جهوداً للتدرّب عليه واستخدامه لسنوات ثم اكتشفنا أنه غير مفيد  بتاتاً".

جنود وضباط يردّدون الملاحظات نفسها، ويعربون عن رغبتهم في حماية السكان. ويتحدّثون عن تضحيات يقدّمونها بشكل يومي: "هجمات واغتيالات غير معلنة في وسائل الإعلام بعضها يتمّ في أوقات متأخّرة من الليل وتفجيرات وسيارات مفخّخة". كذلك لدى الجنود روايات عن بطولات سطّرها العديد من زملائهم لدى اعتقال مسلّحين أو قتلهم أو إحباط هجمات انتحاريّة.

بدورها، تملك القيادات الأمنيّة الكبيرة ملاحظاتها وقناعاتها المختلفة حول نقاط التفتيش. فقد صرّح اللواء محمد العسكري الناطق باسم الجيش العراقي في الرابع من أيلول/سبتمبر الماضي أن من الصعب إزالة نقاط التفتيش من الشوارع حالياً من دون أن يكون ثمّة بديل أمني يعوّض وجودها. ويعترف هذا المسؤول العسكري بالارتباكات المروريّة التي تسبّبها تلك النقاط، لكنه يؤكّد أن العراق يسعى إلى إيجاد بدائل وإلى الإفادة من وسائل المراقبة التكنولوجيّة مثل الكاميرات ومناطيد المراقبة وأجهزة كشف المتفجّرات الحديثة قبل الشروع في التقليل من الوجود العسكري في داخل الأحياء.

لكن نقاط التفتيش بحدّ ذاتها لا تبدو في كثير من الأحيان قادرة على منع المسلحين من الوصول إلى أهدفهم.

علي عواد سائق سيارة أجرة على خطّ ديالى–بغداد، لديه معلومات أكثر دقّة حول نقاط التفتيش بفعل عمله. فيقول "تلك النقاط موجودة بشكل أساسي في الشوارع الرئيسة، لكن ثمّة العشرات من الطرقات الثانويّة التي تتخلّل الأحياء والتي قد يستخدمها المفجّرون لو أرادوا الدخول إلى بغداد سواء كأفراد أو في سيارات مفخّخة".

ويقول عواد  وهو يشير إلى إحدى الخرائط "عندما تغلق نقطة تفتيش مدينة الشعب التي تعتبر من أهم النقاط الحدوديّة في بغداد، نلجأ كسائقين محترفين على هذا الطريق إلى بدائل. فندخل عبر مزارع منطقة الراشديّة ونمضي بموازاة نهر دجلة لنصل إلى جزيرة بغداد السياحيّة ومن ثم إلى طريق القناة".

ويلفت عواد إلى أن هذا الطريق لا يضمّ نقاط تفتيش حقيقيّة بل نقطة صغيرة في مكان ناء يقف فيها شرطي واحد.

وهذا المثال قد يتكرّر في كلّ مكان تقريباً، إذ يمكننا أن نجد دائماً آلاف الطرقات الفرعيّة والترابيّة في محيط بغداد وفي داخلها أيضاً التي تضمن التسلّل منها، فيما بعض الأحياء التي تعدّ ساخنة في داخل بغداد مثل السيدية والأعظمية والخضراء أحيطت بأسوار حدّدت نقطة واحدة للدخول وأخرى للخروج.

من جهته يعتقد الخبير الأمني سعد عبد العزيز أن ثمّة دوراً نفسياً تقوم به نقاط التفتيش في الشوارع "فهي تمنح المواطن إحساساً بوجود الدولة عير الزيّ العسكري". ويقول لـ"المونيتور" إن "الإرهابيّين يتصيّدون اللحظات التي يختفي فيها الزي العسكري ليسيطروا على الأحياء ويفرضوا عليها أحكامهم".

لكن عبد العزيز لا يربط تحقيق هذا الشعور بنشر نقاط التفتيش المكثّفة، قائلاً إن  "ثمّة حاجة إلى نقاط تفتيش رئيسيّة بين الأحياء أو عند مداخل ومخارج الشوارع الكبيرة، وما عداها يمكن تعويضه عبر إيجاد نقاط تمركز ثابتة للشرطة والجيش لا تعيق فعلياً حركة السيارات وتكون مهامها ملاحقة المركبات المشكوك فيها".

من الطبيعي بحسب ما تقول الموظفة في وزارة النفط أحلام القصاب لـ"المونيتور" أن "أتأخّر نحو ساعتين إلى ثلاث ساعات في الازدحام عند نقاط التفتيش قبل الوصول إلى مركز عملي الذي لا يتطلّب في الظروف العاديّة أكثر من 15 دقيقة".

تضيف "الكثير من نقاط التفتيش متعاونة ونتعاطف مع أفرادها. لكن بعض هذه النقاط بمثابة جحيم خصوصاً بالنسبة إلى امرأة تقود سيارتها. فنحن نتعرّض إلى مضايقات وتلميحات. فقد استمرّ أحد الضباط في إيقاف سيارتي يومياً بغرض تفتيشها، أما هدفه فالتودّد إليّ. وعندما هدّدت بتقديم شكوى ضدّه، امتنع عن المضيّ بذلك.. لكنه يخيفني فعلياً!".

ما عدا تلك المضايقات الفرديّة يعتقد زيد عادل وهو طالب أن الازدحام في داخل أي نقطة تفتيش "يشعرني بأني درع بشري". يضيف "نعم. في كلّ مرّة أردّد مع نفسي:: ماذا إذا استثمر الإرهابيّون هذا الزحام الخانق لتنفيذ عمليّة انتحاريّة!". ويتابع "المشكلة أننا بعد انتظار طويل في نقطة التفتيش، لا نخضع إلى تفتيش فعلي".

الاستراتيجيّة العراقيّة لحفظ أمن المدن تتعرّض باستمرار إلى انتقادات حادّة، وتكاد أبرز الانتقادات تركّز على ضعف منظومة المعلومات الاستخباريّة التي من المفترض أن تكون ميدان الحرب الأكبر مع المجموعات المسلحة.

ويقول عبد العزيز إنه "لا بدّ من توفّر منظومات مراقبة كبيرة في شوارع بغداد، ولا بدّ من استحداث وحدة خاصة وكبيرة لمراقبة الشوارع عبر كاميرات مراقبة مختلفة وربط تلك الوحدة بنقاط التفتيش أو الوحدات المتحرّكة". يضيف "ما من نظام مراقبة يتبع عملياً السلطات الأمنيّة. في الغالب وعند حدوث هجمات، تستعين القوى الأمنيّة بصور تلتقطها كاميرات لمراقبة محال تجاريّة قريبة، وهذه تكون من النوع الرخيص وغير الدقيق ولا توفّر تصويراً ليلياً".

يتابع عبد العزيز "صرف العراق موازنات هائلة على الأمن، وكان من الأجدى التركيز على الوسائل التكنولوجيّة الحديثة في المراقبة كالأقمار الاصطناعيّة وكاميرات المراقبة الثابتة والمتحرّكة التي تشكّل غطاءً أمنياً مثالياً لضبط الشارع".

وبانتظار تغيّر الخطط الأمنيّة العراقيّة، لن يتوقّف الحديث عن نقاط التفتيش ولن يتوقّف الخلاف حولها وحول قدرتها على تحقيق الأمن أو على التأثير النفسي المزعوم على السكان.. فإن النقاش سوف يستمرّ ويحتدم ويتصاعد كلما زاد ازدحام السيارات اليومي في تلك النقاط.

More from Mushreq Abbas

Recommended Articles