تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

عندما يتحوّل الأمن إلى ورقة اقتراع

Iraqi security forces and people stand at the site of a car bomb attack in Basra, 420 km (261 miles) southeast of Baghdad, October 13, 2013.  A series of bombs killed at least ten people in mostly Shi'ite Muslim provinces of Iraq on Sunday ahead of the Muslim feast of Eid al-Adha, police and medical sources said.  REUTERS/Essam Al-Sudani (IRAQ - Tags: CIVIL UNREST POLITICS CRIME LAW) - RTX149QD

في لحظة ما يجب أن نتوقّف ونعيد تقييم ما حدث من خلفنا. العراق برمّته يتحوّل إلى صندوق اقتراع.. ما من رادع أخلاقي ولا إنساني حتى يمنع تحويل كلّ الحياة العراقيّة إلى بطاقة اقتراع وربح وخسارة.. وانتصار وهزيمة.
مهلاً .. هذه ليست الديمقراطيّة. فالأمم تمتلك قواعد وأرضيّة أخلاقيّة تاريخيّة تمنع المقامرة بالأمن والمستقبل ووحدة الأرض والتعايش مثلاً!

في العراق الأمر مختلف تماماً، فالمشاهد التي نراها ونعيشها في كلّ يوم من دم وخراب وتهديد لحياة السكان، لا تترك مجالاً للشكّ في أن ما يحدث ينتمي إلى المقامرات الانتخابيّة.

لا يتنافس المتنافسون في العراق على رئاسة مجلس إدارة البلاد، بل يتنافسون على آمال باختطافها بالكامل. لهذا فإن الانتخابات تصبح تهديداً ولغماً ومادة شديدة الانفجار.

يبدو التوصيف شديد الالتباس، إلا إذا فهمنا أن الدولة التي لم تكتمل معظم القوانين المنظّمة لأدائها والتي تغيب عنها التقاليد السياسيّة والدستوريّة والحزبيّة العريقة والتي ما زالت تنغرس في تاريخ الديكتاتوريّة العميق، لم تجد الفرصة طوال السنوات العشر الماضية لتحوّل الانتخابات إلى منافسة شريفة أقلّه في الحدود الدنيا لتعريف "الشرف".

وبالحديث عن "الشرف" فإن تتابع الأحداث العراقيّة وسلسلة الانهيارات الأمنيّة أنست الأهالي أن وثيقة باسم "الشرف" وقّعها كبار الزعماء العراقيّين على أمل أن تسهم في إيقاف التداعيات الأمنيّة والطائفيّة الخطيرة.

لم يتذكّر أحد بعد نحو شهرَين على توقيع تلك الوثيقة أن الأمن لن يتحقّق بجلسة لتوقيع وثائق من دون آليات عمليّة تطبّق على الأرض ويشعر بها السكان.

السياسيّون العراقيّون لم ينسوا بالتأكيد. فالدعاية الانتخابيّة التي تبدأ في العراق عملياً قبل عام وأكثر من موعد أي انتخابات، لا تسمح بحلّ الأزمة الأمنيّة ولا باتّخاذ خطوات لتحقيق السلم الاجتماعي.

لكن لماذا؟ والجواب: لأن الأطراف المختلفة سوف تنظر إلى أي تقدّم أمني أو سياسي أو خدماتي في العراق على أنه ورقة انتخابيّة. أنصار الجبهة الحكوميّة سينظرون إليها باعتبارها ورقة صالحة للترويج الانتخابي، ومعارضي الحكومة سوف يمنعون مثل هذا التقدّم في هذا التوقيت لأنهم يعرفون مسبقاً أنه سوف يُستثمر لصالح طرف على حسابهم!

إنها حلقة موت مغلقة وشديدة التعقيد.. لا يمكن الخلاص منها إلا بالعودة إلى المبدأ الأوّل الذي قامت عليه الدولة، إلى جان جاك روسو و"العقد الاجتماعي"، إذ لا بدّ من إعادة تعريف مهمّة الدولة العراقيّة في حفظ أمن شعبها وضمان حقوقه وحريّاته ورفاهه كجزء أساسي من مهمّتها كدولة، وأن تكون الحكومات أداة تنفيذ لتلك العقود. فمن الخطأ أن يسود فهم عام أقلّه في أوساط السياسيّين العراقيّين بأن الحكومة هي الدولة.

الأمن لا يُفترض أن يكون مادة انتخابيّة. والقوات الأمنيّة والعسكريّة لا يُفترض أن تكون أداة لحكومات أو أحزاب.. فهي ذراع الشعب وحارسه.

من الغريب أن نكتب في البديهيات.. ومن الصعب أن نكسب تفهماً لما يجري في العراق من دون الخوض في المبادئ الأساسيّة. نعم عليكم أن تصدّقوا أن في العراق ثمّة من يفهم الحكومة باعتبارها مالكاً أبدياً للدولة، وبأن الجيش هو ابن حزب، وبأن الانهيار الأمني مناسبة لكسر ظهر منافس سياسي، وبأن التقدّم الأمني وسيلة لكسر أحزاب أو تدميرها حتى.

في بلاد تنفجر في مدنها 30 سيارة مفخّخة أسبوعياً ويتحوّل القتلى والجرحى إلى أرقام مجرّدة، لا بدّ من العودة إلى البديهيّات.

ومن تلك البديهيّات غير المفهومة في العراق أن الدولة ليست حكومة، وأن الحكومة ليست حزب، وأن الحزب ليس فرداً.

More from Mustafa al-Kadhimi

Recommended Articles