تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

عنف من نوع آخر.. يستهدف الحيوانات والبيئة في العراق

يتسبّب النقص في الوعي البيئي في العراق وغياب المؤسّسات المعنيّة بحماية الحيوانات بالإضافة إلى عدم توفّر قانون فاعل يرعى هذا الموضوع، بالقضاء على المئات من الكائنات الحيّة لا سيّما النادرة منها.
SoftShelledTurtleIraq.jpg

يتسبّب النقص في الوعي البيئي في العراق وغياب المؤسّسات المعنيّة بحماية الحيوانات بالإضافة إلى عدم توفّر قانون فاعل يرعى هذا الموضوع، بالقضاء على المئات من الكائنات الحيّة لا سيّما النادرة منها، وذلك من خلال استخدام أسلحة وتقنيات صيد حديثة في ما يشكّل سلوكيات "عنفية" تجاه البيئة.

في بداية العام الجاري وبينما كان الفلاح زامل العيسى يتنقّل في بستانه، وقع نظره على سلحفاة كبيرة الحجم تزحف بين النباتات على ضفّة نهر الحلة مركز محافظة بابل (100 كيلومتر جنوب بغداد).

ويروي العيسى في حديث إلى "المونيتور" كأنه يسرد عملاً بطولياً، "كانت سلحفاة ضخمة لم أرَ مثلها من قبل. تقدّمت بهدوء نحوي، لكنني لم أنتظر وغرزت رمحاً حديدياً في ظهرها، ثم قصمته بالمجرفة التي أحرث بها الأرض".

لم يكن سلوك العيسى سوى فعلاً عفوياً، هو الذي لم يعتد سلوكيات حماية البيئة والأنواع النادرة فيها، في مجتمع تندر فيه الثقافة البيئيّة وتكاد تنعدم المؤسّسات الكفيلة بنشرها.

بكل ثقة يجاهر عيسى قائلاً "الحيوانات الغريبة ليس لها مكان بيننا. هكذا تعوّدنا. ويتوجّب علينا قتلها في الحال قبل أنْ نكون من ضحاياها، لا سيّما وأنها مؤذية أو يتلبّسها الشيطان".

ومثل هذا "المنطق"، تجده لدى بعض شباب مدينة الديوانيّة (193 كيلومتراً جنوبي بغداد). فقد زعم البعض أن اختفاء شباب في النهر طيلة فترة من الزمن كان أمراً محيّراً، وعندما عُثِر على تماسيح في نهر المدينة في حادثة معروفة في العام 2011 ساد اعتقاد أن هذه الحيوانات هي التي التهمت أولئك الذين اختفوا، فشرع الناس بالمعاول والبنادق والآلات الحادّة للنيل منها.

وقتْل الحيوانات النادرة في العراق هو الحالة السائدة، بينما حمايتها بغية التعرّف عليها ودراستها تشكّل استثناءً، في ظلّ تجاهل تام للقوانين المرعيّة ومنها قانون "حماية الحيوانات البريّة العراقيّة" الذي يهدف إلى حماية الحيوانات البريّة باعتبارها "ثروة وطنيّة" وتنظيم مناطق صيدها والإجراءات الخاصة بمنح إجازة الصيد وتحديد أنواع الحيوانات المسموح صيدها وتلك المحرّم صيدها وكذلك مواسم الصيد.

وفي هذا الصدد يقول مدرّس الأحياء والناشط البيئي أحمد عبيد لـ"المونيتور" في بغداد، إنّ "المواطن في العراق لا سيّما في الأرياف يعتبر أي كائن غريب عدواً له، فيسرع للتخلّص منه وكأنه في معركة معه".

ويتابع "في حالات أخرى، تُعتبَر الطيور والحيوانات النادرة مصدراً للرزق عبر بيعها في الأسواق، من دون الأخذ بعين الاعتبار الشروط البيئيّة والقوانين في هذا الشأن".

وفي العام 2012، عثر أهالي منطقة الهاشميّة جنوب بابل على ما اعتقدوه حيواناً غريباً، شكله شكل سمكة كبيرة لكنه يملك درع سلحفاة. وما هي إلا لحظات حتى مزّقته طعنات بالآلات الحادة.

ويقول عبيد الذي شاهد صوراً لهذا الحيوان قبل الإجهاز عليه وتقطيعه التقطتها عدسات هواتف محمولة، إنّ "الحيوان لم يكن سوى سمكة نادرة ضخمة ذات جلد سميك تعيش في البحار وقد انحدرت مع المياه إلى الأنهر".

وفي نهاية العام 2012، التُقِطت صورة خنزير برّي على طريق ريفي جنوب الحلة، حيث تجمّع الأهالي لا سيّما الشباب من حوله. فهم وبعدما أجهزوا عليه، انتزعوا لسانه وأسنانه والكثير من أعضائه لاستخدامها في مجال السحر ليس إلاّ.

ويصنّف الناس أغلب الحيوانات التي لم يروها من قبل بأنها "كائنات غريبة"، بينما هي في الواقع ليست كذلك بحسب عبيد. فيوضح أنها "كائنات نادرة تعيش في الغالب بعيداً عن التجمّعات البشريّة".

ولا تخلو مشاهدات هذه الحيوانات من تأويلات وألغاز شعبيّة، بل يرجعها البعض حتى إلى السياسة والمؤامرة.

وفي الديوانيّة التقط سعد المالكي صورة لنفسه ولصديق له مع نحو عشرين طائر دُرّاج اصطادها ببندقيّة صيد. فهو اعتاد الصيد بصورة منتظمة ودوريّة في هذه المنطقة الواسعة التي تختلط فيه نكهة الصحراء برائحة مياه هور الدملج.

ويعترف المالكي في حديث إلى "المونيتور" قائلاً "لست بحاجة إلى صيد هذا الكمّ، لكنها هواية. قد تضرّ بالبيئة والتنوّع الحيواني، لكنني لا أستطيع منع نفسي عن ممارستها".ويصطاد المالكي كلّ ما يظهر أمامه من حيوانات وطيور، مشيراً إلى أنه "اصطاد قبل نحو شهرَين هراً برياً نادراً تدور حوله الكثير من الأساطير الشعبيّة ويطلق الناس عليه اسم كرطة".

لكن ثمّة من يسعى إلى صيد الحيوانات وقتل الطيور بغية الاستفادة منها مادياً. فقد اعتاد الصياد أبو أمين نصب شباكه في الصحراء وتهيئة بندقيّته لاصطياد أكبر عدد ممكن من الطيور بغية بيعها أو تناولها.

ويقول كريم الزبيدي "منذ الفجر أخرج للصيد، وأصوّب بندقيّتي نحو أي كائن متحرّك أمامي من طيور وحيوانات".

ويعترف الزبيدي أن "الحيوانات والطيور الغريبة التي ليس لها قيمة في السوق، يتمّ الإجهاز عليها على الفور".

وفي الكثير من الحالات كما حدث في العام الماضي في مدينة الرميثة في محافظة المثنى (270 كيلومتراً جنوب بغداد)، تسلّح الناس بالبنادق والآلات الحادة على أثر إشاعة خبر عن حيوانات غريبة تهاجم المنطقة بعدما تمّ العثور على أبقار وأغنام وحمير نافقة وأحشاؤها ممزّقة.

ويقول هنا الباحث الاجتماعي رعد السماوي لـ"المونيتور" إن "الناس بغالبيّتهم يتناقلون خبر وجود حيوانات غير مألوفة، ولعلّ ذلك جزء من ظاهرة غيبيّة تسيطر على أفكار البعض فيشيعونها بين الناس".

ويشدّد السماوي على أن "أصحاب الاختصاص والعارفين بالمنطقة منذ عقود، يؤكّدون خلوّها من الظواهر الغريبة. أما الحيوانات النادرة فهي ثروة وطنيّة، لكن عدداً كبيراً من الناس يجهل أسلوب التعامل معها ولا يدرك قيمتها الحقيقيّة".

ويتحدّث الأكاديمي في علوم الأحياء عامر عبدالله لـ"المونيتور" عن "غياب دور المؤسّسات العلميّة واقتصار مهمّتها على التدريس النظري. فهي لا تمتلك خططاً ميدانيّة. إلى ذلك ثمّة ضعف في وسائل الوعي البيئي، بالإضافة إلى انتشار الجهل والتفسيرات الغيبيّة للظواهر الطبيعيّة، ما يحول دون ممارسة سلوكيات سويّة تجاه الكائنات الحيّة التي تشاركنا العيش في هذا الجزء من العالم".

More from Wassim Bassem

Recommended Articles