تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

معلولا والحرب الأميركيّة الوشيكة

A Syrian woman holds a banner for saving Maaloula while Lebanese and Syrian Christian Maronites pray for peace in Syria, in Harisa, Jounieh September 7, 2013. REUTERS/Hasan Shaaban (LEBANON - Tags: POLITICS RELIGION) - RTX13C2S

دخل مسلّحون إسلاميّون متشدّدون بعد ساعات من إعلان لجنة العلاقات الخارجيّة في الكونغرس الأميركي موافقتها على تفويض الرئيس الأميركي باراك أوباما توجيه ضربة للنظام السوري، بلدة معلولا السوريّة الواقعة شرق العاصمة دمشق. لا تحظى هذه البلدة بموقع استراتيجي في داخل معادلة الصراع العسكري الدائر حالياً في ريف دمشق للسيطرة على العاصمة، لكن ثمّة أهميّة كبيرة لمعلولا تنبع من رمزيّتها التاريخيّة كشاهد على تسامح المجتمع السوري وعلى "تنوّعه الحضاري المشرقي" الذي تعود جذوره إلى قرون طويلة خلت ... فمعلولا بلدة تاريخيّة تساهم بالترميز إلى الوجود المسيحي في المشرق العربي. وسكانها لغاية اليوم ما زالوا يتكلّمون الآراميّة لغة السيد المسيح، كما أن بيوتها ما زالت تحمل مسحة من أيام حياته، تماماً كما هي حال بعض الضواحي بالقرب من المدينة المنوّرة في السعوديّة التي تركت منازلها على ما كانت عليه أيام رسول الإسلام محمّد. ولقرون طويلة مضت، ظلّت معلولا بطابعها التراثي تشهد على وجود المسيحيّة في سوريا على الرغم من طابعها الإسلامي الغالب المتحقّق بفعل وصول الفتح الإسلامي إلى بلاد الشام في العام 636 ميلادي وإقامته الخلافة الأهمّ في تاريخ الإسلام السياسي، أي الخلافة الأمويّة التي دشّنت مرحلة قيام الدولة الإسلاميّة. والفكرة من معلولا ليست فقط أن سوريا المسلمة هي أرض التسامح والتعايش ما بين الأديان، لكن أيضاً تأكيد مقولة ثمينة وهي أنه إذا كانت فلسطين هي مهد ولادة السيّد المسيح فإن سوريا هي مهد ولادة المسيحيّة .

وفي السنوات القليلة الماضية اهتمّ النظام السوري بهذا المعنى الذي تقدّمه معلولا لسوريا، وأعلنها بلدة حضاريّة مسيحيّة تاريخيّة وخطّط لأن تصبح مع غيرها من البلدات المسيحيّة التاريخيّة في سوريا بمثابة محجّ سياحي لمسيحيّين يقصدونها من أطراف العالم المختلفة .

ولا يتناقض في الواقع معنى معلولا بحسب ما حاول النظام أن يقدّمها في السنوات الأخيرة، مع سياق تاريخي من التفاعل الإيجابي ما بين المسيحيّة والإسلام في سوريا، بل في معظم مناطق المشرق العربي. فمسيحيّو المشرق كانوا يقطنون هذه المنطقة في زمن البيزنطيّين قبل الإسلام. ولا ينكر مسلمو المشرق وبخاصة السوريّون منهم، هذه الحقيقة التاريخيّة بل يؤشّرون إليها في معرض التأكيد على أن مسيحيّي سوريا هم شركاء في الدفاع عن هذه الأرض ضدّ مستعمريها أو الراغبين بإخضاعها. وفي خلال الاستعمار الفرنسي لسوريا، كانت الكنائس والمساجد متّحدة وراء مطلب وطني ينادي بإنهاء الانتداب. ويسمّي مسلمو سوريا شركاءهم المسيحيّين الأرثوذكس السوريّين في الوطن "أصحاب الدار" في إشارة إلى أنهم سبقوهم في الإقامة فيها، ويطلقون عليهم أيضا تسمية "أولاد العم" (مصطلح يطلق في الشرق على أفراد العائلة المتفرّعة من جدّ واحد).

وفي خلال اقتحام المسلّحين الإسلاميّين المتشدّدين معلولا، أطلقوا على هجومهم تسمية "غزوة"، نسبة إلى مرحلة الغزوات الإسلاميّة القديمة. كذلك عبثوا بمحتويات كنيسة البلدة على اعتبار أنها "غنيمة حرب"، وهذا أيضاً تقليد قبلي كان موجوداً قبل الإسلام وظلّ المسلمون يمارسونه لفترة في خلال حروبهم كنوع من رشوة لأبناء القبائل بهدف إغرائهم بتقبّل فكرة الجهاد مع الرسول. لكن لاحقاً، وضع الرسول محمّد معايير للحرب، وهي عدم قتل الأسير وعدم حرق الشجر والحفاظ على مقدّسات أبناء الدينات الأخرى. غير أن مهاجمي معلولا الإسلاميّين من أبناء عصرنا، ما زالوا يحاكون في قتالهم ضدّ المسيحيّين موروثات الإسلام في مراحله الأولى التي كان فيها محمّد مضطراً إلى تقديم تنازلات لسلالات القبائل كي يكسبهم إلى جانبه في قتاله مع قريش (أغنياء قبائل العرب حينها) ومناهضي دعوته لتوحيد الله في الجزيرة العربيّة.

مع اقتحام معلولا وغزوها ودعوة أبنائها المسيحيّين لاعتناق الإسلام كخيار وحيد لضمان بقائهم على قيد الحياة، وهو ما جرى على مسافة أيام من بدء ضربة واشنطن العسكريّة للنظام في سوريا، نطرح مرّة أخرى السؤال الأخطر عن بديل هذا النظام: إذا كان الرئيس السوري بشار الأسد بحسب الغرب يحول دون إرساء الديمقراطيّة في سوريا، ألا تهدّد المعارضة ذات الطابع الإسلامي المتشدّد في حال وصولها إلى السلطة بهدم نحو ألف عام من بناء ثقافة التسامح الديني في المشرق العربي؟