تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السعودية واليمن: بوصلة الثورات وبراميل النفط

An honour guard carries coffins of military personnel killed after tribal militants shot down a military helicopter In Marib province, 173 km east of the capital Sanaa. August 7, 2013. REUTERS/Mohamed al-Sayaghi (YEMEN - Tags: MILITARY OBITUARY) - RTX12CV5

ذاكرة البدء:

بعد وقف الحرب وتوقيع اتفاقية الطائف بين اليمن والسعودية (1934) تعاملت المملكة مع اليمن بعقلية وسلوك المنتصر الغني ضد المهزوم الفقير, لتضم إلى حكمها 3 أقاليم واسعة من اليمن التاريخية(جيزان-نجران-عسير) توازي نصف مساحة اليمن الحالية تقريبا.

تعاملت المملكة لاحقا مع المناطق شديدة الحساسية في الشعور الوطني اليمني ضد رغبة وإرادة هذا الشعور من ثورة سبتمبر1962م,إلى حركة 13 يونيو,إلى الوحدة اليمنية 1990, وما سبق ذلك وتلاه من ملفات لم تغلق بعد خاصة التعامل مع قرابة 10% من سكان اليمن(2,5 مليون) مغتربين على أراضي المملكة دون أية مراعاة لكرامة الجار العربي.

المملكة والربيع اليمني 2011:

رأى اليمنيون في ثورة الشباب 2011 ضد نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح الفرصة المناسبة لبناء الدولة اليمنية الحديثة التي طالما حلم بها,وأضاعها 3 مرات على الأقل(1962- 1974- 1990) بفعل تدخل سعودي في المرات الثلاث .

بالمقابل فقد تعاملت المملكة بشكل خاص ودقيق مع الربيع اليمني بطريقة مختلفة ومبتكرة بعكس ما تعاملت مع باقي بلدان الربيع الأخرى,لتضمن القدرة على التعامل المستقبلي مع القوى الصاعدة بأقل قدر من الخسائر في حال خروجها عن نطاق الاحتواء الملكي المعهود.

وافقت القوى الثورية اليمنية فجأة على المبادرة الخليجية التي قدمتها السعودية ودول الخليج(قطر كشريك رئيسي) ونصت على تنازل صالح بصلاحياته لنائبه (الرئيس الحالي) مقابل منحه حصانة برلمانية ضد الملاحقة القانونية مع أركان حكمه (بمن فيهم من ثاروا ضده) وتشكيل حكومة وفاق وطني نصف أعضائها من حزب الرئيس السابق (المؤتمر الشعبي العام) والنصف الباقي لكل القوى الثورية.

اعتبر الشباب المستقل ما جرى خيانة للثورة ,إلا أن المبادرة الخليجية المفروضة سعوديا تعاملت مع الأطراف السياسية ولم تمنح الشباب إلا القليل من الأهمية المعنوية.

استطاعت السعودية بتوقيع الأطراف المتصارعة للمبادرة في نوفمبر2011 بالرياض, توفير غطاء لخروج مشرف لصالح أفضل مما حظي به أمثاله من رؤساء ما قبل الربيع العربي,كما نجحت في تحويل ثورة الشباب إلى أزمة تمت تسويتها سياسيا بعيدا عن الشباب وآرائهم وتطلعاتهم,وضد إرادة الحركة الحوثية تحديدا,فقد خاضت السعودية في 2010م الحرب ضد الحركة بجانب الجيش اليمني,لاتهامها الحوثيين بالعمل لصالح إيران على حدودها الجنوبية وانتهاكهم لسيادة أراضيها,ومع كل الفارق في القوة لم تحصل المملكة على لقب المنتصر أمام مقاتلين غير مدربين,ولا يقارن عتادهم بالأسلحة السعودية المتقدمة,بل يمكن القول بأن جيشها تعرض للإهانة .

بالمقابل أعلن الحوثيون رفضهم للمبادرة الخليجية(السعودية –الأمريكية) حسب وصفهم.

هادي والرياض:

كانت الرياض وجهة هادي الأولى بعد انتخابه رئيسا لليمن,وحصل على الدعم المطلوب من المال والوقود في تلك المرحلة الحرجة للبلاد, كما تبنت السعودية بعض الجلسات التحضيرية لمؤتمري لندن ونيويورك لأصدقاء اليمن باعتبارها أبرز المانحين لليمن.

بشكل مفاجئ تحولت الأنباء عن الرياض إلى بدء تنفيذ مشروع الجدار العازل بينها وبين اليمن,ثم شق طريق ترابي داخل من جانب الأراضي اليمنية المرسمة عام 2000م,ثم تطور الأمر لإعلانها تطبيق قانون جديد للعمل سيؤدي تطبيقه لطرد مئات الآلاف من المغتربين اليمنيين على أراضيها في تصرف متناقض تماما مع خطابها تجاه اليمن.

هادي وهو يحكم اليمن في ظروف استثنائية ويعاني من مماحكات الأطراف السياسية,وانفلات الأمن,والتزامات الدولة لحل القضايا المصيرية, فإن آخر ما كان ينتظره هو ضغط السعودية عليه لتحقيق مطالب استراتيجية لها يصعب عليه تلبيتها,بينما كان يعول على المملكة أن تقف بجانبه.

يزداد غضب السعودية من هادي شيئا فشيئا لاسباب عدة منها اشراكه لقوى كالحوثيين بشكل حقيقي في مؤتمر الحوار الوطني ، وهم قوى نجحوا في كسب الكثير من التاييد الشعبي بسبب غضب اليمنيين العاديين من السعودية ، وهو سخط تاريخي له اسبابه الواضحة والعميقة.

على كل حال فإن خبرة اليمنيين مع السعودية لا تجد مبررا لتطبيق المملكة  لقانون العمل في هذه الفترة ,وافتعال أزمة على الحدود مع اليمن,إلا ان يكون ذلك للضغط على اليمن لتلبية مطالب كبيرة رفض تلبيتها,كما حدث عند طرها لقرابة مليون مغترب يمني 1991,على خلفية موقف اليمن من الحرب على العراق بعد غزوه للكويت.

كما أن حساسية العلاقة بين البلدين وسرية كثير من تفاصيلها تفسر صمت صنعاء عن هكذا ضغوط ملكية,وتوجه الرئيس هادي مؤخرا صوب الدوحة بدلا عن الرياض قبل زيارته لأمريكا.

إخوان اليمن بين الرياض والدوحة:

تحالف إخوان اليمن مع المملكة منذ ستينات القرن الماضي, وأصبح رجل المملكة الأبرز في اليمن  الشيخ عبدالله الأحمر رئيسا للحزب الإسلامي الجديد المؤسس عام 1990م,مع قيادات بارزة في الحزب من حلفاء الرياض التاريخيين.

مؤخرا اخترقت دولة قطر ما كان يعتبر مربعا سعوديا محتكرا في اليمن,فبنت علاقات ممتازة مع قيادات إسلامية /سياسية وظهر الأمر  جليا من خلال دعم قناة الجزيرة القطرية لهم بشكل ممنهج, منذ ما قبل الربيع العربي.

ذهبت بعض المصادر إلى وقوف كل من السعودية وقطر خلف تمويل عمليات تسفير مقاتلين يمنيين للقتال في سوريا في صفوف الجيش الحر بالتنسيق مع أطراف دينية محلية,كما ذكرت صحف محلية(مكتوبة) عن بعض من تم تسفيرهم إلى هناك وتمكنوا من الفرار,بل أن السفير الروسي بصنعاء التقى رئيس حزب الإصلاح الإسلامي لإقناعه بعدم إرسال الشباب إلى سوريا لأن ذلك يعني فقط موتهم هناك حسب هذه المصادر, والرهان في هكذا حالات محليا يكون على نفي الجهات المسئولة من عدمه وهو ما لم يتم هنا ما يرجح صدق ما ورد ذكره.

ربما كان هذا التصرف هو المؤشر الأخير لتعاون الدولتين وتقارب رؤاهما في اليمن,ذلك أن الأحداث الأخيرة في مصر جعلتهما على مفترق الطريق,فقطر وإخوان اليمن في صف الرئيس المعزول محمد مرسي,على العكس من السعودية, التي اتصل ولي عهدها بالرئيس هادي للضغط عليه لتأييد الوضع الجديد في مصر وهو ما عبر عنه هادي ببرقية تهنئة أغضبت شركاء حكومته من الإخوان,كما لم يبد أن المملكة قللت من مطالبها منه ,بل أضافت طلبا بتضييق الوضع على الإخوان في اليمن,وهو ما رفضه هادي لأنه قد يؤدي باليمن إلى الانزلاق إلى الفوضى بسهولة.

إن ضغط المملكة والإمارات على هادي للتضييق على الإخوان دليل على أن بوصلة الإخوان قد انحرفت بشكل نهائي وحصري صوب الدوحة,وهذا يجعل تأثير المملكة على إخوان اليمن كتنظيم أمر فات زمنه,فعلاقتهم بها اعتمدت على الدعم الذي صبحت قطر موردا بديلا له.

إذا كان ما ورد أعلاه دقيقا فإن السعودية فقدت تعاون أبرز الأطراف الفاعلة في اليمن,فالإخوان هم المعادل الموضوعي لحركة الحوثيين المعادية صراحة للمملكة,وقد تقارب موقفهما منها مؤخرا,وليس هناك قوة أخرى مؤهلة لملأ هذا الفراغ في المدى المنظور عدا القوى السلفية المتشددة.

لا زالت السعودية ذلك السكين الذي يطعن أحيانا ويجرح بخفة أحيانا أخرى في الجسد اليمني,وبين طعنة وجرح يقوم بدور المعالج(كفاعل خير) دون الاعتراف بالجرم.

يغضبه أن يرى اليمنيون فيه الطاعن,ولا يرون المداوي الطيب,فهو بالعكس ينكر الدور الأول ويستميت لإثبات الدور الأخير (كفاعل خير).

طعناته أضعفت مناعة الجسد اليمني,ومحاولة علاجه أيقضت الروح الجبارة الرافضة لكل ما يوحى منه,ولم تترك متاحا لجاره الجنوبي الفقير للتصالح مع جواره المستبد .

جروح التاريخ الممتزجة بالجغرافيا لا تشفى,ولا يمكن لأوراق العملة أن تكون ضمادات فاعلة لها.