تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

المخدّرات في لبنان: افتتاح الموسم هذا الأسبوع

A soldier and a policeman secure a field as a man uses a tractor to uproot hashish plants in Boday village, near Baalbek city, July 23, 2012. Farmers armed with assault rifles, rocket-propelled grenades and mortars forced Lebanese government troops to abandon an operation to destroy their illegal cannabis crop in Lebanon's Bekaa Valley on Monday, a witness said. The farmers' attack halted a morning raid by security forces, who had been flattening the tall spiky marijuana plants with tractors, accompanied by

كثيرة هي ظواهر غياب الدولة وانحلالها في لبنان. لكن أكثرها طرافة وفضائحيّة في الوقت نفسه، تظلّ زراعة المخدّرات. ظاهرة مقلقة، لكنها مضحكة. لها مع أول الصيف من كل سنة، موعد لتظهير عجز دولة كاملة وفساد أجهزتها وبؤس ناسها. هذا الصيف لم يشذّ عن القاعدة، إذ نضجت السهول البعيدة، واخضرَّت مساحات القنّب الهندي، وحُدد الموعد هذا الأسبوع، وبدأت المسرحيّة- المهزلة السنويّة...

حشيشة الكيف أو القنب الهندي، هي ما تسمّيه البيانات الرسمية "الزراعات الممنوعة"، وهي نفسها ما تعرفه الزراعة اللبنانيّة منذ ثلاثينيات القرن الماضي. فمع تكوّن الدولة اللبنانيّة بشكل مركزي قوي حول العاصمة بيروت ومحيطها، نشأت ظاهرة "المناطق النائية والمحرومة". وهي تسمية غالباً ما أُطلقت على مناطق البقاع الشمالي، لأسباب عدّة:

أولاً، بعدها عن مركز الدولة، علماً أن هذا البعد نسبي ولا يتعدّى أحياناً مئة كيلومتر في بلد صغير المساحة كلبنان.

ثانياً، لوجود هذه المناطق بمحاذاة الحدود اللبنانيّة-السوريّة، ما ساهم في قيام نشاطات التهريب وسهّل تفلّتها من سلطة الدولتَين، مثل أي منطقة حدوديّة.

ثالثاً، لكونها مناطق ذات طبيعة قاسية وصعبة، جرديّة ومعزولة عن طرق المواصلات، مع ارتفاع يتراوح ما بين 1500 متر وأكثر من ألفَي متر عن سطح البحر، وقليلة الموارد المائيّة وبالتالي صعبة الاستثمار زراعياً.

ورابعاً وأخيراً، نظراً إلى احتضانها لجغرافيا بشريّة خاصة، مكوّنة من عشائر تقليديّة ما زالت تعيش ضمن مجتمعاتها الخاصة، ذات الأنظمة العائليّة والجماعيّة الموروثة من قرون سابقة، حيث للقوّة والسلاح شأن خاص وموقع دائم.

هكذا، منذ استقلال لبنان في العام 1943، يعرف اللبنانيّون أنه في مكان ما من البقاع الشمالي، تقع "دويلات الحشيشة". وهي دويلات غالباً ما تدخل في معارك وحروب صغيرة مع الدولة اللبنانيّة. مع اندلاع الحرب الأهليّة في العام 1975 وغياب الدولة المركزيّة بالكامل، توسّعت حدود دويلات الزراعات الممنوعة وتطوّرت قدراتها وتعدّدت منتجاتها، من القنّب إلى الأفيون وصولاً إلى مصانع الحبوب المخدّرة، حتى صار لبنان في تلك الفترة بؤرة دوليّة لتجارة المخدرات. بعد انتهاء الحرب في العام 1990، تغيّر الوضع، إذ سيطر الجيش السوري على مختلف الأراضي اللبنانيّة، خصوصاً على البقاع. ومنذ العام 1992 بدأت سنوياً حملات عسكريّة لإتلاف تلك المزروعات، تنفّذها القوى المسلحة اللبنانيّة، بمؤازرة القوات السوريّة. وفي تلك الفترة كان اللبنانيّون يردّدون أن تلك السياسة الرسميّة فرضتها دمشق، من أجل تبييض صورة هيمنتها على بيروت من جهة، ومن جهة أخرى في سياق اتفاقها مع المجتمع الغربي والمؤسسات الدوليّة المعنيّة بمكافحة المخدرات، على منع وصول تلك المواد إلى الغرب، مقابل بدلات ماليّة كبيرة صارت تذهب إلى السوريّين.

جاء العام 2005، انسحب السوريّون بعد "ثورة الأرز" وعادت الدولة اللبنانيّة إلى ضعفها، فاستعادت دويلات المخدّرات قوّتها تدريجياً. وصار موسم إتلاف المزروعات بين منتصف تموز/يوليو ومطلع آب/أغسطس من كل سنة، موعداً لمواجهات عسكريّة دائمة بين القوى المسلحة اللبنانيّة ومسلحي تلك الدويلات. معارك متنقّلة من سهل إلى آخر ومن بلدة بقاعيّة إلى أخرى، لم تعد تقتصر على استخدام الأسلحة الخفيفة من مسدسات أو بنادق، بل صارت مسرحاً للأسلحة المتوسّطة والقذائف الصاروخيّة الصغيرة وحتى مدافع الهاون من قبل ميليشيات مزارعي المخدّرات.

مع موسم العام 2012، تطوّر الوضع أكثر، كدليل إضافي على ضعف الدولة وتنامي قوّة الدويلات. ففي مطلع آب/أغسطس 2012 أعلنت السلطات اللبنانيّة عن "جدول زمني" لإتلاف الزراعات الممنوعة. علماً أن الأمر يتمّ عادة بعد قيام السلطات الرسميّة باستئجار عدد من الجرّارات الزراعيّة (ما بين 60 ومئة جرّار)، بحيث يُطلب من أصحابها قيادتها وسط سهول المخدّرات لإتلافها، في ظل حماية من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. غير أنه، لم يلبث أن صدر قرار الإتلاف حتى جاء الرد عليه إعلامياً ببيان صادر عما سُمّي "العقلاء وكبار السن" في منطقة البقاع الشمالي، يحذّر أصحاب الجرّارات من التعاون مع السلطات الرسميّة ويحمّلهم أي عواقب محتملة لذلك. في 4 آب/أغسطس من العام الماضي بدأت المواجهة، وكانت الحصيلة في اليوم الأوّل سقوط ثلاثة جرحى من القوى الأمنيّة الرسميّة، وتعطيل أكثر من جرار. عندها حاولت الحكومة اللبنانيّة الاستعانة بقوّة أكبر من الجيش اللبناني، لقمع إحدى النقاط الأساسيّة المعترضة على عمليّة التلف، في بلدة اسمها اليمّونة. لكن المعلومات أشارت إلى مئات من ميليشيات مزارعي المخدرات تجمّعوا في تلك المنطقة، واستعدّوا للمواجهة، ما قد ينذر بوقوع مذبحة فعليّة.

عند هذا الحدّ، تراجعت الحكومة لتطلق مشهداً سوريالياً لم يعرفه لبنان من قبل. ففي 6 آب/أغسطس، ونتيجة إحساس المزارعين بقدرتهم على الانتصار في المواجهة، خرجوا إلى العلن ونفّذوا اعتصاماً في اليمونة قطعوا أثناءه الطريق العام، مطالبين بحقّهم في محاصيلهم من المخدّرات، أو بتعويض مالي فوري تدفعه الحكومة لهم، مقابل السماح لها بإتلاف مزروعاتهم. ولم يلبث أن تحوّل اعتصام هؤلاء إلى نوع من التظاهرة الاستعراضيّة. فارتفعت أصوات عدد من السياسيّين "المتفهّمين" لمطالب المعتصمين، حتى أن مغنياً مشهوراً من أبناء البلدة انضم إلى الاعتصام الذي صار محطة للزوّار من مؤيّدين أو متفرّجين بدافع الفضول. في اليوم الثالث، اكتمل المشهد السوريالي بذهاب وزير الداخليّة في الحكومة اللبنانيّة مروان شربل، لمحاورة المعتصمين. فاستقبل بطقوس عشائريّة تقليديّة مرحّبة به، قبل أن ينتهي التفاوض إلى وقف عمليات الإتلاف والوعد بصرف اعتمادات حكوميّة كتعويضات للمزارعين. بعد أسابيع، أقرّت الحكومة تلك الاعتمادات، فيما كان الموسم قد قُطف وسلكت محاصيله سكة التسويق والتجارة داخل لبنان وخارجه. كل ذلك وسط اتهامات علنيّة بفساد كل المعنيّين بالملف، من أمنيّين وإداريّين.

اليوم عاد الموسم، وعادت المسرحيّة. مع فارق واضح هو ضعف الدولة المركزيّة أكثر، وتنامي نفوذ الخارجين عنها أكثر فأكثر. والدليل أن وزير الداخليّة لم يحتج هذه السنة إلى تكبّد مشقّة الانتقال من بيروت إلى البقاع الشمالي لمحاورة "الملاحَقين من قبل العدالة اللبنانيّة المفترضة"، إذ لم تلبث الأجهزة الرسميّة أن أعلنت الجدول الزمني لعمليات إتلاف المخدّرات بدءاً من يوم الاثنين في 15 تموز/يوليو الجاري، حتى طلب هؤلاء موعداً لمقابلة وزير الداخليّة في مقرّه في بيروت. وبالفعل، يوم الجمعة الماضي في 12 تموز/يوليو، جاء وفد رسمي من "الخارجين عن القوانين اللبنانيّة نظرياً" الذين جلسوا في مكتب وزير الداخليّة مرتاحين مطمئنّين، من الندّ إلى الندّ، طارحين وجهة نظرهم، متمسّكين بشروطهم وموقفهم، متسلّحين بحجج قويّة، أوّلها ضعف دولتهم...

بعد انتهاء الاجتماع، قيل أن توافقاً حصل على "تأجيل" عمليات الإتلاف المقررة. ما يعني عملياً السماح بقطاف المخدّرات وتهريبها، كما في كل عام. علماً أن المصادر المعنيّة تقدّر مساحات الحشيشة المزروعة هذه السنة بنحو 50 ألف دونم (الدونم الواحد يساوي ألف متر مربع) في مناطق بعلبكــالهرمل، ونحو ألف دونم أخرى في مناطق الشمال اللبناني. أما السعر الرائج اليوم في "السوق المحليّة" هو 1200 دولار أميركي لكل "هقة حشيشة"، وهي وحدة كيل خاصة بالقنّب الهندي في لبنان تعادل 1200 غرام.

عند مغادرة وفد مزارعي المخدرات مقرّ وزارة الداخليّة اللبنانيّة في بيروت، كان ثمّة حاجز للقوى الأمنيّة يدقّق في السيارات العابرة عند زاوية الطريق، ويتشدّد في ضبط أي مخالفات ممكنة، من نوع عدم وضع حزام الأمان أو وجود عازل للرؤية على زجاج السيارة أو حيازة غرام واحد من الحشيشة، ما قد يعرّض صاحبه للتوقيف الفوري والمحاكمة والسجن!!

More from Jean Aziz (Lebanon Pulse)

Recommended Articles