قبل سنوات عدّة تجمّعت ثلّة من مثقّفي بيروت المنتمين إلى طوائف دينيّة مختلفة والآتين من مناطق متعدّدة داخل مقهى "المودكا" في شارع الحمرا في بيروت، للاحتجاح على قرار صاحبه إقفاله لأسباب ماليّة. واعتبر المثقّفون أن هذا القرار يأتي ضدّ الثقافة وضدّ ذاكرة المكان المفعمة بأحداث ثقافيّة هامة، مطالبين وزارة الثقافة اللبنانيّة بالتدخّل لإنقاذه. لكن المقهى أقفِل في نهاية الأمر، وبالتتالي أقفِلت في إثره مقاه أخرى لم تكن أقلّ شأناً لجهة قيمتها كإمكنة كان يلتقي فيها المثقّفون .
"شانزليزيه" بيروت
مقهى "المودكا" الذي افتتح في ستينيات القرن الماضي، كان يقابله مقهى "الويمبي" الذي تمّ إقفاله أيضاً، لأسباب ماليّة. وعلى مسافة ليست بعيدة عنهما، عند بداية شارع الحمرا، كنا نجد مقهى "هورس شو" الذي طالما كان مثقّفو وزعماء المعارضات العربيّة يصرفون فيه قسطاً كبيراً من وقت منفاهم في بيروت. أكرم الحوراني كان واحداً من روّاده الدائمين، وكذا الحال بالنسبة إلى شخصيّات عربيّة أخرى كثيرة.
طوال ثلاثين عاماً كانت مقاهي الحمرا (1960 - 1990) بمثابة أمكنة يداوم على ارتيادها مثقّفون وصحافيّون وسياسيّون وفنانون لبنانيّون وعرب. وفي فترة ما بعد العام 67 الذي شهد هزيمة الأنظمة العربيّة في وجه إسرائيل، ذاع صيت هذه المقاهي بوصفها غرف سريّة وضِعت فيها بيانات تأسيس أحزاب عربيّة معارضة ورسِمت فوق طاولاتها خطط الانقلابات في غير دولة. وكان انتقال مبنى جريدة "النهار" اللبنانيّة التي كانت تُعتبر الصحيفة الليبراليّة الأولى في العالم العربي، إلى شارع الحمرا، قد ساهم في تعميق نكهته السياسيّة والثقافيّة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.