تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كسر الجمود أم بيع الأوهام؟

U.S. Secretary of State John Kerry (C) is joined by Israeli President Shimon Peres (L) and Palestinian President Mahmoud Abbas at the World Economic Forum on the Middle East and North Africa at the King Hussein Convention Centre, at the Dead Sea May 26, 2013.  REUTERS/Jim Young  (JORDAN - Tags: POLITICS BUSINESS) - RTX101SB

أثناء تواصلي مع زملاء في وسائل إعلام عالميّة وعربيّة، لاحظت أنّهم وبعد أن بدأوا الإعداد لتغطيات مكثّفة للخطّة الاقتصاديّة التي أُعلنت في البحر الميت الأحد 26 أيار/مايو الجاري تحت اسم خطّة "كسر الجمود" والتي وصفها البعض بخطّة كيري نسبة إلى وزير الخارجيّة الأميركي جون كيري وأسماها البعض "طبخة كيري"، تراجعوا وقدّموا تغطية مختصرة أو تجاهلوا الخبر. ويعود السبب إلى أنّهم وبعد تحليل الحدث اكتشفوا محدوديّة معناه، وأنّه نوع من طبيخ بحص كالحجارة المشهورة في قصّة الخليفة المسلم عمر بن الخطاب الذي صادف امرأة تضع حجارة في الماء وتوهم أبناءها بأنّها تطبخ طعاماً، عساهم يصبرون على جوعهم حتى يغلبهم النوم.

وكان رجال الأعمال الفلسطينيّون والإسرائيليّون قد أعلنوا أثناء المنتدى الاقتصادي العالمي في منطقة البحر الميت في الأردن، مبادرة أطلقوا عليها  "كسر الجمود". وقد علّق كيري عليها بالقول أنّ هذه "خطّة للاقتصاد الفلسطيني أكبر وأكثر طموحاً من أي شيء اقتُرح منذ أوسلو، قبل أكثر من عشرين عاماً"، وأنّها خطّة "تحويليّة" وليست "تدريجيّة"، أي أنّها جذريّة سريعة تغيّر وجه الصراع. ولعلّ حماسة كيري الشديدة تجاه الخطّة هي التي لفتت الانتباه إليها، وجعلت الكثيرين يعتقدون بأنّها خطته.

من أجل وضع الخطّة في إطارها الحقيقي وإدراك مدى أهميّتها، يمكن مقاربتها من زاويتَين اثنتَين: الأولى الملابسات والأحداث التي أنتجتها، أما الثانية فتحليل فرص نجاح الخطّة وأثرها المتوقّع.

بدأت مبادرة رجال الأعمال قبل تولّي جون كيري منصبه كوزير للخارجيّة، ولا علاقة مباشرة له أو لوزارته بإطلاقها. فالخطّة، وبحسب ما جاء في تقرير أعدّته داليا هاتوقا نُشر على موقع "المونيتور" الأسبوع الفائت ، بدأت في حزيران/يونيو من العام 2012 في المنتدى الاقتصادي العالمي ذاته الذي انعقد حينها في اسطنبول. هناك، اتّفق رجال أعمال فلسطينيّون وإسرائيليّون على إصدار وثيقة تضغط على الحكومة الإسرائيليّة والقيادة الفلسطينيّة للعودة إلى التفاوض، وإيصال رسالة تفيد بأنّهم كقطاع خاص يعانون خسائر ويدفعون ثمن الخلافات. ولعلّ ما يؤكّد ذلك، هو أنّ رجل الأعمال الفلسطيني الذي شارك من منصّة إعلان المبادرة، استضاف في بيته في نابلس نهاية العام الفائت، اجتماعاً حمل التسمية نفسها للمبادرة المعلنة "كسر الجمود". وفي ذلك اليوم، شارك في الاجتماع رجال أعمال إسرائيليّون مشهورون، يستثمر بعضهم في المستوطنات الإسرائيليّة. ويبدو أن جون كيري دخل على الخطّ بالتنسيق مع رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير، ممثّل الرباعيّة الدوليّة الذي يمتلك شركة استشارات وخدمات اقتصاديّة، ومن خدماتها التوسّط التجاري بين الشركات ورجال الأعمال والحكومات . وبعد تسلمه منصبه، أصبح جون كيري مطلاً على اجتماعات رجال الأعمال ومحفزاً لها. فيشير على سبيل المثال إلى  رجل أعمال قضى 14 ساعة في حوارات المبادرة في الضفّة الغربيّة ثم ذهب إلى القدس للاحتفال بعيد ميلاده التاسع والستين.

خلاصة القول أنّ كيري ليس صاحب الخطّة الأصلي أو مهندسها. ولكن هذا لا يعني أنّ لا دور له أو أنّه لن يقوم بدور إضافي. فعدا التشجيع والضغط على الحكومات الإسرائيليّة والفلسطينيّة لتسهيل مشاريع الإستثمار، بإمكان كيري إقناع حكومات دول الخليج العربيّة بلعب دور في الإستثمار في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة أو ربما بالتعاون مع المشاريع الفلسطينيّة الإسرائيليّة المشتركة، والتسوّق منها.

أما المقاربة الثانية لإعلان البحر الميت، فهو الأثر الذي قد تتركه "المبادرة" ومعناها. من المؤكّد أن وزير خارجيّة الدولة العظمى لن يهتمّ باقتصاد فلسطين على هذا النحو لولا الشقّ السياسي في الصراع العربي الإسرائيلي. ولا شك في أنّ هناك رابطاً لا ينكره أحد لدى  السياسيّين، بين التسوية السياسيّة والهدوء من جهة والخطط الاقتصاديّة الخاصة بالفلسطينيّين من جهة أخرى، خصوصاً وأنّ السلطة الفلسطينيّة عاشت في السنوات الفائتة انهياراً مالياً واقتصادياً هدّد وجودها.

ولعلّ القضية التي لا بدّ من التوقّف عندها، هي أنّ العلاقة بين الاقتصاد والهدوء في الشارع الفلسطيني لم تكن يوماً وثيقة. وعلى سبيل المثال قامت الانتفاضة الأولى في العام 1987 في ظلّ وضع اقتصادي مريح فلسطينياً نسبياً في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، وفي ظلّ نموّ اقتصادي كبير يصل في السنوات التي سبقت الإنفجار إلى ما معدّله نحو 9 في المئة. وحتى في السنوات التي سبقت الانتفاضة الثانية في العام 2000، كانت تسجَّل نسب نموّ عالية بالإضافة إلى مشاريع تزدهر وأخرى على الطريق. وهذا يعني أنّ تحسّن الاقتصاد ليس كفيلاً بالضرورة بمنع الإنفجار السياسي والأمني، حتى ولو اتفقنا أنّ تردّي الأوضاع الاقتصاديّة يزيد فرص التوتّر. ومثل هذا الاستنتاج كانت قد أشارت له دراسة أصدرها "مركز بيريس للسلام" في العام 2009، تحت عنوان "السلام الاقتصادي: بديل أم وهم؟".

ونشير إلى قضيّة ثانية لا بدّ من التوقّف عندها، وهي أنّ تحقيق نموّ اقتصادي حقيقي يرتبط بالضرورة بالحصول على السيادة، بمعنى أنّ نموّ السياحة في الأراضي الفلسطينيّة مثلاً لا يحتاج جهوداً كبيرة. ولعلّ أهمّ ما يحتاجه هو سيطرة الفلسطينيّين على الحدود ليسمحوا بدخول فلسطينيّي الخارج، وكذلك العرب المسلمين والمسيحيّين. وهنا تبرز قضايا أخرى سياسيّة بامتياز، مثل القطاع الزراعي الذي يحتاج إلى حدود مفتوحة لتصدير منتجاته ويحتاج إلى السماح للفلسطينيّين باستخدام المياه التي يمتلكها هؤلاء المزارعون الفلسطينيّون في آبارهم ويمنعهم الإسرائيليون منها. وهذا يعيد قضيّة التنمية برمّتها إلى مربّع السياسة، وإلى السؤال: هل تنوي حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الموافقة على ذلك؟ هذا مستبعد جداً، لاصطدامه بمصالح المستوطنين ولمنافسته قطاعات اقتصاديّة تشكّل دعامة لنتنياهو.

وتفيد المؤشّرات أنّ التنمية المقصودة هي تلك التي تدعم قطاعات تصديريّة معيّنة يمتاز بها الإسرائيليّون. فعلى سبيل المثال عندما طرح بنيامين نتنياهو خطّته للسلام الاقتصادي قبل أربعة أعوام، كانت من ضمن تفاصيلها إقامة عشرات المصانع داخل الضفّة الغربيّة بالقرب من حدود العام 1967 حيث يستثمر الإسرائيليّون وتقوم العمالة العربيّة الرخيصة بالعمل. فتبقى الزراعة العربيّة في تراجع أما زراعة المستوطنين فتسجّل  ازدهاراً خصوصاً مع التسهيلات المتعلّقة بالبنية التحتيّة وبتوفير المياه لهم ومنعها عن الفلسطينيّين. كذلك، تبقى مشاريع السياحة مرتبطة بالشركات الإسرائيليّة التي تتحكّم في كل تفاصيل حركة السيّاح وتعوّق تواصلهم وتعاملهم مع المتاجر والمطاعم والفنادق العربيّة.    

ويُطرح سؤال أيضاً حول ضمان تحقّق هذه الإستثمارات. فالفكرة تقوم على أن يأتي القطاع الخاص للإستثمار، أي أن  كل رجل أعمال سيجري حساباته ودراسات الجدوى قبل أن يقدم على ذلك. وبالتالي قد يأتي وقد لا يأتي. وهذا بدوره يقلّص من أهميّة الخطّة ويجعلها بلا معنى عملي، ويجعلها مجرّد حديث عام عن تحسين مناخ الإستثمار في الأراضي الفلسطينيّة عبر إدخال رجال الأعمال الإسرائيليّين بموافقة فلسطينيّة.

لدى الفلسطينيّين فرص كبيرة للنموّ في قطاعات مثل الزراعة والسياحة، بينما تعتمد فكرة المصانع على الأيدي العاملة غير الماهرة والرخيصة. إلى ذلك، فإن قطاعاً مثل قطاع تكنولوجيا المعلومات التي يجري التركيز عليه كثيراً أميركياً وإسرائيلياً، يعني أيضا استخدام المهندسين والفنيّين العرب لدخول الأسواق الخليجيّة والعربيّة. وفي كل الحالات، لا يبدو الفلسطينيّون في وضع يخوّلهم السيطرة على شؤونهم الخاصة واقتصادهم، بل يجعلهم تابعين ضمن منظومات الاقتصاد الإسرائيلي. وهذه المشاريع من شأنها أن تعقّد أيضاً فرص حلّ الدولتَين، لأنها ستعني المزيد من التداخل وفق علاقات تبعيّة. وكلّ هذا سيعني اقتصاداً مشوّهاً تابعاً واستيطاناً مستمراً وانعداماً لحريّة الحركة والتنمية وفق الخيارات والأجندات الوطنيّة، وبالتالي سيشكل كل هذا وصفة للصراع المتجدّد.   

ويبقى أنه لا يوجد خطّة واضحة، والأفكار المطروحة لا تتحدّث عن تنمية فلسطينيّة اقتصاديّة مستقلّة.

More from Ahmad Azem

Recommended Articles