تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

في غزة الاسمنت يزحف على المساحات الخضراء

A Palestinian girl plays on a makeshift swing in Khan Younis in the southern Gaza Strip September 23, 2012.  REUTERS/Mohammed Salem (GAZA - Tags: SOCIETY) - RTR38BK0

أكثر من ثلاثة رجال يحاولون قطع شجرة كينيا ضخمة، على طريق صلاح الدين الرئيسي في مدينة خان يونس، كل واحد منهم يمسك آلة حادة ويقطع من جهته، يلقون حولهم الفروع الخضراء الكثيفة، تستطيع أن تميز رائحة الكينيا عن بعد، ليس عبر أنفك فقط بل من خلال ذاكرتك أيضاً فمنذ الطفولة عادة ما تصادفك شجرة كينيا عند باب المدرسة أو وسط ساحتها وتبقى رائحتها تكبر معك.

وزارة الزراعة بدأت منذ شهر مارس الماضي بقطع 300 شجرة كينيا على طريق صلاح الدين من مدينة رفح جنوباً حتى مدينة دير البلح شمالاً، بهدف تعبيد الطرق، وأسباب أخرى تتعلق بأن بعض هذه الأشجار يشكل خطرا وأصبحت آيلة للسقوط.

كانت تحمينا من الشمس

الشقيقان زهير وحمدان أبو حدايد (6،9سنوات) وصلا إلى منزلهما المطل على شارع صلاح الدين في أول مدينة رفح وتظهر على وجههما قطرات العرق، يقول حمدان أن سيارة تاكسي أوصلتهما من مدرسة الفخاري الابتدائية البعيدة، وأحيانا يرجعان مشيا على الأقدام وسواء مشوا أو انتظروا سيارة فإن شجر الكينيا يمثل لهما ظلاً وتلقي فروعه الوارفة عليهما نسائم الهواء.

قريبتهما كريمة أبو حدايد(32عاما) تجلس امام منزلها على كرسي تقول أن الشجر موجود قبل أن تسكن عائلتها المنطقة منذ 40 عاماً، ويعتبر مصدر أساسي للظل وتلطيف الجو خلال الصيف، موضحة أنهم يعانون من كثرة الحوادث في المنطقة، فقد مات من عائلتها الكثير من الأطفال بسبب ضيق الشارع ومرور السيارات الضخمة خلاله، مقترحة وضع مطبات صناعية.

الأشجار المقطوعة تمتد على جانبي الطريق الذي ليس له رصيف بل كانت هذه الأشجار بمثابة رصيف، جزع كبير آخر لشجرة كينيا مقطوعة أمام إحدى المؤسسات التعليمية في خان يونس، مالك العقار يدعى عيد الأسطل (52عاما) يقول: "قلبي يبكي على هذه الشجرة لم تغب عني يوما".

وأشار إلى أنه في مثل هذا الوقت من اليوم عادة ما يستظل تحتها كذلك عشرات الطلبة فهي وارفة وضخمة، ولكن للأسف تم بيعها بسعر بخس لشركة مقاولات، لافتاً إلى أن بقية الأشجار التي عليها علامة حمراء سيتم قطعها أيضا، مؤكدا أنها كانت شجرة بصحة جيدة وبعيدة عن الشارع، ويشاركه الرأي حارس المؤسسة محمد السقا (45عاما) قائلاً بغضب: "قطعوا الشجر، ماذا تبقى ليقطعوا عنا..الهواء؟!، الآن لا نتحمل الحر ولا توجد ظلة أجلس تحتها".

شجر مريض وآخر عائق

المونوتر قابلت مدير عام التخطيط في وزارة الزراعة نبيل ابو شمالة بمكتبه والذي أوضح أن قرار التخلص من هذه الأشجار تم قبل ستة شهور ولكن تنفيذه بدأ في مارس الماضي بعد تشكيل لجنة تقييم للأشجار ودراسة حالة الشجر على طول شارع صلاح الدين ابتداء من مدينة رفح حتى مدينة دير البلح، وتم اكتشاف أن هناك 141 شجرة آيلة للسقوط بسبب تشققات وتعفن داخلها، و180 شجرة تعيق مشروع توسيع شارع صلاح الدين.

وذكر أنه من المهم تأهيل البنية التحتية، لذلك يجب إزالة كل العوائق أمام الطريق لتوسيع الشارع وخدمة السيارات الضخمة التي تأتي محملة بالبضائع عبر معبري رفح وكيرم أبو سالم، فهناك أكثر من 300 شاحنة تمر يوميا، مشيراً إلى أن الخطة تقضي بتوسيع الشارع حوالي اربعين متراً.

وكيل وزارة الزراعة للموارد الطبيعية زياد حمادة والذي حضر اللقاء في مكتب أبو شمالة بالوزارة يقول أن قطع الاشجار يتم بالتنسيق مع الدفاع المدني والبلديات والشرطة، تحسبا لأي حادث قد يقع مثل سقوط الشجرة على أسلاك الاتصالات، ومؤكدا أن الاجراءات مهنية وشفافة وتتم عبر مناقصات للمقاولين الذين يقومون بتقطيع الشجر وتحميل الأخشاب بعد شرائها سواء كانوا من مصنعي السفن أو لاستخدامات الطاقة النظيفة، كما تقوم الوزارة بالاستفادة بجزء من هذه الاخشاب.

وأضاف أنهم يزرعون شتلات كبيرة بدلا عنها كي تنمو بسرعة، مُجمِلاً عدد الأشجار المقطوعة والتي ستقطع بحوالي 300 شجرة، مشيرا إلى أن شجرة الكينيا تؤدي إلى تشقق الارض بسبب جذورها العميقة.

أبو شمالة تَدَخل بالحديث حين أشرتُ إلى الطريقة الوحشية في قطع الشجر، قائلاً: "طريقة القطع لن تضر الأشجار ففي كل الأحوال يجب خلعها" مستدركاً بقوله: "نعرف أننا نخلع جزء من أجسادنا، ولكن نحن نخلع شجرة من أجل حماية الانسان من القتل".

ويتفق كل من أبو شمالة وحمادة أنهم ضد إقامة المشاريع السكنية على المساحات الزراعية سواء من قبل وزارة الاسكان أو من قبل وكالة "الأونروا" أو"لجنة المشاريع القطرية"، موضحين أن هناك ازدياد في المناطق السكنية بمقدار 5% سنوياً، والبدائل قليلة لذلك تصبح الرقعة الزراعية مهددة، فالكثافة العالية لقطاع غزة سبب رئيسي من أسباب قلة المساحات الزراعية، خاصة مع التوسع الأفقي في الاسكان وليس الرأسي الذي يطالبون به كوزارة.

ووعد أبو شمالة أن قطع 300 شجرة سيعني زراعة 2500 شجرة، لافتاً إلى أن مساحة الحمضيات بفعل الانتهاكات الاسرائيلية تقلصت إلى عشرة آلاف دونم عشرة كيلومتر مربع، ولكن مؤخرا وبسبب جهود المزارعين والوزارة زادت إلى عشرين الف دونم عشرين كيلو متر مربع، وكذلك النخيل كان هناك 80 الف نخلة في قطاع غزة واليوم أصبح العدد يزيد عن 200 الف نخلة.

قطع الشجر شيء سيء

الخبير الزراعي فلاح عبد القادر يونس والذي قابلته المونوتر في مقهى بغزة يقول أن قطع الأشجار شيء سيء مهما كانت أسبابه، فأي مشروع يزيل جزء أخضر يوفر الأوكسجين والظل ويحمي البيئة من الغبار هو مشروع ليس ناجحاً.

ويؤكد أن شجر الكينيا الوارف الموجود منذ ستينات القرن الماضي يعتبر عازل طبيعي، مشدداً على أن شجرة الكينيا بالذات دائما تحمي نفسها عن طريق تكوين الخلايا "الفينولية" التي تقاوم الأمراض، وإذا أصابها مرض فإنه يكون بفعل البشر وتقشيرهم للحاء الشجرة.

ويستغرب كيف يتم قطع شجرة عمرها يزيد عن الستين سنة وزرع جديد بديلاً عنها من أجل انتظار ستين سنة أخرى لتنمو، متسائلاً :"ألا يمكن تجميل هذا الشجر وإبقائه في الطرق الجديدة دون خلعه؟"، نافياً أن تكون هناك شجرة كينيا واحدة طوال الثلاثين سن الماضية سقطت على أحد بسبب الريح أو غيره فالشجر قوي وقطر محيطه أكثر من متر، ولكنه يقر بوقوع حوادث السيارات على شارع صلاح الدين.

الاحتلال يقتل الشجر قبل البشر

ليس أسباباً كالاسمنت والمشاريع الإسكانية وكثافة السكان التي تبلغ نسبتها 4505 فرداً للكيلو متر المربع الواحد، والتخطيط العمراني السيء، وحدها التي تهدد المساحات الخضراء، بل هناك الاحتلال الاسرائيلي أيضاً.

فبحسب احصائيات لوزارة الزراعة يوجد ثلاثة ملايين وثلاثمئة وست وستين ألف شجرة وما يزيد عن السبعين ألف دونم زراعي جرفها الاحتلال في القطاع منذ بداية الانتفاضة الثانية عام 2000، بخسائر تقترب من المليار دولار.

ويرى الخبير يونس أن الاحتلال عاملا رئيسياً لتقليل المساحات الخضراء، متذكرا في بداية عمله قبل ثلاثين عاماً أن مساحة الحمضيات كانت في القطاع 75 الف دونم، ونافست الحمضيات الاسرائيلية في أسواق شرق أوروبا ما جعل الاحتلال يحاربها ونجح حين كان يدير القطاع مدنياً بأن أعطى لكل مزارع 700 شيكل أي حوالي 190 دولار مقابل خلع كل دونم من الحمضيات وزرع بدلاً عنه الخضار، لتنتشر بعدها الدفيئات الزراعية، ومن ثم بدأت اجتياحات الجيش وحروبه ليقوم بخلع ملايين من أشجار الحمضيات والكينيا والزيتون وغيرها.

More from Asmaa al-Ghoul

Recommended Articles