تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

بيروت: هجوم إيراني مضاد على الرياض

Lebanon Hezbollah parliament members Ali Ammar (C) and Sayyed Nasrat Kashakesh talk to the families of kidnapped Lebanese Shi'ite pilgrims, during a sit-in in Beirut's suburbs May 23, 2012.  The kidnap by Syrian gunmen of Lebanese Shi'ite pilgrims caused international allies and adversaries of President Bashar al-Assad to sound an alarm on Wednesday about a spread of sectarian violence across Syria's borders. REUTERS/ Jamal Saidi (LEBANON - Tags: CIVIL UNREST POLITICS CRIME LAW) - RTR32IXJ

ثلاثة أسابيع من التطورات اللبنانية كانت كافية لإزالة الانطباع السابق عن انفراج نسبي في العلاقة بين السعودية وإيران، على الأقل في لبنان. هذا الانطباع كان قد تكون بعد الإجماع النيابي اللبناني على تسمية نائب بيروت تمام سلام تكليف حكومة لبنانية جديدة في 6 نيسان. وهو انطباع كانت له في البداية عناصر عدة للدلالة عليه. فالسفير السعودي في بيروت علي عواض العسيري، أبدى انفتاحاً واضحاً على حزب الله. حتى أنه قيل انه فتح قناة خاصة للاتصال بالتنظيم الشيعي الأقوى في لبنان، عبر مسؤول أمني لبناني رسمي موثوق من قبل الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله شخصياً. لا بل بدأت تتردد ترجيحات عن أن نائب نصرالله، الشيخ نعيم قاسم، سيقوم بزيارة إلى السعودية على رأس وفد من حزبه. على أن يكون على جدول أعمال تلك الزيارة البحث في العلاقات الثنائية بين ضاحية بيروت الجنوبية، معقل حزب الله، وبين الرياض. إضافة إلى مسألة تأليف الحكومة الجديدة والاتفاق على قانون جديد للانتخابات النيابية، بما يضمن حصولها قبل نهاية ولاية البرلمان الحالي في 20 حزيران المقبل، تجنباً لدخول لبنان في المجهول.

غير أن هذا الانطباع التفاؤلي لم يلبث أن تراجع بشكل كبير. ليظهر أن سياسة عض الأصابع بين المحورين الإيراني والسعودي في بيروت، مع مختلف حلفاء كل من البلدين، لا تزال هي المسيطرة حتى إشعار آخر.

ففي مكان ما بدا وكأن الفريقين كانا قد دخلا في عملية تضليل تمويهية ضد الآخر. او محاولة تحصين مواقع وتحسين موازين قوى وتحشيد قدرات وطاقات، تمهيداً للهجوم على الفريق الخصم بشكل مباغت. فالمحور السعودي من جهته، وتحت ستار انفتاحه على حزب الله في بيروت، كان يخوض معركة إقليمية واضحة لإحكام الحصار على النظام السوري وصولاً إلى إسقاط الأسد. وهو ما يمكن الاستنتاج منه، أن السعوديين فيما كانوا يستعدون للهجوم على دمشق، رأوا أنه من الحكمة عدم فتح أكثر من جبهة واحدة في وقت واحد. فهادنوا حزب الله وأظهروا حسن نية تجاهه، فيما كانت الكماشة العربية الغربية والتركية تطبق تدريجياً على عنق الأسد.

وفي المقابل، بدا أن حزب الله ومن خلفه الإيرانيين، لم يُخدعوا طويلاً بتلك المناورة السعودية. فبعد أيام قليلة على عمليات جس النبض في بيروت، بدأ هؤلاء هجومهم المضاد. ذلك أن تصلب حلفاء الرياض اللبنانيين حيال مسألتي تاليف الحكومة  وقانون الانتخابات، كان كافياً ليدرك محور حزب الله حقيقة المناورة، وليبدل من تكتيكه، وصولاً إلى الهجوم المضاد على كل المحاور تقريباً.

هكذا فيما بدا وكأن السعودية تراهن على تطورات عسكرية ميدانية لصالحها في سوريا، جاءت الأخبار من ساحات القتال هناك لصالح المحور الإيراني. إذ تبين أن "عنصراً" ميدانياً ما قد إضيف إلى موازين القوى هناك، بحيث أحدث فرقاً نوعياً على الأرض. ففي غضون أسبوعين تقدمت القوى المؤيدة للنظام في كل المناطق المحيطة بدمشق، وصولاً إلى ريف حمص. وأهمية هذا الأمر عسكرياً، أنه يجعل كل الحدود اللبنانية السورية، على مدى نحو 370 كيلومتراً، خاضعة لسيطرة النظام السوري من جهة وحلفائه اللبنانيين من جهة أخرى. والأهم أن هذا الأمر يجعل قسماً كبيراً من الطائفة السنية، التي تدعمها السعودية تقليدياً في لبنان، ويقدر بنحو نصف مليون نسمة منتشرين بين عكار وطرابلس في شمال لبنان،  يجعله محاصراً ومعزولاً بين مطرقة الجيش السوري وسدان القوى اللبنانية الصديقة له.

كما أن مؤشرات الهجوم المضاد على السعودية في لبنان لم يتوقف عند هذا الحد. فبعد كلام عن زيارة لم تحصل لوفد من حزب الله إلى الرياض، تردد كلام صحافي عن زيارة قام بها السيد نصرالله إلى طهران في الأيام الأخيرة. ورغم كثرة التحليلات عن أهداف تلك الزيارة وتوقيتها، لوحظ أن حزب الله قابلها بصمت كامل. فلم يؤكدها ولم ينفها. علماً أن أخبار تلك الزيارة السرية ترافقت مع صورة وزعت على مواقع التواصل الاجتماعي، لنصرالله مع المرشد الأعلى للثورة الإيرانية السيد علي خامنئي. فيما اكتفت أوساط قريبة من حزب الله بالتعليق على تلك الصورة، بأنها إذا كانت فعلاً من الأرشيف، يظل واضحاً أنها لا تعود إلى زمن قديم.

خطوة أخرى يمكن إدراجها ضمن الهجوم المضاد والشامل نفسه، إعلان اسرائيل عن إسقاطها طائرة من دون طيار فوق البحر قرب حيفا، وهي آتية من لبنان. حزب الله سارع إلى إعلان عدم علاقته بالأمر، على عكس الحادثة المماثلة السابقة مع طائرة "أيوب" التي تبناها الحزب في 9 تشرين الأول الماضي. لكن البعض رأى في هذا النفي مسألة شكلية ملازمة ربما لفشل "أيوب – 2" في الدخول إلى عمق الأراضي الاسرائيلية. إلا إذا كان الهدف منها هو مجرد التحليق فوق حقول الغاز الاسرائيلية في المتوسط.  عندها تكون قد أنجزت مهمتها في إيصال الرسالة، وهو ما يبرر رواية النفي الرسمي لحزب الله أيضاً. علماً أن أوساطاً قريبة من الحزب ظلت طيلة اليومين الماضيين، تتناول الحادثة من باب التندُّر الغامض، وذلك عبر التساؤل: ماذا لو كان بعض الفتية في جنوب لبنان يلعبون بطائرة بجهاز تحكم وتوهم الاسرايليون أن حزب الله يشن حرباً عليهم؟؟

أكثر من ذلك، يعتقد البعض في بيروت أن الهجوم الإيراني المضاد على التقدم السعودي الذي تحقق مع استقالة رئيس الحكومة اللبنانية السابق نجيب ميقاتي، تخطى الساحة اللبنانية. حتى أنه بلغ البحرين وحتى العراق. حيث بدا الحديث عن اكتشاف مخازن أسلحة للمعارضين في المنامة، أو دخول قوات المالكي إلى الحويجة وتهديدها بدخول مماثل إلى الأنبار، استكمالاً لهجوم إيراني مضاد على كل الجبهات.

ماذا يعني هذا الأمر لبنانياً؟ إنه يؤكد مرة جديدة أن اي تسوية لبنانية تحتاج إلى مظلة دولية لا تقل عن حد أدنى من التفاهم بين واشنطن وطهران. تفاهم يرجح أن يكون مستحيلاً قبل جلاء استحقاقات عدة، من الانتخابات الإيرانية الرئاسية في حزيران المقبل وصولاً إلى نتائج مفاوضات آلما آاتا بعد استئنافها، وإذا ما استؤنفت. لكن في الانتظار يبدو الوضع اللبناني أمام حتمية كسب بعض الوقت. ما يعني إما التمديد للأزمة، عبر التمديد لمجلس النواب وتمديد عملية البحث عن حكومة جديدة، وإما الانفجار. علماً أن معظم الأطراف اللبنانيين كما الخارجيين يفضلون الاحتمال الأول...

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial