تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تركيا "أردوغان" تتحول إلى "الحضن الدافئ" للفلسطينيين

Palestinian President Mahmoud Abbas (L) and Turkey's Prime Minister Recep Tayyip Erdogan pose before a meeting in Ankara February 29, 2012. REUTERS/Umit Bektas (TURKEY - Tags: POLITICS) - RTR2YMY2

لم يكن رئيس الوزراء التركي "رجب طيب أردوغان" بحاجة لتصريحاته الأخيرة التي ربط فيها بين الصهيونية والعنصرية ليكسب مزيداً من الشعبية والجماهيرية بين الفلسطينيين، وإن أسفرت أقواله الأخيرة عن ردود فعل غاضبة في إسرائيل، صبت المزيد من "الزيت على نار" العلاقات المتأزمة بين تل أبيب وأنقرة منذ حادثة سفينة مرمرة على شواطئ غزة قبل ثلاثة أعوام!

ولعل السائر في شوارع قطاع غزة لا تخطئ عينه رؤية صور عديدة لـ"أردوغان"، ومحال كثيرة تحمل اسمه، بل إن سجلات الولادة في المشافي الفلسطينية باتت تدون اسم "أردوغان" للكثير من المواليد، حباً فيه، وطمعاً في دوره، يغني الفلسطينيين عن حالة انسداد الأفق من الدعم المرجو من الأشقاء العرب!

وخلافاً للمعطيات الدينية والوجدانية والتاريخية للقضية الفلسطينية لدى الأتراك عموماً، وحزب العدالة والتنمية ذي الميول الإسلامية خصوصاً، فإن المقاربة التركية للقضية الفلسطينية تقوم على منطلقات مبدئية، قانونية، وسياسية، استفاد منها "أردوغان" في تصريحاته المنددة بإسرائيل في كلا الحدثين: الأول في منتدى "دافوس" قبل عامين، والثاني في تحالف الحضارات قبل أيام في فيينا.

ويفترض التعاطي التركي مع هذه الأسس المرتبطة بالقضية الفلسطينية تحقيق السلام العادل والشامل، كجزء لا يتجزأ من سياسة "العمق الاستراتيجي"، و"تصفير النزاعات"، التي أعلنها رئيس الدبلوماسية التركية "داوود أوغلو" منذ أن عين وزيرا ً للخارجية.

وقد رتّب ذلك على الأتراك موقفاً من الفلسطينيين يهدف لدعم مطلب تحقيق دولة على حدود 1967 وعاصمتها القدس، بما يعني عملياً دعم السلطة الفلسطينية، ودعم حق الدفاع عن النفس ضد الاحتلال والحصار، بما يعني دعم حركة حماس.

·         المصالح والمبادئ

في المحصلة بدا أن هناك حرصاً تركياً على الوحدة الوطنية الفلسطينية، وما يمكن أن يسمى "عقلنة حماس"، وتوفير الخيار المناسب لها عبر طرح البديل لتهيئة الأرضية لها، لتتخلى عن مسارات أخرى تم فيها استغلالها وتوظيفها بما لا يخدم القضية الفلسطينية ولا الفلسطينيين، ولا المنطقة برمتها.

وترافق ذلك مع قراءات تشير إلى تراجع أسهم القضية الفلسطينية كثيراً في ظل الثورات العربية، وشكل تناقص الاهتمام الإعلامي مؤشراً على ضعف الموقف الفلسطيني في ظل انشغال الشعوب العربية بترتيب أوضاعها من الداخل بعيداً عن شعارات نصرة فلسطين، أو العداء لإسرائيل.

وعلى صعيد العلاقة مع تركيا، جاء التقييم الفلسطيني لمرحلة ما بعد إسقاط بعض الأنظمة العربية، وتلك المرشحة للسقوط، مرتبطاً بانعكاس هذه التغيرات الإقليمية على حركة السياسة الخارجية التركية تجاه الفلسطينيين، باعتبار أنّها قد توفر لها زخماً كبيراً لإنعاش دورها في القضايا الإقليمية، ومنها القضية الفلسطينية.

ويتزايد ذلك مع تراجع التحفظات والحساسية المصرية، التي سادت إبان النظام السابق تجاه الدور التركي، وانشغال مصر "الثورة" بأوضاعها الداخلية، بجانب أن الموقف التركي من الثورات العربية جاء مبكراً بتبنيها، على اعتبار أنها امتداد لثورة الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي، مما جعل قلوب الفلسطينيين تهتف للأتراك، باعتبارهم المناصرين لقضايا الشعوب، والمنتصرين "للمبادئ على حساب المصالح".

وما لبثت أن أصيبت السياسة التركية تجاه فلسطين بانتكاسة حقيقية، مع تدهور العلاقات مع إسرائيل على خلفية حادثة "أسطول الحرية"، لانتهاء دور الوساطة من جهة، وافتقاد أنقرة للآليات التي تخوّلها الضغط الحقيقي على تل أبيب، في ظل انحياز واشنطن لها، دون أن يعني ذلك تخليها عن دعم القضية الفلسطينية.

ومع واقع الثورات العربية، وتدهور علاقات تركيا مع كل من "إسرائيل وسوريا وإيران" -ويا للمفارقة- أصبحت قدرتها في الدخول الفعّال على القضية الفلسطينية أصعب، ولوحظ أنّها لم تعد تحتل الموقع ذاته في أجندتها، فقد تراجعت إلى الخلف نظراً لتقدّم الأحداث الملتهبة، وتفاقم التحديات الخطيرة على صعيد السياسة الخارجية التركية، والتطورات الإقليمية، لاسيما العلاقة مع سوريا وإيران، وانعكاسات الأزمة السورية على الداخل التركي، خاصة موضوع حزب العمال الكردستاني.

في الجانب الآخر من المعادلة، يرى الفلسطينيون بضرورة التمسك بدور تركيا نظراً لموقعها ودورها الإقليمي، ويمثل جزءً حاسماً من المجال الإقليمي، وما تحمله تجاه الحالة الفلسطينية من صلات دينية وخلفيات تاريخية ثقافية، وكون القضية الفلسطينية إحدى القضايا المركزية في السياسة الخارجية التركية، كما أن بقاء الدور التركي تجاه الفلسطينيين أكثر زخماً عن غيره من دول المنطقة، المنشغلة بملفاتها الداخلية، وهو ما تؤكده العديد من الأنشطة العملية في الضفة الغربية وقطاع غزة، خاصة ما يتعلق بالمساعدات المالية الاقتصادية.

لهذا مثلاً، رأينا كيف حافظ الفلسطينيون بشقيهم "المسلح والمفاوض"، على علاقات متوازنة مع أنقرة، فالسلطة الفلسطينية تعتقد أن علاقات وثيقة معها تحفظ لها عمقاً إقليمياً بات يتراجع بعد سقوط حليفها الأول في مصر، لاسيما وأن تركيا ملتزمة رسمياً بخط عملية السلام، والدعوة الدائمة للمفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مما يعتبر تبنياً واضحاً لموقفها.

·         احتضان حماس

أمّا حماس، فتعتبر أن تركيا "أردوغان" تمثل الحاضن الأكثر دفئاً لها في الإقليم الذي يعاني "خضات" غير محسوبة العواقب، وليس أدل على ذلك من استيعاب المدن التركية للعشرات من كوادرها وعناصرها ممن لجأوا إليها بعد أن ضاقت عليهم سوريا، فضلاً عن الاستقبالات الدائمة لقيادات الحركة من قبل شخصيات سياسية نافذة في دوائر صنع القرار التركي، بدءً بالرئيس "غول"، مروراً برئيس الوزراء "أردوغان"، وانتهاءً بوزير الخارجية "أوغلو"، رغم ما سببته هذه الزيارات من ضغوط خفية وعلنية عليها من قبل واشنطن وتل أبيب تحديداً.

كما أن الموقف التركي الذي يمكن وصفه بـ"الوسطي" بين كفتي الساحة السياسية الفلسطينية، فتح وحماس، يجعلهما معاً في حاجة إليه، ولئن كانت أنقرة "فتحت شهية" حماس في كونها "عرابة" لها على الساحتين الإقليمية والدولية، بفعل صلاتها الواسعة، والجهود التي تبذلها لقبول الغرب بها، فإن ذلك يعتبر تحقيقاً لرغبة فتح التي تأمل بـ"ترويض" حماس سياسياً، وإدخالها في العملية السياسية، ولو بخطى متأنية، وليس أقدر على القيام بهذا الدور في المدى المنظور سوى الأتراك.

وفي قراءة استشرافية مستقبلية، يمكن القول أن الموقف التركي من القضية الفلسطينية ستقف أمامه جملة من العقبات الإشكالية، أهمها: الانقسام الفلسطيني، حيث ستحاول تركيا المرحلة القادمة العمل بشراكة مع المصريين لجمع الأطراف الفلسطينية في مسار واحد، وإنهاء حالة الانقسام التي تعطّل بدورها تفعيل السياسة التركية في القضية الفلسطينية.

كما أن بقاء العلاقات الدبلوماسية التركية-الإسرائيلية المتدهورة على وضعها الحالي يعيق توظيف ذلك الموقف، بجانب السلوك الإيراني الذي أعلن عن مساراته الإقليمية المخالفة تماماً للمسار التركي، ولن يقف متفرجاً أمام أي محاولات تركية لدعم القضية الفلسطينية، بما يتعارض مع الرؤية الإيرانية، فضلاً عن التخوف الأمريكي والأوروبي من تجاوز تركيا للخطوط "المقبولة"، ولعب أدوار تتعارض مع المصالح الغربية في المنطقة، وإثارة بعض الحساسيات العربية، قبل وبعد الثورات الأخيرة.

مقابل هذه التحديات، ربما تخلق المتغيرات الإقليمية فرصاً أخرى لتركيا، ليصبح تحركها في احتضان القضية الفلسطينية أكبر، وبعد أن كانت مجرد خيار للفلسطينيين لموازنة الدورين الإيراني والسوري، أصبحت أنقرة بديلاً، ومن المتوقع أن يستبدل المسار التركي-المصري، بالمسار السوري-الإيراني خلال المرحلة القادمة.

وفي المقابل، يحرص الفلسطينيون على إبقاء الدعم التركي الرسمي والشعبي لقضيتهم مستمراً، والاستفادة من فهم تركيا لأصول اللعبة الدولية في دعمها، واستثمار سياستها الخارجية لما فيه مصلحتهم.

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial