نبض تركية

تركيا وعمليّة وقف إطلاق النار التي دعمتها يومًا

p
بقلم
بإختصار
تقف تركيا في وجه المطالب الدوليّة وتتحدّى القرار الأممي الذي يقضي بوقف إطلاق النار في سوريا.

قد تجد تركيا نفسها مجبرة على دفع ثمن دبلوماسي باهظ بسبب تجاهلها القرار رقم 2401 الصّادر عن مجلس الأمن الدّولي في 24 شباط\فبراير والذي يقضي بوقف إطلاق النار في سوريا، إذ دعا القرار الأممي الأطراف في سوريا إلى احترام وقف إطلاق النار وذلك لمدّة ثلاثين يومًا. أيّدت أنقرة هذا القرار في بادئ الأمر، إلى أن أدركت أنه لا يستثنيها.

وكان وزير الخارجيّة الروسي سيرغي لافروف قد قال "إنه يتعيّن على الأطراف الفاعلة جميعها في سوريا احترام النّداء الأممي بوقف إطلاق النار لمدّة ثلاثين يومًا في كافة أنحاء البلد". ولكنّ أنقرة تدّعي الآن أنّ تركيا غير مقصودة بهذا النداء.

يكمن الهدف من عمليّة وقف إطلاق النار في السّماح بوصول المساعدات الإنسانيّة إلى المدنيّين. غير أنّ الاستمرار في القتال ضدّ تنظيم الدّولة الإسلاميّة (داعش)، وتنظيم القاعدة، وجبهة فتح الشام والجماعات التابعة لها مسموح بموجب هذا القرار. كما تسعى تركيا إلى طرد وحدات حماية الشّعب الكرديّة من عفرين باعتبار أنّها تابعة لجماعة إرهابيّة.

ولكن سرعان ما أوضح كلّ من الولايات المتّحدة، وفرنسا وألمانيا أنّ عفرين جزء من عمليّة وقف إطلاق النار. وفي حين لا يزال الخلاف قائمًا بين تركيا وشركائها الغربيّين، عملت تركيا على نشر فرق العمليّات [العسكريّة] الخاصّة من أجل المرحلة الثانية من العمليّة.

تواصل الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هاتفيًا في 26 شباط\فبراير. وجاء في بيان صادر عن ماكرون إنه أبلغ أردوغان "أنّ الاتّفاق الإنساني يشمل سوريا بأكملها، بما في ذلك عفرين، ويتعّين تنفيذه بالكامل ومن دون أيّ تأخير".

وفي اليوم التالي، أشارت المتحدّثة باسم وزارة الخارجيّة الأميركيّة هيذر نويرت إلى أنّ القرار ينطبق على سوريا بأكملها، داعية تركيا إلى إعادة قراءة نصّ القرار. وفي حين دعت وزارة الخارجيّة الألمانيّة تركيا إلى احترام القرار، طالب الاتّحاد الأوروبي في بيانات صادرة عنه أن توقف تركيا عمليّاتها في عفرين.

جاء الردّ التركي حازمًا بمقدار التحذيرات. فقالت وزارة الخارجيّة التركيّة إنّ الحديث مع ماكرون لم يتطرّق إلى عفرين، متّهمة فرنسا بالكذب. كما رأت أنقرة أن نويرت لا تستند إلى أي أساس في تصريحاتها وأنه إمّا لم تستوعب القرار أم أنّها كانت تتقصّد التضليل في تفسيرها.

لفت أردوغان إلى أنّ تركيا ستقاوم كلّ من يواجهها، وتحدّث عن وجود آلات مصنِّعة للإسمنت من شركة لافارج الفرنسيّة في عفرين، في إشارة منه إلى الدّعم الفرنسي لوحدات حماية الشّعب. أجرت فرنسا تحقيقًا في دور لافارج في تمويل داعش وغيره من الجماعات المتطرّفة في سوريا، ولم تعد لافارج تدير مصنع للإسمنت في بلدة جلابية، الواقعة بين كوباني [عين العرب] وعين عيسى في شمال شرق سوريا، والتي استولى عليها داعش قبل [استيلاء] وحدات حماية الشّعب عليها.

تسيطر تركيا على شريط من الأراضي يشبه الهلال بعمق 20 كيلومترًا (12 ميلًا) حول عفرين. وعلى الرّغم من تصاعديّة الخطابات ضدّ تركيا، لن تتوقّف عمليّات أنقرة. إلى ماذا تسعى تركيا؟ هي تسعى إلى إنهاء سيطرة وحدات حماية الشعب على عفرين، ووضع حدّ للهدف الكردي المتمثّل بتحقيق "حكم ذاتي ديمقراطي"، وإعادة توطين اللّاجئين السّوريّين الذين هربوا إلى تركيا في عفرين — وتكرار السيناريو عينه في منبج.

لماذا تنصبّ أنقرة على إبقاء العملية مستمرّة؟

  • ترى تركيا أنه في حال توقّف العمليّة، سيستحيل خلق الظّروف الدّبلوماسيّة والعسكريّة اللّازمة لنجاحها.
  • سيلقي الفشل في تحقيق الأهداف المعلنة بظلاله على قدرة الرّدع الخاصّة بتركيا في المنطقة.
  • في حال صمود وحدات حماية الشّعب، ستزداد قوّتها، وقد لا تحظى تركيا بفرصة ثانية للتدخّل.
  • لا تستطيع الحكومة التركيّة المجازفة بالخسارة في عفرين وذلك لاعتبارات سياسيّة محليّة. لقد تحوّلت هذه العمليّة إلى حملة قد تؤثّر على الحسابات الرّئاسية للرّئيس أردوغان.
  • قد يُضعف التراجع في عفرين التأثير التركي على التطوّرات الأخرى في سوريا.

وقد نشرت تركيا قوّات النّخبة في عفرين، مستندة إلى هذه التّقييمات. وقادت فرق العمليّات الخاصّة من الدّرك والشّرطة التي تمّ إرسالها إلى عفرين الحملات العسكريّة في المناطق الحضريّة ضدّ المسلّحين الأكراد في المحافظات والمدن ذات الغالبيّة الكردية في جنوب شرقي تركيا. وقد حوّلت تلك الحملات منطقة سور التاريخيّة في محافظة ديار بكر التركيّة إلى ركام، إذ هدمت 1,786 مبنىً في محافظة نصيبين وشرّدت بين 300 ألف و500 ألف شخص. وباتت فرق العمليّات الخاصّة تُعرف بعدم مساومتها.

تهلّل وكالة الأناضول للأنباء التي تديرها الدّولة لفرق العمليّات الخاصّة هذه باعتبارها "كابوس الإرهابيّين". وتنتشر الفرق الآن بالقرب من بلدتي جنديرس وراجو، وستُكلّف بتفكيك المتفجّرات وتفتيش المباني قبل انضمامها إلى عمليّة وسط مدينة عفرين.

تثير استعدادات الحرب في المناطق الحضريّة مخاوف إضافيّة من وقوع خسائر ماديّة وإصابات في صفوف المدنيّين. غير أنّ الارتياح يسود على الحكومة والقيادة العسكرية التركيّة. أعلن الجيش في 1 آذار/مارس عن "القضاء على 2,222 إرهابيًا"، وكما جرت العادة لم يوفّر [الجيش] أيّ إحصاءات حول عدد الإصابات في صفوف المدنيّين.

تضع تركيا هدفين أساسيّين نصب عينيها من خلال التّخطيط الاستراتيجي والتكتيكي. إذ تعتزم فتح ممرّ بين أعزاز وإدلب للرّبط بين قوّاتها بالوكالة، وذلك بعد دخول وسط مدينة عفرين، بعد بلدتي جِنديرس وراجو. وقد أعطت روسيا "موافقة حذرة" على العمليّة التركيّة بالعموم. بالإضافة إلى ذلك، ستعتمد المرحلة الجديدة على موقف روسيا.

يعطي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنقرة حرّيّة التصرّف وذلك لأنّه يولي أهميّة للتأثير التركي على عدد كبير من المجموعات المسلّحة. ويأمل بوتين في أن ينجح أردوغان في إقناع فيلق الرحمن وأحرار الشام التابعين لجماعة الإخوان المسلمين بأن يسمحا للمدنيّين بالخروج من الغوطة الشرقيّة المجاورة لدمشق في جنوب سوريا. يعوّل بوتين أيضًا على السعودية للقيام بالأمر عينه مع جيش الإسلام الذي يسيطر على أجزاء واسعة من الغوطة الشرقيّة. أما الجماعة المحليّة الرّابعة التي تؤدّي دورًا هناك فهي حركة تحرير الشام المرتبطة بتنظيم القاعدة والتي تتعامل معها تركيا لإقامة مناطق خفض التصعيد في إدلب.

قد يحاول بوتين إحراز تقدّم في عمليّة وقف إطلاق النار في الغوطة الشرقيّة، وبعدها في إدلب، من دون أن يسيء لأردوغان، لكنّ ذلك لا يعني أنه سيُلقي لأردوغان الحبل على الغارب.

جاءت ردّة الفعل الأميركيّة جزءًا من آليّة منطقيّة مشابهة للنمط الذي تنتهجه روسيا. إذ ترى واشنطن في العمليّة التركيّة في عفرين تعويقًا لقتالها ضدّ داعش. وبهدف إبقاء الولايات المتّحدة على تركيا، حليفتها في حلف شمالي الأطلسي (الناتو)، إلى جانبها، شكّلت لجنة أميركيّة - تركيّة مشتركة للتوصّل إلى وسيلة لإخراج وحدات حماية الشّعب من منبج، مرتكزة على القرار الأممي لكبح تركيا.

صحيح أنّ القرار الأممي قد يفشل في إيقاف العمليّة التركيّة في عفرين، غير أنّه يقف حاجزًا أمام تركيا على الصّعيد الدولي. هل ستعمد أنقرة إلى تفعيل المفاوضات بهدف تدارك الضّغط الدّبلوماسي الذي تتعرّض له؟ يتعيّن على تركيا أن تستعدّ لمواجهة قائمة طويلة من المشاكل في حال انعكاس موقفها المتصلّب ميدانيًا.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept