تعديل قانون الأحوال الشخصيّة... دعاية مبكرة للتيّار الإسلاميّ في العراق

فيما يقترب البرلمان العراقيّ من نهاية دورته الحاليّة، اقترحت الكتل الإسلاميّة تعديل قانون الأحوال الشخصيّة بالشكل الذي يضمن تطبيق الشريعة الإسلاميّة، الأمر الذي أثار سخط الأطراف العلمانيّة في البلاد واعتراضها عليه، وطرح كثير من التساؤلات حول توقيت هذا المقترح ونواياه، حيث سبق وعارضته المرجعيّة الشيعيّة.

al-monitor .

المواضيع

draft law, iraqi constitution, sharia, children's rights, islamists, women's rights, child marriage

نوف 16, 2017

من جديد، تحاول الأطراف الإسلاميّة في البرلمان العراقيّ، تعديل قانون الأحوال الشخصيّة رقم 188 لسنة 1959، وهي تستند في ذلك إلى المادّة الدستوريّة رقم 41 والتي نصّت على أنّ "العراقيّين أحرار في الالتزام بأحوالهم الشخصيّة".

وقدّم النائب عن التحالف الوطنيّ الشيعيّ حامد الخضري مقترح تعديل القانون في 2 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وهي المرّة الثانية التي يحاول فيها التحالف إقرار قانون جديد للأحوال الشخصيّة، فقد سبقه في ذلك وزير العدل السابق إحسان الشمري في عام 2013 باقتراح "قانون الأحوال الجعفري" بالاستناد إلى المادّة 41 من الدستور أيضاً، قبل أن يتمّ التراجع عنه بضغط شعبيّ كبير.

السخط الجماهريّ هذه المرّة كان أكبر، كما أنّ بعثة الأمم المتّحدة في العراق يونامي عبّرت عن قلقها من مشروع تعديل القانون، وحثّت على "توسيع نطاق المشاورات حول مسوّدة قانون تعديل قانون الأحوال الشخصيّة لضمان حماية حقوق المرأة واحترامها".

وتركّز الانتقادات على نسف التعديل المقترح أسس القانون القديم، فقراءة سريعة للتعديل تشير إلى أن تلتزم المحكمة عند إصدار قراراتها في المسائل التي تناولتها نصوص قانون الأحوال الشخصيّة رقم 188 لعام 1959 المعدّل وغيرها من المسائل المتعلّقة بالأحوال الشخصيّة، باتّباع ما يصدر عن المجمع العلميّ في ديوان الوقف الشيعيّ، والمجلس العلميّ والإفتائيّ في ديوان الوقف السنّيّ، وتبعاً لمذهب الزوج، ويصحّ أن يكون سبباً للحكم.

ومنحت فقرة أخرى من المادّة ذاتها تفسير أمور الزواج والإرث وغيرها من الأحكام الأخرى إلى فقهاء المذهبين، ويلتزم المجلس العلميّ في ديوان الوقف الشيعيّ بإجابة المحكمة عن استيضاحها وفقاً للمشهور من الفقه الشيعيّ، وعند عدم الشهرة يؤخذ برأي المرجع الدينيّ الأعلى في النجف. كما يلتزم المجلس العلميّ والإفتائيّ بإجابة المحكمة وفقاً للمشهور من الفقه السنّيّ.

ويمكن تسجيل بعض الملاحظات على نصّ القانون المقترح، من بينها أنّه خرق مبدأ الفصل بين السلطات والتي نصّ عليها بالمادّة 47 من الدستور، واستقلال القضاء كما نصّت عليه الفقرة الأولى من المادّة 19 من الدستور كونه ربط محكمة الأحوال الشخصيّة بالمجلس العلميّ للإفتاء في ديواني الوقفين السنّيّ والشيعيّ.

ويتمثّل الخرق الآخر لمقترح القانون بتعارضه مع نصّ المادّة 14 من الدستور التي نصّت على أنّ العراقيّين متساوون أمام القانون من دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القوميّة أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصاديّ أو الاجتماعيّ.

كما يتعارض أيضاً مع توصيات اللجنة المعنيّة باتّفاقية القضاء على كلّ أشكال التمييز ضدّ المرأة (سيداو)، والتي تضمّنت ضمن توصياتها إلغاء المادّة 41 من الدستور العراقيّ.

وأخيراً، يخالف التعديل المقترح قرار مجلس الأمن الدوليّ رقم 1325 والخطّة الوطنيّة لتنفيذ القرار والمتعلّقة بضرورة تعديل التشريعات التمييزيّة ضدّ المرأة.

قال القياديّ في التحالف الشيعيّ الحاكم محمّد المسعودي لـ"المونيتور" إنّ "بعض الأطراف العلمانيّة في البرلمان العراقيّ هي فقط من تعارض تعديل قانون الأحوال الشخصيّة"، مشيراً إلى أنّ "القانون سيمرّر في هذه الدورة الانتخابيّة أو الدورة المقبلة على أقصى تقدير، لأنّه من القوانين التي أوجب الدستور تشريعها".

وتابع: "هناك الكثير من الفوائد والمزايا في القانون المقترح، فهو يعطي الحقوق الإسلاميّة للمرأة والأسرة، ويمنح لكلّ فرد حرّيّة اختيار الأحكام الدينيّة الواردة في مذهبه، ويقنّن الزيجات التي تحدث خارج المحاكم منذ سنوات".

وعن زواج القاصرات، قال المسعودي إنّ "بعض الطوائف الإسلاميّة أجازت ذلك، ولا يمكن منع الشريعة بواسطة قانون، كما نصّ الدستور العراقيّ الذي منع تشريع أيّ نصّ يتعارض مع الإسلاميّ".

في المقابل، تعوّل الأطراف المدنيّة الرافضة لتعديل قانون الأحوال الشخصيّة على الضغط الجماهريّ، وموقف المرجع الشيعيّ الأعلى آية الله علي السيستاني الذي سبق وحال دون تشريع قانون الأحوال الجعفري، كما أشارت الناشطة المدنيّة ونائب رئيس منظّمة برج بابل ذكرى سرسم التي قالت في تصريح إلى "المونيتور": "الأيّام المقبلة ستشهد تنظيم تظاهرات كبيرة تطالب بسحب تعديل قانون الأحوال من البرلمان، كما سنحاول بيان رأي السيستاني في هذا الخصوص".

ورأت سرسم أنّ "القانون المعدّل يراد منه استعباد المرأة العراقيّة وإرجاع البلاد إلى عصر ما قبل الحضارة، وفيه مخالفات دستوريّة وقانونيّة كثيرة أبرزها التمييز بين العراقيّين بحسب المذهب أو المعقتد، والتأسيس لدولة دينيّة ومحاربة التيّار المدنيّ".

وعلى الرغم من موقف التيّار المدنيّ وبعثة الأمم المتّحدة التي دعت إلى مزيد من النقاشات في هذا القانون، لا يبدو أنّ التيّار الإسلامي سيقف عند هذا الحدّ وسيحاول تطبيق الشريعة الإسلاميّة ما دام الدستور العراقيّ ينصّ على تشريع قانون جديد للأحوال الشخصيّة وعدم إلزام المواطنين بتشريع واحد، إذاً فالمسألة متعلّقة أيضاً بتعديل الدستور العراقيّ الذي تتعارض مواده في قضايا خلافيّة كثيرة.

بعبارة أخرى، يمثّل هذا القانون، أحد أوجه الصراع الطويل بين أسلمة الدولة العراقيّة ومدنيّتها، ويكفي أن نذكر أنّ الجذر القانونيّ لكلّ هذه التعديلات، ومحاولات التعديلات ذات الجوهر الرجعيّ السلفيّ، في مشروع القانون رقم 137 الذي أصدره مجلس الحكم في عام 2003. هذا القرار يحمل تاريخ 29 كانون الأوّل/ديسمبر 2003، ونصّ على وجوب تطبيق أحكام الشريعة الإسلاميّة في ما يخصّ الزواج والخطوبة وعقد الزواج والأهليّة وإثبات الزواج والمحرّمات، وغيرها من الأحكام الإسلاميّة.

ومن المرجّح أن تتراجع الأطراف الإسلاميّة عن تعديل قانون الأحوال الشخصيّة، كما فعلت سابقاً، بسبب الضغط الجماهيريّ، وربّما تدخّل المرجعيّة، لكنّها حقّقت مكاسب لا بأس بها في الدعاية الانتخابيّة المبكرة ونحجت في مخاطبة جمهورها قبيل الانتخابات المقرّرة في الربيع المقبل، وبيّنت له موقف التيّار المدنيّ من الإسلام، لكنّ المعركة ستطول خلال الدورة الانتخابيّة المقبلة ولن تنتهي إلّا بتشريع القانون الدينيّ أو تعديل الدستور الدائم.

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020