هل تتجاوز الأحزاب والائتلافات الفائزة في تشريعيّة تونس مأزق تشكيل الحكومة؟

p
بقلم
بإختصار
زادت النتائج التي أفرزتها الانتخابات التشريعيّة في تونس حدّة التساؤلات حول مصير الحكومة المقبلة، وطبيعة التحالفات الممكنة التي سيقودها الحزب الفائز إثر فشله في الظفر بالأغلبيّة، في ظلّ مشهد برلمانيّ متشتّت واتّهامات متبادلة بين الأطياف السياسيّة المكوّنة لمجلس النوّاب الجديد.

تونس - أعلنت الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات في تونس خلال مؤتمر صحافيّ في 9 تشرين الأوّل/أكتوبر 2019، عن نتائج الانتخابات التشريعيّة التي جرت في 6 من الشهر نفسه، حيث حلّت حركة النهضة الإسلاميّة الأولى بـ52 مقعداً في البرلمان، تلاها حزب قلب تونس الليبراليّ بـ38 مقعداً، ثمّ قائمة التيّار الديمقراطيّ بـ22 مقعداً، فيما حصل حزب ائتلاف الكرامة المحافظ على 21 مقعداً.

وعبّر العديد من القادة السياسيّين عن مخاوفهم ممّا أسموه معضلة تشكيل الحكومة، بسبب عجز الحزب الفائز عن تحصيل الأغلبيّة، 109 مقاعد من جملة 217 مقعداً، والتي تتيح له بمفرده تشكيل الحكومة، ممّا يجعله مجبراً على البحث عن تحالفات أخرى.

ويبدو أنّ صعود خليط متنافر سياسيّاً وأيديولوجيّاً من أحزاب ومستقلّين إلى البرلمان ينتمي بعضهم إلى التيّار المحافظ، كحركة النهضة، وائتلاف الكرامة المستقلّ، وآخرون إلى أحزاب حداثيّة ليبراليّة، كحزب قلب تونس، والتيّار الديمقراطيّ والحزب الدستوريّ الحرّ، زاد التكهّنات حول صعوبة تشكيل توافقات لتكوين الحكومة.

ويقضي الفصل 89 من الدستور التونسيّ بأن يكلّف رئيس الجمهوريّة في أجل أسبوع من الإعلان عن النتائج النهائيّة للانتخابات، مرشّح الحزب أو الائتلاف الانتخابيّ الحاصل على أكبر عدد من المقاعد في مجلس نوّاب الشعب، بتكوين الحكومة خلال شهر يجدّد مرّة واحدة.

وعند تجاوز الأجل المحدّد من دون تكوين الحكومة، أو في حال عدم الحصول على ثقة مجلس نوّاب الشعب، يقوم رئيس الجمهوريّة في أجل 10 أيّام بإجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابيّة لتكليف الشخصيّة الأقدر من أجل تكوين حكومة في أجل أقصاه شهر.

وفي حال مرّت 4 أشهر على التكليف الأوّل، ولم يمنح أعضاء مجلس نوّاب الشعب الثقة إلى الحكومة، لرئيس الجمهوريّة الحقّ في حلّ مجلس نوّاب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعيّة جديدة في أجل أدناه 45 يوماً وأقصاه 90 يوماً.

وسارعت قيادات في حركة النهضة الفائزة في الانتخابات بإعلان رفضها القاطع التحالف مع حزب قلب تونس والحزب الدستوريّ الحرّ، وإقصائهما من المشاركة في مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة، حتّى لو كلّفها ذلك إعادة الانتخابات التشريعيّة، مبرّرة موقفها بانحياز حركة النهضة إلى قيم الثورة ورفضها التحالف مع أحزاب تشوبها اتّهامات بالفساد.

وأقرّ الناطق الرسميّ باسم حركة النهضة عماد الخميري في تصريح إلى "المونيتور" بصعوبة مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة، في ظلّ ما أسماه مشهداً برلمانيّاً مشتتّاً أفرزته الانتخابات، مجدّداً رفض حزبه أيّ تحالف مع حزب قلب تونس الذي يترأّسه المرشّح إلى الرئاسة نبيل القروي والحزب الدستوريّ الحرّ الذي تقوده القياديّة السابقة في حزب الرئيس السابق زين العابدين بن علي عبير موسي.

على الجانب الآخر، أعلن رئيس حزب قلب تونس الذي احتلّ المرتبة الثانية في الانتخابات التشريعيّة بـ38 مقعداً، رفضه التحالف مع حركة النهضة ومع أيّ حزب أو ائتلاف ينتمي إلى الإسلام السياسيّ داخل البرلمان.

وقال القروي الذي أطلق القضاء سراحه في 9 تشرين الأوّل/أكتوبر بعد أشهر قضاها داخل زنزانته على خلفيّة تهم تتعلّق بغسيل الأموال والتهرب الضريبيّ، في الحوار الأوّل له عبر قناة الحوار التونسيّ الخاصّة في 10 تشرين الأوّل/أكتوبر 2019، إنّه لن يدخل في حكومة تقودها حركة النهضة وإنّه سيتموضع في المعارضة ولن يكون "كبش فداء النهضة".

وعلى عكس ما أفرزته نتائج الانتخابات التشريعيّة 2019، من كتل حزبيّة ومستقلّة صغرى ومتوسّطة مشتّتة، تميّزت الانتخابات التشريعية في عام 2014 بسيطرة حزب نداء تونس الفائز بـ86 مقعداً وحركة النهضة الفائزة بـ69 مقعداً على الأغلبيّة البرلمانيّة ليشكّلا مجتمعين الحكومة في عام 2014.

 ومني حزب نداء تونس الذي أسّسه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي في حزيران/يونيو 2012، بهزيمة وصفت بـ"المذلّة" بعد حصوله على 3 مقاعد في الانتخابات التشريعيّة الحاليّة، وهو الذي ظفر بالمرتبة الأولى في انتخابات 2014، لتعصف به بعدها رياح الخلافات بين قياداته وينشقّ عنه رئيس الحكومة الحاليّ يوسف الشاهد ويكوّن حزب تحيا تونس الذي حاز على المرتبة السابعة في الانتخابات التشريعيّة الحاليّة بـ14 مقعداً.

وأكّد القياديّ في حزب تحيا تونس محمّد الصافي الجلالى في تصريح إلى وكالة الأنباء التونسيّة في 11 تشرين الأوّل/أكتوبر الجاري أنّ حزبهم لن يكون طرفاً مشاركاً في الحكومة التي ستقودها النهضة وأنّه سينضمّ إلى صفوف المعارضة.

وأعلن حزب التيّار الديمقراطيّ الحائز على المرتبة الثالثة في الانتخابات التشريعيّة بـ22 مقعداً، رفضه أيّ تحالف ممكن مع حزب قلب تونس الذي سبق وأعلن رئيسه القروي عن إمكان إيجاد قناة للحوار معه بحسب تدوينة ساخرة نشرها القياديّ في حزب التيّار الديمقراطيّ محمّد العربي الجلاصي في 11 تشرين الأوّل/أكتوبر 2019.

وسبق أن دعا أمين عام حزب التيّار الديمقراطيّ غازي الشواشي في تصريح إعلاميّ عبر راديو "موزاييك" في 7 تشرين الأوّل/أكتوبر 2019 إلى تشكيل حكومة إنقاذ وطنيّ تضمّ كفاءات مستقلّة غير متحزّبة، مقرّاً بصعوبة إيجاد أرضيّة للتفاهم بين حركة النهضة وحزب قلب تونس، على ضوء تشتّت المشهد البرلمانيّ.

ويذهب الناشط السياسيّ والقياديّ السابق في حزب الحراك طارق الكحلاوي في تصريح إلى "المونيتور" إلى الإقرار بصعوبة مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة، في ظلّ ما أسماه تجاذبات سياسيّة حادّة بين الكتل البرلمانيّة الفائزة في الانتخابات التشريعيّة.

واعتبر الكحلاوي أنّ النهضة الفائزة بالمرتبة الأولى والمؤهّلة دستوريّاً لتشكيل الحكومة في وضع لا تحسد عليه، بسبب عجزها عن تحقيق الأغلبيّة المريحة التي تجعلها تستغني عن البحث عن تحالفات بين باقي الأحزاب والائتلافات المستقلّة.

وفي خضمّ هذا التشتّت داخل البرلمان، لا يستبعد الكحلاوي أن يجد حركة النهضة وحزب قلب تونس أرضيّة مشتركة للتقارب والتحاور، على الرغم من الاختلاف الظاهر، خصوصاً وأنّ رئيس حزب قلب تونس القروي كان أحد مهندسي التوافق الشهير بين راشد الغنّوشي والسبسي، فيما بات يعرف بـ"لقاء باريس"، والذي شكّل أرضيّة للحكم الثنائيّ بين هذا الحزبين طيلة السنوات الخمس الماضية.

وفيما أكّدت حركة النهضة عبر بيان رسميّ في 10 تشرين الأوّل/أكتوبر انطلاقها في بلورة التوجّهات الرئيسيّة للبرنامج الذي ستشكّل على إثره الحكومة المقبلة ليكون منطلقاً للحوار مع مختلف القوى السياسيّة القابلة للعمل المشترك، يخشى كثيرون الذهاب نحو السيناريو الأسوأ وهو إعادة الانتخابات التشريعيّة، في حال فشل الحزب الفائز وصاحب الأغلبيّة في تشكيل الحكومة خلال الأشهر الأربعة المقبلة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

آمال الهلالي صحفية تونسية متخرجة من معهد الصحافة وعلوم الأخبار, عملت في عدة وسائل إعلام عربية ودولية أبرزها قناة الجزيرة وقناة العربية وقناة الحرة ومراسلة لمواقع إخبارية من تونس أهمها هافينغتون بوست عربي و العربية نت وإيلاف .

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept