تونس تنهي اتّفاقيّة استعماريّة مع فرنسا لاستغلال ثرواتها الطبيعيّة

p
بقلم
بإختصار
في خطوة جريئة، استجابت السلطات التونسيّة إلى ضغط البرلمان والمجتمع المدنيّ، وأنهت اتّفاقيّة استعماريّة، وقّعها الباي التونسيّ مع المقيم العامّ الفرنسيّ في تونس، منذ عهد استعمار فرنسا لتونس في عام 1949. وتقضي الاتّفاقيّة باستغلال شركة فرنسيّة ملح تونس بأسعار زهيدة، وهي لم تراجع منذ توقيعها للمرّة الأولى، وظلّت هذه الاتّفاقيّة محلّ نقد عديد من الأطراف السياسيّة والبرلمانيّة منذ ثورة كانون الثاني/يناير 2011، بوصفها مجحفة في حقّ تونس، وتسلبها حقّ التصرّف في ثرواتها الطبيعيّة.

تونس - أعلن الناطق الرسميّ باسم الحكومة التونسيّة إياد الدهماني في تصريح إلى وكالة تونس أفريقيا للأنباء الرسميّة في 27 شباط/فبراير 2019، أنّ رئيس الحكومة يوسف الشاهد قرّر عدم تمديد اتّفاقيّة الملح، التي وقّعتها تونس منذ عام 1949 مع شركة "كوتيزال" لاستخراج الملح لفائدة فرنسا.

وأكّد الدهماني في التصريح نفسه أنّه تمّ في 27 شباط/فبراير 2019، إعلام الممثّل القانونيّ للشركة بقرار الحكومة التونسيّة بعدم تمديد مدّة الاتّفاقيّة، التي يفترض أن تنتهي في عام 2029 حسب العقد الموقّع بين تونس والشركة في عام 1949 والذي ينصّ على استخراج الملح لفائدة فرنسا لمدّة 50 سنة، ووقّع التمديد لها آليّاً مرّتين لمدّة 15 سنة كلّ مرّة، في عامي 1999 و2014.

ويعتبر إنهاء الاتّفاقيّة مطلباً قديماً لأحزاب عدّة وبرلمانيّين، خصوصاً أنّ رئيس لجنة الصناعة والطاقة والثروات الطبيعيّة والبنية الأساسيّة والبيئة في مجلس نوّاب الشعب عامر العريض، قد أكّد في تصريح إلى صحيفة الفجر الخاصّة في 27 شباط/فبراير 2019، أنّه بفضل جهود اللجنة، تمّ إلغاء العمل باتّفاقيّة الملح، لأنّ اللجنة طلبت من الحكومة منذ تشرين الأوّل/نوفمبر 2018، عدم تجديد الاتفاق، وإعلام الشركة بانتهاء العقد في 2029.

ولفت العريض في تدوينة نشرها على صفحته الرسميّة على موقع "فيسبوك" في 28 شباط/فبراير 2019، إلى أنّ الحكومة التي كانت تتولّى السلطة في عام 2004 تتحمّل مسؤوليّة التمديد الآليّ لشركة "كوتيزال" لاستغلال ملح تونس، على أن يتمّ لاحقاً فتح مناقصة جديدة وبكرّاس شروط جديدة تكون أفضل لتونس على مستوى المردود الماليّ والجبائيّ وعلى المستوى البيئيّ.

من جهته، اعتبر حزب التيّار الديمقراطيّ المعارض في تدوينة نشرت على الصفحة الرسميّة للحزب على موقع "فيسبوك" في 27 شباط/فبراير 2019، أنّ قرار رئيس الحكومة الشاهد بعدم التمديد لاتّفاقيّة استغلال الملح، جاءت للاستجابة إلى التنبيه الذي وجّهه له الحزب في بيان منذ 7 آذار/مارس 2018، طالبه فيه بضرورة إنهاء الاتّفاقيّة الموقّعة مع شركة "كوتيزال".

وأكّد الحزب آنذاك في نصّ البيان الذي نشره في الغرض إلى أنّ الشركة المذكورة تستغلّ الملح التونسيّ بسعر فرنك فرنسيّ واحد كلّ سنة للهكتار الواحد، وحمّل حسب نصّ البيان، الشاهد المسؤوليّة القانونيّة، محذّراً إيّاه من إمكان رفع قضيّة ضدّه في حال عدم إنهاء الاتّفاقيّة ووضع حدّ لتبديد ثروات البلاد.

وقال النائب عن حزب حركة الشعب المعارض زهير المغزاوي، في تصريحه إلى "المونيتور"، إنّ قرار وقف التعامل مع شركة "كوتيزال" مهمّ، لكنّه غير مكتمل طالما لم يتمّ التدقيق في باقي العقود المتعلّقة باستغلال الثروات الطبيعيّة من نفط وفسفاط، وشدّد على أنّه مطلب قديم، استجاب له الشاهد تحت الضغط الشعبيّ والسياسيّ، بعد تزايد طلبات التدقيق في ملفّ ثروات تونس.

وكان 39 نائباً من مختلف الكتل البرلمانيّة قد وقّعوا على عريضة يوم الثلاثاء في 2 تشرين الأوّل/أكتوبر 2018 تطلب من الحكومة التونسيّة إنهاء امتياز الشركة المستغلّة للملح.

كما اعتبر حزب التكتّل من أجل العمل والحرّيّات المعارض في ندوة صحافيّة عقدها في 3 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2018، أنّ الاتّفاقيّة مجحفة في حقّ الدولة التونسيّة، وتواصل لسياسة الاحتلال الفرنسيّ لتونس الذي امتدّ منذ أيّار/مايو 1881 إلى 20 آذار/مارس 1956، فيما قالت المتحدّثة باسم الحزب خلال الندوة الصحافيّة إنّ حزبها رفع قضيّة ضدّ كلّ من وزارة الصناعة وشركة "كوتوزال" منذ عام 2014، من أجل نقض عقد الملح.

القرار باركه أيضاً الناطق الرسميّ باسم الاتّحاد العامّ التونسيّ للشغل سامي الطاهري في تصريحه إلى المونيتور"، واعتبره نتيجة حتميّة لإرادة شعبيّة قويّة، لأنّ أنهاء هذه الاتّفاقيّة كان مطلباً شعبيّاً في الأساس، واعتبر أنّه خطوة متأخّرة لكنّ ضروريّة، في انتظار تأميم باقي ثروات تونس من نفط وفسفاط، لتعويض ما خسرته طيلة عقود منذ عهد الاستعمار الفرنسيّ.

في مقابل ذلك، أكّد رئيس الحكومة الشاهد في تصريح خلال افتتاح ندوة "استهلك تونسيّ"، في 28 شباط/فبراير 2019، أنّه تمّ اتّخاذ قرار عدم التمديد لاتّفاقيّة الملح من دون ضغوط من أيّ طرف كان، وأنّ البوصلة الوحيدة التي اعتمدها في اتّخاذ هذا القرار هي مصلحة تونس العليا، وفق تعبيره.

كما أكّد النائب عن كتلة الحرّة في محلس نوّاب الشعب حسّونة الناصفي في تصريح إلى "المونيتور"، أنّ رئيس الحكومة مارس دوره على رأس الحكومة، واتّخذ القرار الصحيح والمناسب لحماية ثروات البلاد، ويجب التفكير في كيفيّة مواصلة استغلال الملح لفائدة تونس، بعد انتهاء الاتّفاق مع شركة "كوتيزال".

من جانبه، أيّد المنسّق الوطنيّ للتحالف التونسيّ للشفافية في الطاقة والمناجم محمّد غازي بن جميع في تصريحه إلى "المونيتور" قرار رئيس الحكومة، لكنّه اعتبر في التصريح نفسه أنّ ذلك غير كافٍ، داعياً إلى ضروّرة مراجعة كلّ العقود المتعلّقة باستغلال ثروات تونس الطبيعيّة، الواردة في مجلّة المناجم، لأنّها تتضمّن شروطاً مجحفة على الدولة التونسيّة.

ووفق معطيات رسميّة، تنتج شركة "كوتيزال" الفرنسيّة وحدها بين 900 ألف ومليون طنّ في العام، كما تحقّق رقم معاملات بنحو 35 مليون دينار (11.5 ملايين دولار)، من إجمالي 51 مليون دينار (16.8 ملايين دولار) يحقّقها قطاع استخراج الملح في تونس.

من جهتها، تخسر الدولة التونسيّة 900 ألف دينار سنويّاً، بسبب عدم انضواء شركة "كوتيزال" تحت أحكام مجلّة المناجم التي تنظّم عمليّات استغلال الثروات الطبيعيّة والاتّفاقيّات المتعلّقة بها، وعدم دفعها الضريبة إلى وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحليّ الحكوميّة.

ولا يرى الاستشاريّ في استراتيجيّة الاستثمار الصادق جبنون في تصريحه إلى "المونيتور"، أنّ لإنهاء الاتّفاقيّة انعكاساً كبيراً على تونس، لأنّ مادّة الملح ليست لها قيمة كبيرة في الأسواق العالميّة، وليس عليها طلب كبير، باستثناء بعض مشتقّاتها مثل السليوم، الذي يتطلّب طاقة كهربائيّة كبيرة لتصنيعه، وهو ما لا تستطيع تونس توفيره.

وأضاف جبنون في التصريح نفسه أنّ الانعكاس الوحيد لذلك، هو استعادة تونس سيادتها القانونيّة على جزء من ثرواتها الطبيعيّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : youssef chahed, agreement, natural resources, salt, france

حنان جابلي، صحفية تونسية متخرجة من معهد الصحافة وعلوم الأخبار، سنة 2013، عملت في عدة وسائل إعلام تونسية، منها صحيفة الشاهد وراديو الكرامة الخاص، وتحصلت على شهادة المرأة المميزة لسنة 2017، حول مساهمة المرأة التونسية في المسار الانتقالي.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept