نبض فلسطين

إسرائيل تقصف شركة "الملتزم" لاستهداف البنية الاقتصاديّة لـ"حماس"

p
بقلم
بإختصار
قصفت إسرائيل أخيراً شركة "الملتزم للتأمين والاستثمار" في غزّة، التي أنشئت بعد سيطرة "حماس" على غزّة في عام 2007، بزعم أنّها تابعة لـ"حماس"، استمراراً لإعلان إسرائيل في حزيران/يونيو من عام 2018 عن شركة صرافة بأنّها تابعة لـ"حماس". كما كانت قصفت في حرب عام 2014 مصارف تابعة لـ"حماس" في غزّة... السطور الآتية تناقش أسباب قصف إسرائيل للشركة، وكمّ يؤثر على مقدّرات "حماس" الماليّة والاقتصاديّة، وهل هناك مؤسّسات اقتصاديّة لـ"حماس" في غزّة قد تكون ضمن بنك الأهداف الإسرائيليّة، إن تجدّد التصعيد في مرّات مقبلة؟

ما زال التوتر الأمني سيد الموقف بين غزة وإسرائيل، مع جهود الوساطة التي تقودها مصر لنزع فتيل مواجهة عسكرية بين حماس وإسرائيل، حيث ما زالت المباحثات المكوكية التي يقوم بها رجال جهاز المخابرات المصرية العامة بين غزة وإسرائيل حتى هذه اللحظة مساء 28 مارس.

شهدت غزّة في 25 و26 آذار/مارس جولة التصعيد العسكريّ الأخيرة بين "حماس" وإسرائيل، عقب إطلاق صاروخ من غزّة على تلّ أبيب في وسط إسرائيل في 25 آذار/مارس فجراً، أصاب 7 إسرائيليّين، لم تعلن الفصائل الفلسطينيّة مسؤوليّتها عنه، لكنّ الطيران الإسرائيليّ قصف العديد من المواقع والمنشآت في قطاع غزّة.

ومن المنشآت التي تمّ قصفها في مناطق مختلفة من قطاع غزّة مواقع عسكريّة وأمنيّة تابعة لـ"حماس" دأبت إسرائيل على استهدافها في كلّ جولة تصعيد وأسفر عن إصابة 7 فلسطينيّين، وأطلقت الفصائل الفلسطينيّة رشقات من الصواريخ والقذائف باتّجاه المستوطنات الإسرائيليّة المحاذية للقطاع.

الجديد في الاستهدافات الإسرائيليّة، أنّ إسرائيل قصفت في 25 آذار/مارس مساء مبنى شركة "الملتزم للتأمين والاستثمار" في حيّ الصبرة بوسط مدينة غزّة، وقال المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ في حسابه على "تويتر": إنّ المبنى المكوّن من 3 طوابق تابع لـ"حماس"، وفي داخله مكاتب تابعة لها.

تعرّف شركة "الملتزم للتأمين والاستثمار" نفسها بأنّها شركة مساهمة عامّة فلسطينيّة تأسّست خلال عام 2008، ومقرها الأساسي في قطاع غزة، ولها خمسة فروع في مدن القطاع، وليس لها فروع في الضفة الغربية أو الدول العربية، وتعمل الشركة بطريقة التأمين التعاوني من أجل رفعة الاقتصاد الفلسطيني، للتخفيف من الأخطار التي يتعرّض لها قطاع غزّة، ورفعة الاقتصاد الفلسطينيّ برأسمال وطنيّ وخبرات فلسطينيّة متخصّصة. ولقد حقّقت أرباحاً خلال عام 2017 بقيمة 1,157 مليون دولار، بنسبة 11 في المئة من القيمة الإسميّة للسهم.

وقال مصدر مسؤول في الشركة، أخفى هويّته، في حديث لـ"المونيتور": "إنّ الشركة تضمّ 400 مساهم فلسطينيّ من داخل القطاع وخارجه، ورأسمالها 10 ملايين دولار، وتضمّ 50 موظّفاً، وهي غير تابعة لأيّ تنظيم فلسطينيّ، واستطاعت خلال السنوات العشر الماضية أن تحوز على 50 في المئة من سوق التأمينات بالقطاع، من خلال فوزها بمناقصات التأمينات للوزارات بغزّة والبلديّات المحليّة، ونحن نتعامل مع كلّ المؤسّسات والشركات في غزّة من دون قيود وتحفّظات، من خلال مشاريع تأمين السيارات، وتأمين إصابات العمال، وتنفيذ مشاريع تمويل لبناء المنازل وشراء الشقق ودعم طلاب الجامعات بالقروض الحسنة".

تعتبر شركة "الملتزم للتأمين والاستثمار" إحدى المؤسّسات الاقتصاديّة التي تأسّست في غزّة بعد سيطرة "حماس" عليها صيف 2007، بجانب البنك الوطنيّ الإسلاميّ المؤسّس خلال عام 2009، وبنك الإنتاج المؤسّس في عام 2013، وشركة ضامن للتأمين المؤسّسة في عام 2014، وشكّلت هذه المؤسّسات أحد روافد البنيّة الاقتصاديّة للقطاع، التي تعاني تراجعا تدريجيا منذ فرض الحصار الإسرائيلي على القطاع.

وكان الطيران الإسرائيليّ قصف مقارّ البنك الوطنيّ الإسلاميّ في حربيّ 2012 و2014 على غزّة. وفي عام 2010، قصف شركة "البرعصي للحوالات الماليّة" في غزّة، وتكرّر في حرب 2008 و2007. وفي حزيران/يونيو من عام 2018، أعلن وزير الدفاع الإسرائيليّ المستقيل أفيغدور ليبرمان شركة "حامد للصرافة" في غزّة منظّمة إرهابيّة، لأنّها أنبوب تمويل لـ"حماس".

وقال نائب رئيس الدائرة السياسيّة لـ"حماس" عصام الدعاليس لـ"المونيتور": "إنّ العدوان الإسرائيليّ في الأيّام الأخيرة شمل في غزّة 4 أهداف مقصودة وموجّهة، أوّلها سياسيّ بتدمير مقرّ زعيم حماس إسماعيل هنيّة، وثانيها عسكريّ بقصف مواقع تابعة لكتائب عزّ الدين القسّام- الجناح العسكريّ لحماس، وثالثها أمنيّ بتدمير مقرّ جهاز الأمن الداخليّ، ورابعها اقتصاديّ باستهداف شركة الملتزم. هذه شركة مساهمة فلسطينيّة عامّة، ليس لحماس فيها دولار واحد، بل أموال الشعب الفلسطينيّ، لكنّ إسرائيل ظنّت أنّ الحصار الماليّ على حماس بات يحقّق أهدافه، فقرّرت أن تمضي بتجفيف منابع الحركة وقطع مصادر تمويلها، وتظن إسرائيل أن استهدافها للشركات الاقتصاديّة في غزة قد يؤثر سلبا في مقدرات حماس الاقتصادية، حتى لو لم تكن للحركة علاقة بهذه الشركات".

أمّا الباحث الإسرائيليّ في معهد "واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" إيهود يعاري فأشار في دراسة نشرها بكانون الثاني/يناير من عام 2011 إلى أنّ شركة "الملتزم للتأمين والاستثمار"، بجانب شركات تجاريّة ومشاريع سكنيّة وفنادق ومراكز تسوّق ومنتجعات ومساحات زراعيّة ومزارع سمكيّة، تشكّل جزءاً من إمبراطوريّة "حماس" الاقتصاديّة في غزّة.

وقال رئيس تحرير صحيفة "الاقتصاديّة" في غزّة محمّد أبو جياب لـ"المونيتور": "إنّ شركة الملتزم تعدّ الاستثمار الوحيد لحماس في قطاع التأمين داخل غزّة، حتى لو لم تعلن حماس رسميا أن لها علاقة بها، بسبب امتناع الشركات المسجّلة لدى السلطة الفلسطينيّة من التعامل مع المؤسّسات الحكوميّة في غزّة، كونها غير قانونيّة من وجهة نظر السلطة الفلسطينيّة، وتعدّ الأكثر عملاً على المستوى الاستثماريّ بالنسبة إلى الحكومة في غزّة التابعة لحماس، والأكثر رواجاً عند الغزيّين في تعاملات التأمين، لكنّ إسرائيل لا تفوّت فرصة للإضرار بالمقوّمات الماليّة والاقتصاديّة لحماس".

يعتبر المال، الأساس القويّ الذي تبني "حماس" عليه خططها الحكوميّة الأمنيّة والعسكريّة. ولذلك، تضع إسرائيل على رأس أهدافها محاربة الجبهة الاقتصاديّة للحركة. وقد تجلّى ذلك بدءاً بحصارها الماليّ والاقتصاديّ في غزّة، مروراً بتجييش المجتمع الدوليّ ضدّ الحركة عبر تحريض البنوك الفلسطينية عليها وإجبارها على رفض استلام الأموال من "حماس" أو تحويلها إليها، وملاحقة شركات التحويلات الماليّة، وتجفيف منابع المؤسّسات الخيريّة القريبة منها، مثل جمعية الصلاح الإسلامية والجمعية الإسلامية وانتهاء بالقصف المباشر للشركات الماليّة والمصرفيّة التابعة لها.

من جهته، قال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الأمّة بغزّة حسام الدجني لـ"المونيتور": "إنّ مقدّرات حماس الاقتصاديّة، ومنها شركة الملتزم، بغض النظر عن إعلان حماس عن عدم علاقتها بها، جزء من المكوّن الاقتصاديّ العام لقطاع غزّة، واستهداف مؤسّساتها الماليّة يعتبر مساساً بالبنية الاقتصاديّة العامّة لغزّة، الأمر الذي يعني مزيداً من تدهور ظروف الفلسطينيّين فيها، وتعزيزاً للتيّار الراديكاليّ في حماس، رغم أنّ إسرائيل تعتقد أنّ ضرب البنية الاقتصاديّة لحماس يسعى إلى الضغط عليها لإجبارها على تقديم تنازلات سياسيّة، لكنّ مؤشّرات نجاح ذلك ضعيفة".

إنّ مراجعة استهدافات إسرائيل للقطاعات الماليّة والاقتصاديّة التابعة لـ"حماس"، تعني أنّها لا تريد أيّ هامش ماليّ واقتصاديّ يمكّن الحركة من تطوير مقدّراتها الاجتماعيّة والأمنيّة والعسكريّة. كما تعتبر إسرائيل أنّ الضغط الاقتصاديّ والماليّ المباشر على "حماس" يشكّل وسيلة قويّة لإخضاع الحركة بهدف منعها من تحقيق مكاسب سياسيّة وأمنيّة وعسكريّة وميدانيّة.

ربّما ترى "حماس" باستهداف إسرائيل للقطاعات الاقتصاديّة في غزّة تأكيداً على مضيّها بتقويض أركان الاقتصاد الفلسطينيّ، كي يبقى تابعاً لها. كما أنّ استهداف شركة "الملتزم للتأمين والاستثمار" رسالة تقول إنّ كلّ المنشآت الاقتصاديّة في غزّة تحت الرادار الإسرائيليّ، ورسالة أيضاً للمستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال تقول إنّ غزّة غير آمنة للاستثمار.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : insurance, israeli-palestinian conflict, hamas, hamas funding, gaza economy, gaza strip

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept