نبض فلسطين

المقدسيّون يفتحون مصلّى باب الرحمة بعد 16 عاماً من الإغلاق ويصرّون على ترميمه

p
بقلم
بإختصار
فتح المقدسيّون مصلّى باب الرحمة للمرّة الأولى بعد 16 عاماً من الإغلاق، شنّت إسرائيل على إثره حملات اعتقالات وإبعاد للعشرات من الشخصيّات المقدسيّة، لكنّ المقدسيّون يصرّون على إبقائه مفتوحاً، ويسعون إلى إعادة ترميمه.

رام الله، الضفة الغربيّة — لا يزال التوتر والترقب في مصلى باب الرحمة في المسجد الاقصى سيد الموقف، خاصة بعد انتهاء المدة التي حددتها محكمة الصلح الاسرائيلية لمجلس الاوقاف الاسلامية للرد على طلب اغلاق باب الرحمة، واستمرار الاتصالات بين الاردن واسرائيل لبحث الازمة، دون التوصل الى نتيجة. واقتحمت سلطة الآثار الإسرائيلية مصلى باب الرحمة بحماية قوات كبيرة من الشرطة الإسرائيلية في 10 اذار/مارس وقاموا بأخذ قياسات للمكان والجدران، والتقاط صور للمصلى من الداخل.

وكانت محكمة الصلح الاسرائيلية في القدس أعطت مهلة لمدة أسبوع لمجلس الأوقاف الإسلامية في 4 آذار/ مارس للرد على طلب النيابة الإسرائيلية المقدم للمحكمة بإغلاق مبنى باب الرحمة، والتي قد تقرر إغلاقه في حال لم تتلقى رداً من الأوقاف الإسلامية خلال أسبوع، لكن المهلة الزمنية انتهت ولم يقدم مجلس الاوقاف اي رد للمحكمة وبات المشهد مفتوحا على كل الاحتمالات.

وعقد مجلس الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية في القدس، جلسة طارئة في 5 آذار/مارس، حيث قال عضو المجلس حاتم عبد القادر في تصريحات صحفية عقب انتهاء الجلسة "أن المجلس لن يرد على محاكم الاحتلال بشأن مصلى باب الرحمة، وسيبقى المصلى مفتوحا أمام المصلين"، مضيفاً "لن ننصاع لأي تهديدات من سلطات الاحتلال، ومحاكم الاحتلال ليست صاحبة الولاية على المسجد الاقصى المبارك، ولا على الولاية الهاشمية، والمجلس لا يعترف ولا يخضع أي جزء من الـمسجد الأقصى والأوقاف التابعة له لقوانين الاحتلال"، ما يرفع من احتمالية وقوع مواجهة في غضون الايام المقبلة بين المصلين والشرطة الاسرائيلية.

وتمكّن الفلسطينيّون في مدينة القدس في 22 شباط/فبراير من فتح مصلّى باب الرحمة في الجهة الشرقيّة من المسجد الأقصى للمرّة الأولى منذ 16 عاماً، حيث تمكّن المصلّون من كسر الأقفال الموضوعة على البوّابات الحديديّة في باحات الأقصى المؤدّية إلى المصلّى.

وأغلقت الشرطة الإسرائيليّة المصلّى في عام 2003، بدعوى وجود مؤسّسة غير قانونيّة فيه، وهي لجنة التراث (تأسّست في عام 1990 وتمّ حلّها في عام 2003) واعتبرتها منظّمة إرهابيّة، وباتت تجدّد أمر الإغلاق سنويّاً بقرار من مفتّش الشرطة العامّ الإسرائيليّ، إلى أن أقرّت محكمة الصلح الإسرائيليّة في عام 2017 إغلاقه حتى إشعار آخر.

ويعدّ باب الرحمة من أكبر أبواب المسجد الأقصى الخارجية المؤدية للمسجد (في السور الشرقي للمسجد الاقصى)، بارتفاع 11,5 أمتار، حيث يوجد داخل الباب مبنى استخدم قاعة للصلاة قبل عام 1992، قبل أن تحوله لجنة التراث الاسلامي الى مقر لها في ذلك العام بعد ترميمه، واستمر حتى عام 2003 حين صدر قرار بإغلاقه وتم حل اللجنة.

وأثار فتح مصلّى باب الرحمة غضب السلطات الإسرائيليّة، التي شنّت حملة اعتقالات طالت عشرات المقدسيّين، وسلّمتهم إخطارات إبعاد عن الأقصى، أبرزها كان في 3 آذار/مارس، وطالت رئيس مجلس الأوقاف الإسلامية عبد العظيم سلهب لمدّة 40 يوماً، ونائب مدير الأوقاف الإسلامية ناجح بكيرات لمدّة 4 أشهر، والحارس في الأقصى عرفات نجيب لمدّة 6 أشهر، ومدير نادي الأسير في القدس ناصر قوس لمدّة 40 يوماً. وأثار استهداف إسرائيل أعضاء مجلس أوقاف القدس، غضب الأردن الذي اعتبرته "مساساً بالوصاية الهاشميّة على المقدّسات الإسلاميّة والمسيحيّة"، حسب بيان لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدّسات الإسلاميّة الأردنيّة نشرته وكالة الأنباء الأردنيّة بترا في 3 آذار/مارس، مؤكّدة أنّ "اتّخاذ الإبعاد وسيلة ضغط للتدخّل في المسجد أمر مرفوض يزيدنا تمسّكاً بأنّ باب الرحمة جزء لا يتجزّأ من الأقصى، وغير قابل للتفاوض أو التقسيم أو المشاركة".

وتتمتّع الأردن بحقّ الوصاية على المقدّسات الإسلاميّة والمسيحيّة في القدس، بموجب بيعة الفلسطينيّين للشريف الحسين بن علي في 11 آذار/مارس 1924، والتي استمرّت بعد انضمام الضفّة الغربيّة إلى الأردن بعد حرب عام 1948، كون الأردن آخر سلطة محلّيّة مشرفة على تلك المقدّسات قبل احتلالها من إسرائيل في عام 1967، وبعد ذلك بما نصّت عليه اتّفاقيّة السلام الأردنيّة-الإسرائيليّة الموقّعة في عام 1994، إلى أن وقّع الرئيس محمود عبّاس اتّفاقيّة الوصاية والسيادة مع الملك عبد الله الثاني في 31 آذار/مارس 2013.

وقال الشيخ بكيرات لـ"المونيتور" إنّ إسرائيل تخطّط لوضع موطئ قدم في الأقصى من خلال مصلّى باب الرحمة، الذي تخطّط لتحويله إلى كنيس يهوديّ، انطلاقاً من اعتقادها أنّ باب الرحمة هو الباب المؤدّي إلى الهيكل، لذلك المواجهة في مصلّى الرحمة هي مواجهة مصيريّة، ستحدّد مستقبل الأقصى، الذي تعمل إسرائيل على تقسيمه مكانيّاً.

وأكّد بكيرات أنّ "مجلس الأوقاف اتّخذ قراراً وهو أنّ المصلّى سيبقى مفتوحاً ولن يغلق، وعلى إسرائيل إدراك أنّها تلعب بالنار إذا فكّرت في اتّخاذ أيّ إجراء تجاه الأقصى، لأنّه يعدّ بمثابة برميل بارود يمكن أن تقرّر متى ستشعله، لكنّها لا تعرف كيف سينتهي".

ولفت بكيرات إلى أنّ قرار فتح باب الرحمة جاء بالتنسيق مع الأردن صاحبة الوصاية على المقدّسات، مشيراً إلى أنّ التحدّي الأهمّ هو ترميم المصلّى، موضحاً أنّ مدير مديريّة إعمار الأقصى (إحدى مديريّات دائرة الأوقاف) بسّام الحلّاق قدّم طلباً إلى إسرائيل من أجل السماح بإخال المواد الضروريّة لأعمال الترميم، لكنّ الردّ الإسرائيليّ لم يأت حتّى الآن، لافتاً إلى أنّ إسرائيل إذا لم تسمح بذلك ستتحمّل مسؤوليّة أيّ تداعيات تحصل للمبنى.

ويشكّل فتح مصلّى باب الرحمة تحدّياً جديداً لرئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو، خصوصاً أنّها تأتي قبيل إجراء الانتخابات الإسرائيليّة، التي يسعى خلالها إلى كسب تأييد الجماعات الاستيطانيّة.

ويبدو أنّ نتنياهو لا يريد أن تتكرّر في المصلّى معركة البوّابات الإلكترونيّة التي حاولت حكومته تركيبها على مداخل الأقصى في 16 تمّوز/يوليو 2017 بعد إغلاق المسجد أمام المصلّين بعد يومين من وقوع عمليّة إطلاق نار داخل المسجد اودى بحياة عنصران من الشرطة الإسرائيليّة و3 شبان فلسطينيين من ام الفحم، ممّا دفع المقدسيّين إلى الاعتصام أمام أبواب الأقصى، حتّى تراجعت إسرائيل عن قرارها في 27 تمّوز/يوليو، وأزالت البوّابات.

من جانبه، قال المفتي العامّ للقدس والديار الفلسطينيّة محمّد حسين لـ"المونيتور"، إنّ قرار فتح المصلّى لا رجعة عنه، لأنّه جزء من المسجد، وهو قرار مدعوم من مجلس الأوقاف الذي يتولّى مسؤوليّة إدارة وتسيير المسجد الأقصى، بالتنسيق مع الأردن والقيادة الفلسطينيّة.

وأكّد حسين أنّ "المصلّى جزء من معركة الأقصى الذي يتعرّض يوميّاً إلى الاقتحامات من المستوطنين وأعضاء الكنيست، لذلك تسعى الأحزاب الإسرائيليّة خلال الانتخابات إلى تسخير مقدّرات الفلسطينيّين ومقدّساتهم في الانتخابات لكسب صوت الناخب الإسرائيليّ" وفق ما قاله حسين.

بدوره، قال عضو مجلس الأوقاف والشؤون والمقدّسات الإسلاميّة مهدي عبد الهادي لـ"المونيتور" إنّ الأحزاب الإسرائيليّة تصعّد من خطابها وتهديداتها تجاه الأقصى وخصوصاً من نتنياهو، في محاولة لكسب تصويت المستوطنين في الانتخابات، في مخالفة لقرارات منظمّة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة الـ"يونسكو" حيث أكّدت اليونسكو أنّ الأقصى مسجد إسلاميّ، كما قال عبد الهادي.

ويأتي " قرار فتح مصلّى باب الرحمة ترجمة مباشرة لقرار الأردن توسيع عضويّة مجلس الأوقاف الإسلاميّ المسؤول عن إدارة المسجد، بناء على طلب المقدسيّين، من 11 إلى 18 عضواً، والذي عقد الجلسة الأولى له في 14 شباط/فبراير الحاليّ، وقام بجولة تفقّديّة للمصلّى"، حسب عبد الهادي.

وأضاف عبد الهادي أنّ "المجلس قرّر إبقاء المصلّى مفتوحاً، وعيّن إماماً له، واتّخذ قراراً بترميمه"، معتبرا أنّ "ما تقوم به إسرائيل من اعتقالات واستدعاءات وإبعاد عن الأقصى، محاولة للتشويش علينا ضمن الحرب النفسيّة التي تشنّها ضدّنا".

واضاف عبد الهادي "لقد تمّ تجاوز سيناريو معركة البوّابات الإلكترونيّة، ولا عودة لإغلاق المصلّى، والمعركة الآن هي في كيفيّة ترميم المسجد".

وفي ظلّ إصرار المقدسيّين على إبقاء المصلّى مفتوحاً، بعد 16 عاماً من الإغلاق، فإنّ الأيّام المقبلة ستكون مفتوحة على خيارات عدّة، أبرزها التصدّي لأيّ محاولة إسرائيليّة لإغلاق المصلّى، والنجاح في ترميمه.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

أحمد ملحم صحفيٌ ومصورٌ فلسطيني مقيم في رام الله، ويعمل لحساب صحيفة الوطن وعدد من وسائل الاعلام العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept