نبض مصر

المنيا... المحافظة الأكثر طائفيّة

p
بقلم
بإختصار
اندلعت في قرية منشأة الزعفرانة فتنة طائفيّة جديدة انتهت بطرد عدد من الكهنة وإغلاق مكان صلاة للأقباط في القرية بسبب مظاهرات متطرّفة، وذلك بعد 3 أشهر فقط من فتنة قرية دمشاو هاشم في المحافظة نفسها، ويلقي الكثير من المحلّلين اللوم على الفقر والأميّة وانتشار التيّارات الإسلاميّة، إضافة إلى صراع المذاهب المسيحيّة المتعدّدة في المنيا.

المنيا — في 11 كانون الثاني/يناير، شهدت مصر واقعة عنف طائفيّ جديد كان مقرّها منشأة الزعفرانة في محافظة المنيا - 241 كم جنوب العاصمة المصريّة القاهرة – حيث حاصر عدد من سكان القرية من المسلمين المتشدّدين مبنى كان يستخدمه الأقباط لإقامة الصلاة، تحت دعوى محاولة المسيحيّين تحويل المبنى إلى كنيسة من دون ترخيص وتمّ إغلاق المكان.

وبحسب بيان مطرانيّة المنيا التابعة للكنيسة الارذثوكسية المصرية صدر بتاريخ 11 يناير: "إنّ المطرانيّة تمتلك مبنى صغيراً في قرية منشأة الزعفرانة تستخدمه في إقامة الصلوات لنحو ألف قبطيّ يسكنون بالقرية، وفي يوم عيد الميلاد بـ7 كانون الثاني/يناير الجاري، وبعد صلاة قدّاس العيد بساعات، قامت مجموعة من "المتشدّدين" – لم يحدد البيان أعداد المتشددين الذين دخلوا إلى مبني الصلاة - بدخول المكان، فأخرجتها الشرطة، وبقى اثنان من الآباء الكهنة وبعض المواطنين المسيحيّين داخل المكان . وتجمهر يوم الجمعة في 11 كانون الثاني/يناير، أكثر من ألف شخص "متشدّد" أمام مبنى الصلاة، وفقاً للبيان، وتظاهروا ضدّ الكنيسة والمسيحيين بشكل عام، موجّهين هتافات مسيئة للمطالبة بإغلاق المكان، في ظلّ وجود قوّات الأمن الذين طلبوا منهم الهدوء مع وعود بتنفيذ مطالبهم، وتمّ إغلاق المبنى.

واتّهم البيان قوّات الأمن بمحاباة المتطرّفين وإغلاق عدد من الكنائس لإرضائهم.

ولم يحدد البيان المدة التى بدأت فيها إقامة الصلوات بالمبني، ولكن في تصريح صحفي للباحث إسحق إبراهيم، مسؤول ملف «حرية الدين والمعتقد» في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية " أنه علم بعد تواصل مع المطرانية، أن أقباط القرية يصلون بشكل غير منتظم بهذا البيت المخصص للصلاة، منذ نحو سنة"

لم يحدد البيان الكنائس التى اغلقها الأمن، ولكن المطرانية كانت قد أصدرت بيان في أكتوبر/ تشرين الأول 2017، رصدت فيه وقائع إغلاق اربع كنائس في نفس الشهر، وهي كنيسة العذراء بقرية الشيخ علاء بمركز المنيا وتم إغلاقها في 15 أكتوبر 2017، وفي 22 من الشهر ذاته تم إغلاق كنيسة الانبا موسى بقرية القشيرى بمركز أبو قرقاص، وفي نفس اليوم تم إغلاق كنيسة أبو سيفين في قرية "الكرم" بمركز أبو قرقاس، أما الكنيسة الرابعة فهي كنيسة مارجرجس بقرية "عزبة زكريا" التابعة لمركز المنيا والتى أغلقت في 27 أكتوبر 2017.

وبحسب توثيق معدّ التقرير، معتمداً على التقارير الصحافيّة، فإنّ المنيا شهدت 17 حادث عنف طائفيّ منذ 30 حزيران/يونيو من عام 2013، وهذا العدد لا يشمل الاعتداءات التي وقعت في 14 و15 آب/أغسطس من عام 2013، ردّاً على فضّ اعتصام رابعة. كما لا يشمل حادثيّ استهداف زوّار دير الأنبا صموئيل المعترف اللذين وقعا في أيّار/مايو من عام 2017 وتشرين الثاني/نوفمبر من عام 2018، باعتبارهما حادثين إرهابيّين كان المعتدين فيهما من خارج محافظة المنيا.

"المنيا ذات طبيعة خاصّة"، بهذه الكلمات بدأ المفكّر القبطيّ كمال زاخر حديثه لـ"المونيتور"، قائلاً: "إنّ المنيا من المحافظات التي فيها كثافة مسيحيّة عالية بعد محافظة أسيوط وفيها أيضاً كلّ التنظيمات الراديكاليّة الإسلاميّة التي انتشرت في مصر منذ السبعينيّات. كما تجمع التناقض بين رجال الأعمال الأغنياء ونسبة الفقر المرتفعة. وإنّها تعاني من أزمة تنمية، نظراً لوجود ظهير صحراويّ كبير غير مستغلّ. أمّا جغرافيّتها فتساعد على استيراد الإرهاب، لأنّ فيها العديد من المدقّات الواصلة إلى ليبيا التي يسيطر على مساحات واسعة منها المتطرّفون".

ما قاله زاخر عن الكثافة المسيحية العالية في محافظة المنيا يؤكده الانبا مكاريوس أسقف المنيا العام الذي أشار في تصريحات صحفية سابقة أن 2 مليون قبطي يسكنون المنيا التى يبلغ عدد سكانها الإجمالي 5.6 مليون شخص.

ونفى زاخر أن يكون السبب في ازدياد حوادث العنف الطائفيّ في المنيا الصراع بين المذاهب المسيحيّة المختلفة، إذ تعتبر المنيا من المحافظات الغنيّة بالطوائف المسيحيّة المختلفة، مشيراً إلى أنّ صراع المذاهب هامشيّ يحاول استغلال الوضع لصالحه، كما حدث في بيان الكنيسة الإنجيليّة الذي خرج بعد أزمة منشأة الزعفرانة، وقال: إنّ الكنيسة الوحيدة الموجودة في القرية هي الكنيسة الإنجيليّة.

وأوضح زاخر أنّ الوضع في المنيا هو تجسيد للصراع بين الدولتين الرسميّة والعميقة التى تسودها الطائفية، مشيراً إلى أنّ هناك ثأراً بين الجماعات المتطرّفة، خصوصاً الإخوان المسلمين والأقباط، بسبب التصريحات التي خرجت من قيادات الجماعة تقول إنّ الأقباط هم المحتشدون في الاتحاديّة عام 2012، وهو ما يحمل الاقباط مسئولية الاطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي، ونظراً لوجود ثقل سياسيّ لهذه الجماعات في المنيا، فإنّ أقباط المنيا معرّضون للعنف الطائفيّ بصورة مستمرّة.

ما قاله زاخر عن سيطرة التيّار الإسلاميّ يظهر جليّاً في نتائج تصويت محافظة المنيا في استفتاء كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2012 حول التعديلات الدستورية التى دعمتها جماعة الإخوان والجماعات الإسلامية، حيث كانت نسبة من صوّت لصالح مشروع الدستور 84 في المئة. كما تظهر في جولة الإعادة من الإنتخابات الرئاسيّة 2013 بين مرشّح الإخوان المسلمين الرئيس المعزول محمّد مرسي وبين الفريق أحمد شفيق مؤسس حزب الحركة الوطنية المصرية وأخر رئيس وزراء في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، حيث صوّتت المنيا لصالح محمّد مرسي بنسبة 64.46 في المئة.

ولفت زاخر إلى أنّ التعاطي البيروقراطيّ مع مشكلات العنف الطائفيّ في المنيا يزيدها، مشيراً إلى أنّ بيان رئاسة الوزراء خرج في 15 يناير/ كانون الثاني الحالي ليقول إن لم يتمّ إغلاق كنائس في المنيا، وهذا إداريّاً صحيح لأنّ القرية لم تكن فيها كنيسة ارذثوكسية (مرخصة) وإنما كنيسة انجيلية وهي لم تتعرض لأي اعتداءات ولم يتم إغلاقها، ولكن عمليّاً كان هناك مبنى يستخدم لأداء الصلوات وفقاً للعقيدة الارذثوكسية في القرية، وتمّ إغلاقه.

من جهته، قال أستاذ علم الاجتماع السياسيّ بالجامعة الأميركيّة بالقاهرة د.سعيد صادق لـ "المونتيور": "إنّ محافظة المنيا فيها الكثير من مقوّمات العنف الطائفيّ، فالصعيد كلّه من أكثر المناطق المتخلّفة اقتصاديّاً وضمن ألف قرية فقيرة في مصر 700 منها في الصعيد، والمنيا فيها نسبة كبيرة من الفقر، وكذلك تواجد مسيحيّ كبير، إضافة إلي وجود عدد من الأغنياء المسيحيّين، وهو ما يتمّ استخدامه في تغذية الطائفيّة لدى الفقراء المسلمين".

أضاف: "إنّ جغرافيّة المحافظة تفتح الباب أمام تواجد الجماعات المتطرّفة، التي تستطيع استخدام الظهير الصحراويّ غير المستغلّ للاختباء، والمدقّات التي تصل إلى السودان وليبيا للهروب، وهو ما جعل "داعش" حين حاول نقل مسرح عمليّاته من سيناء بسبب ضغط العمليّات هناك، الانتقال إلى المنيا في حادث دير الأنبا صموئيل. كما أنّ المحافظة كانت موطن العديد من القيادات التاريخيّة للجماعة الإسلاميّة وغيرها من التيّارات الدينيّة المتطرّفة".

وأشار سعيد صادق إلى أنّ تعامل الدولة مع التطرّف هناك يساعد على انتشاره، فالدولة لا تريد فتح جبهة ضدّ التطرّف في المنيا، خصوصاً في ظلّ وجود حرب ضد الجماعات الارهابية في سيناء. ولذلك، تذعن في الأغلب لطلبات المتطرّفين.

حاول "المونيتور" التواصل مع الأنبا أغاثون، وهو أسقف مغاغة تابع للكنيسة الارذثوكسية– أحد مراكز محافظة المنيا، وكذلك أسقف المنيا الأنبا مكاريوس تابع للكنيسة الارذثوكسية للحصول على تعليق منهما، إلاّ أنّهما رفضا.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept