نبض فلسطين

لماذا تخشى السلطة قرار أستراليا قطع دعمها البالغ 10 ملايين دولار سنويّاً؟

p
بقلم
بإختصار
قرّرت أستراليا، في 2 تمّوز/يوليو الجاري، قطع مساعداتها الماليّة المباشرة للسلطة الفلسطينيّة، خشية دفعها كرواتب شهريّة للفلسطينيّين المدانين بالقيام بعمليّات ضدّ أهداف إسرائيليّة ذات خلفيّة قوميّة، في تحدٍّ جديد للسلطة الفلسطينيّة التي تعاني من تراجع متواصل للمنح الماليّة الخارجيّة وعجز ماليّ في موازنة العام الجاري يقدّر بحوالى مليار دولار.

مدينة غزّة - قرّرت أستراليا في 2 تمّوز/يوليو الجاري قطع مساعداتها الماليّة المباشرة للسلطة الفلسطينيّة، خشية دفعها كرواتب شهريّة للفلسطينيّين المدانين بالقيام بعمليّات ضدّ أهداف إسرائيليّة ذات خلفيّة قوميّة، في تحدٍّ جديد للسلطة الفلسطينيّة التي تعاني من تراجع متواصل للمنح الماليّة الخارجيّة وعجز ماليّ في موازنة العام الجاري يقدّر بحوالى مليار دولار.

وقالت وزيرة الشؤون الخارجيّة الأستراليّة جولي بيشوب في بيان: إنّ بلادها قطعت التمويل الماليّ المقدّم إلى السلطة والبالغ 10 ملايين دولار سنويّاً من خلال الصندوق الاستئمانيّ المتعدّد المانحين التابع للبنك الدوليّ لصالح برنامج الإنعاش والتنمية الفلسطينيّ، وسيتمّ تحويل هذا المبلغ لصالح صندوق الأمم المتّحدة الإنسانيّ للأراضي الفلسطينيّة، الذي يقدّم خدمات إلى المحتاجين تتعلّق بالصحّة والغذاء والمياه والصرف الصحيّ والمأوى.

وأضافت بيشوب: "كتبت إلى السلطة الفلسطينية في 29 أيار/ مايو للحصول على تأكيدات واضحة بأن التمويل الاسترالي لا يستخدم لمساعدة الفلسطينيين المدانين بارتكاب أعمال عنف ذات دوافع سياسية"، إلا أن استراليا لم تحصل على هذه التأكيدات.

وعبّرت جولي بيشوب عن قلقها إزاء احتمال استخدام الأموال الأستراليّة لدعم "الأنشطة التي لن تدعمها أستراليا"، مشيرة إلى أنّها "واثقة" من استخدام مساهمات أستراليا الماليّة السابقة لصالح السلطة الفلسطينيّة بشكل مناسب، وقالت: "لقد أبلغت الحكومة الأستراليّة السلطة الفلسطينيّة والبنك الدوليّ بقرارنا".

ويأتي القرار الأستراليّ، تزامناً مع مصادقة الكنيست الإسرائيليّ في 2 تمّوز/يوليو الجاري بالقراءة الثانية والثالثة وبشكل نهائيّ، على قانون اقتطاع جزء من أموال الضرائب الفلسطينيّة (المقاصّة) التي تجبيها إسرائيل لصالح السلطة، يعادل المبالغ التي تدفعها للأسرى والجرحى والشهداء الفلسطينيّين وعائلاتهم، والبالغة 300 مليون دولار سنوياً. وستذهب هذه الأموال المقتطعة، بحسب القانون، لصالح دعم صندوق تعويض القتلى الإسرائيليّين خلال العمليّات الفلسطينيّة.

وكانت الولايات المتّحدة الأميركيّة اتّخذت قراراً مماثلاً ضدّ السلطة الفلسطينيّة، ففي آذار/مارس الماضي، وقّع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب على قانون "تايلور فورس" الذي يمنع وزارة الخارجيّة الأميركيّة من تحويل مساعدات إلى السلطة الفلسطينيّة بقيمة 300 مليون دولار، بسبب دفعها كرواتب لعائلات الشهداء والأسرى الفلسطينيّين.

وقال عضو اللجنة التنفيذيّة في منظّمة التحرير الفلسطينيّة أحمد مجدلاني لـ"المونيتور": "إنّ القرار الأستراليّ هو تكرار للقرار الأميركيّ، فهو يعبّر عن رضوخ أستراليا للإملاءات والمواقف الأميركيّة السلبيّة تجاه الفلسطينيّين، ويستجيب للضغوط الإسرائيليّة ضدّ القيادة الفلسطينيّة".

وأوضح أنّ أستراليا "تساوقت مع محاولات أميركا المستمرّة لحصار السلطة الفلسطينيّة ماليّاً من خلال خفض التمويل الأجنبيّ لها بذريعة قيام السلطة بدفع رواتب للأسرى، لكنّ السبب الحقيقيّ هو رفض السلطة الرعاية الأميركيّة لأيّ محادثات سلام مستقبليّة مع إسرائيل بعد قرار ترامب في كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2017 الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل".

وعن أثر توقّف الدعم الأستراليّ على موازنة الحكومة الفلسطينيّة العامّة، أشار أحمد مجدلاني إلى أنّ تراجع التمويل الخارجيّ للسلطة ليس جديداً، إذ تراجع هذا التمويل بنسبة 70 في المئة عمّا كان عليه خلال عام 2010، وقال: "إنّ الدعم الأستراليّ ليس كبيراً كفاية لإحداث تأثير سلبيّ ملموس على الاقتصاد الفلسطينيّ عند فقدانه، ولكن بصرف النظر عن حجم هذا الدعم، ما يهمنا هو الأبعاد السياسيّة لهذا القرار، فهي أكثر خطورة من الأبعاد الماليّة، إذ من شأن قرار كهذا أن يشجّع دولاً أخرى على قطع دعمها للسلطة، تماشياً مع الموقف الأميركيّ، وهو ما يعني المزيد من العجز الماليّ الفلسطينيّ".

وكانت الحكومة الفلسطينيّة قد أعلنت في بيان أصدرته بـ27 شباط/فبراير الماضي أنّ موازنة هذا العام تبلغ قيمتها 5.8 مليارات دولار، فيما تبلغ الإيرادات حوالى 4 مليارات دولار، إضافة إلى أموال التمويل الخارجيّ البالغة 775 مليون دولار، الأمر الذي يعني وجود عجز ماليّ في موازنة العام يبلغ مليار دولار.

ورأى المحلّل الاقتصاديّ عادل سمارة الذي يشغل منصب رئيس تحرير مجلة كنعان الصادرة في رام الله، خلال حديثه مع "المونيتور" أنّ الإجراء الأستراليّ "تمّ بالتنسيق مع أميركا وإسرائيل ضمن خطّة محاصرة السلطة الفلسطينيّة ماليّاً"، متوقّعاً قيام المزيد من الدول أو الهيئات الدولية التي تقدّم مساعدات إلى السلطة، مثل الاتحاد الاوروبي باتّخاذ الإجراء الأستراليّ ذاته بضغط أميركيّ بذريعة دفع أموال التمويل الأجنبي كرواتب للأسرى الفلسطينيين المدانين بارتكاب عمليات ضد أهداف إسرائيلية.

وكان السفير الفلسطيني لدى ماليزيا أنور الآغا قال في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام المحلية عن وكالة أنباء "برناما" الماليزية نشرت في 5 يناير الماضي: "إن فلسطين لا تعتمد على المساعدات الأميركية وحدها، إذ أنها تتلقى أيضا مساعدات من الدول الأخرى"، مشيراً إلى أن فلسطين تتلقى مساعدات من الاتحاد الأوروبي والدول الآسيوية مثل اليابان والصين.

وتقدم الولايات المتحدة الأمريكية أكبر تمويل مالي مباشر للسلطة الفلسطينية يبلغ نحو 350 مليون دولار سنوياً، يليها الاتحاد الأوروبي الذي رصد هذا العام 158 مليون يورو كمساعدات مباشرة للسلطة الفلسطينية.

وبدأت الدول المانحة بتقديم المساعدات للسلطة الوطنية الفلسطينية عقب انعقاد مؤتمر المانحين في أكتوبر 1993 في واشنطن، بهدف مساعدة السلطة الفلسطينية على إدارة المناطق الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو مع إسرائيل في ذات العام. ونتج عن هذا المؤتمر تشكيل مجموعة الدول المانحة المكونة من 15 عضواً برئاسة النرويج، ومن بين المانحين الولايات المتحدة الأمريكية، الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. وتجتمع هذه المجموعة عادة على المستوى الوزاري مرة كل عام، وعقد آخر اجتماع لها نهاية يناير الماضي في بروكسل إذ قررت تقديم ما يزيد عن 42 مليون يورو كمساعدات للفلسطينيين.

وقال سمارة: "إنّ السلطة تعتمد على إيراداتها من خلال مصدرين أساسيّين، هما: أموال المقاصّة وأموال التمويل الأجنبيّ، ولكن ما يجري هو أنّ إسرائيل تحاول قدر المستطاع اقتطاع أكبر قدر ممكن من أموال المقاصّة لذرائع مختلفة، فيما تسعى أميركا إلى تقليص الدعم الأجنبيّ للسلطة قدر الإمكان".

وأوضح أنّ هذا الحصار بدأ فعليّاً بعد قرار السلطة رفض الرعاية الأميركيّة لأيّ مفاوضات سلام مستقبليّة مع إسرائيل بسبب إخراج أميركا القدس من طاولة المفاوضات مع إسرائيل، ويبدو أنّ الهدف من هذا الحصار هو ثني السلطة عن قرارها.

ولفت عادل سمارة إلى أنّ السلطة تعاملت مع انخفاض التمويل الأجنبيّ بخفض نسبة صرف رواتب موظّفيها الشهريّة في غزّة إلى 50 بالمئة، وتبنّي تدابير ضريبيّة جديدة من أجل مواجهة العجز الماليّ في الموازنة، وقال: "من شأن المزيد من التراجع في المنح الأجنبيّة أن يدفع بالسلطة إلى المزيد من التقليصات في رواتب موظّفيها، وتبنّي ضرائب جديدة، وهذا سيدفع ثمنه الشعب".

من جهته، قال المحلّل السياسيّ والاقتصاديّ محسن أبو رمضان، الذي شغل سابقاً منصب رئيس شبكة المنظّمات الأهليّة في قطاع غزّة، لـ"المونيتور": "إن السلطة الفلسطينيّة تمرّ في أسوأ سيناريو يحدث لها منذ نشأتها يكمن بالمساعي الأميركيّة لتجفيف منابع المال".

ورأى أبو رمضان أنّ البديل لتعويض انخفاض التمويل الأجنبيّ، هو تفعيل شبكة الأمان العربيّة التي شكّلتها القمّة العربيّة في شرم الشيخ بآذار/مارس من عام 2015، والتي تهدف إلى تقديم 100 مليون دولار شهريّاً من الدول العربية للسلطة الفلسطينيّة، وقال: "رغم قرار العرب بدعم السلطة ماليّاً من خلال شبكة الأمان هذه، إلاّ أنّ العرب غير ملتزمين بدعمها. كما أنّ دولاً عربيّة عدّة قطعت دعمها عنها بشكل كامل مثل الإمارات العربيّة المتّحدة والمملكة العربيّة السعوديّة، بسبب تدهور العلاقات بينهما".

وأمام الانخفاض المستمرّ للتمويل الأجنبيّ وعدم التزام الدول العربيّة بتعهّداتها الماليّة للسلطة، قال سمارة: إنّ الخيار الوحيد المتبقّي أمام السلطة "هو حلّ نفسها فوراً وتحويل كلّ مسؤوليّاتها إلى سلطات الاحتلال الإسرائيليّ التي يجب أن تتحمّل مسؤوليّة احتلالها المستمرّ لأراضينا الفلسطينيّة من خلال توفير الخدمات الأساسيّة للفلسطينيّين مثل الغذاء والكهرباء والتكفّل بدفع رواتب الموظّفين، كما كانت الحال قبل نشأة السلطة الفلسطينيّة".

رشا أبو جلال كاتبة وصحافية مستقلة من غزة مختصة بالأخبار السياسية والقضايا الإنسانية والاجتماعية المرتبطة بالأحداث الراهنة.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept