الهجمات المشتركة في سوريا تبني الثقة الأميركية-الأوروبية على مشارف مهلة حاسمة لبت مصير الاتفاق النووي مع إيران

p
بقلم
بإختصار
مع انضمام المملكة المتحدة وفرنسا إلى الولايات المتحدة في شن هجمات على خلفية استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، تتنامى الثقة بين فريق الأمن القومي في إدارة ترامب وفرق الأمن القومي الأوروبية على مشارف انقضاء إحدى المهل الأساسية المتعلقة بالاتّفاق النووي مع إيران في شهر أيار/مايو المقبل.

واشنطن — مع انضمام المملكة المتّحدة وفرنسا إلى الولايات المتّحدة في الهجمات التي استهدفت منشآت مرتبطة بالأسلحة الكيميائيّة السوريّة في نهاية الأسبوع الماضي، يتنامى التنسيق والثقة بين فريق الأمن القومي في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفرق الأمن القومي التابعة للحلفاء الأوروبيين الذين كانوا حذرين في السابق، وفق ما جاء على لسان مسؤولين أميركيين وأوروبيين.

قال مسؤول كبير في إدارة ترامب طلب عدم الكشف عن هويته، في اتّصال مع البيت الأبيض في 14 نيسان/أبريل غداة شن هجمات أميركية-بريطانية-فرنسية مشتركة ضد منشآت مرتبطة بالأسلحة الكيميائية السورية: "من الأمور التي تحدث بهدوء، نذكر تبلوُر علاقة وثيقة جداً بين فرق الأمن القومي المختلفة، كي يصبح هناك تعارفٌ بين جميع المعنيّين، ويفهم كل منهم نوايا الآخر... والأماكن حيث يمكن انتهاز الفرص لتحقيق أهداف مشتركة".

في حين أنّ العلاقات بين ترامب وكبار القادة الأوروبيّين كانت حافلة بالمطبّات، قد تحمل التجربة المتنامية في العمل معاً عن كثب على مسائل أساسية تتعلق بحظر الانتشار على المستويَين الشرق أوسطي والدولي، خبراً سارّاً للآفاق الساعية إلى التوصّل إلى توافق ما حول الحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران. من المرتقب أن يستضيف ترامب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أول زيارة رسمية له إلى الولايات المتحدة في 24 نيسان/أبريل الجاري. ومن المقرّر أن تجتمع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بترامب في البيت الأبيض في 27 نيسان/أبريل.

لقد أعلن ترامب أنه لن يعمد إلى تجديد إجراءات رفع العقوبات عن إيران في المهلة الزمنيّة المقبلة التي تنتهي في 12 أيار/مايو، في حال لم تتوصّل الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الثلاث (الثلاثية الأوروبية) – بريطانيا وفرنسا وألمانيا – إلى اتفاق للتشدّد في موقفها المشترك من إيران.

لكنّ مسؤولاً أوروبياً صرّح أن تقدّماً مهماً أُحرِز في المحادثات بين الولايات المتّحدة والثلاثية الأوروبيّة حول صياغة نص لمعالجة مخاوف ترامب في الموضوع الإيراني.

فقد قال المسؤول الأوروبي الذي طلب عدم الكشف عن هويّته، غداة الجولة الأخيرة من محادثات مجموعة العمل حول إيران المؤلّفة من الولايات المتحدة والثلاثية الأوروبية، والتي انعقدت في واشنطن في 11 نيسان/أبريل: "خرجنا مع انطباع بأننا نحقّق تقدّماً جيداً نحو معالجة مخاوف الرئيس".

وأعرب المسؤول الأوروبي عن ثقته بأنّ المسؤولين السياسيّين في الولايات المتّحدة والثلاثية الأوروبية سيتمكّنون من التوصّل إلى اتفاق حول مجموعة من الوثائق التي تستجيب بمصداقية لمخاوف ترامب في الموضوع الإيراني. بيد أن المسؤول أقرّ بأنه حتى لو تمكّنوا من إنجاز مسوّدة تفاهم سياسي، كما هو متوقَّع، ليس واضحاً على الإطلاق ما إذا كان ترامب على استعداد لقبولها.

كذلك أعرب دبلوماسي أوروبي ثانٍ معنيّ بالمحادثات بين الولايات المتّحدة والثلاثيّة الأوروبيّة، عن الارتياب بشأن المغزى من تحقيق تقدّم تقني باتجاه التوصّل إلى نص مشترك إذا كان ترامب قد اتّخذ قراراً سياسياً بالانسحاب من الاتفاق.

فقد صرّح الدبلوماسي الأوروبي الثاني لموقع المونيتور، "أظنّ أنّ النقاشات التقنية تحقق تقدّماً، لكنني أخشى أنّه لن يكون المعيار الوحيد/الأساسي الذي سيستند إليه قرار الدوائر المعنيّة في واشنطن".

وأعرب عن تطلّعه إلى أن يساهم العمل معاً لمكافحة الأسلحة الكيميائية في سوريا، في تعزيز الجهود العابرة للأطلسي في موضوع الاتفاق مع إيران، إنما أبدى شكوكه في هذا المجال قائلاً: "لا أحد يدري. سيكون ذلك منطقياً: مكافحة أسلحة الدمار الشامل يداً بيد أمرٌ منطقي جداً بدلاً من التباعد".

وفي خطوة لافتة، بادر ترامب، الذي غالباً ما يشتكي من أنّ البلدان الأخرى تستغلّ الولايات المتّحدة، إلى شكر فرنسا والمملكة المتحدة لدى إعلانه عن انطلاق عملية عسكرية مشتركة ضد منشآت الأسلحة الكيميائيّة في سوريا في 13 نيسان/أبريل. وقال مستشارو ترامب لاحقاً إنّ التنسيق الوثيق بين القيادات وفرق الأمن القومي في الدول الثلاث، في خلال الأسبوع المنصرم، شكّل انعكاساً للثقة والألفة المتناميتَين في ما بينها.

وصرّح ترامب في بيان متلفز تلاه من البيت الأبيض عند الإعلان عن الهجمات على سوريا: "تُشَنّ حالياً عمليّة مشتركة مع القوّات المسلّحة الفرنسيّة والبريطانيّة. ونحن نتوجّه بالشكر إلى الدولتَين".

وأضاف: "اليوم، حشدت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية قوتها المحقّة ضد البربرية والهمجية".

وقد أشار معاونو ترامب لشؤون الأمن القومي إلى أنّ الرئيس الأميركي كان يتكلّم هاتفياً، بصورة شبه يوميّة، مع ماكرون ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، في الأسبوع الواقع بين ما يُشتبَه بأنه هجوم بغازَي الكلور والسارين في دوما بالغوطة الشرقية يوم 7 نيسان/أبريل، وبين الإعلان عن الهجمات المشتركة.

قال المسؤول الكبير في إدارة ترامب في الاتّصال الهاتفي مع البيت الأبيض يوم السبت: "مع مرور الوقت، نشأت بين الرئيس ترامب والرئيس ماكرون ورئيسة الوزراء ماي بشكل خاص، علاقة تنسيق استراتيجي وثيقة جداً، وعلاقة قائمة أيضاً على مستوى متزايد من الثقة".

وأضاف أنّ "هذا ينطبق أيضاً على فرق الأمن القومي في إداراتهم".

وقال مسؤول كبير ثانٍ في الإدارة الأميركية: "لقد رصّت ثلاث دول ذات عضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي صفوفها من أجل القيام بخطوة حازمة جداً في عملية مشتركة كانت سلسة إلى حد كبير"، مضيفاً: "لا بد من التنويه بقدرة [الرئيس] على تشكيل هذا الائتلاف والحصول على الدعم الراسخ من فرنسا وبريطانيا العظمى لهذا التحرّك".

لم يكن واضحاً ما إذا كانت العملية العسكرية الأميركية-البريطانية-الفرنسية المشتركة في سوريا لمحاولة إعادة فرض الردع ضد استخدام الأسلحة الكيميائية، ستترتّب عنها تداعيات على مداولات ترامب في الموضوع الإيراني. قال عدد من المسؤولين الأميركيين السابقين الذين عملوا على الملف النووي الإيراني، إنه يمكن التوصل إلى اتفاق في حال كان ترامب مستعدّاً للقبول به. لكنهم لفتوا إلى أنّ التعيينات الأخيرة لشخصيات صقورية من المشكّكين بالاتفاق الإيراني في فريق الأمن القومي في إدارة ترامب، بما في ذلك تعيين جون بولتون مستشاراً للأمن القومي، وتسمية مدير وكالة المخابرات المركزية، مايك بومبيو، لمنصب وزير الخارجية، ربما تنذر بالسوء في نظر أولئك الذين يعتبرون أنه من مصلحة الولايات المتحدة الحفاظ على الاتفاق النووي الذي أُبرِم مع إيران في العام 2015، والبناء عليه.

قال إيلان غولدنبرغ، وهو مسؤول سابق في البنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية معنيّ بشؤون الشرق الأوسط، لموقع المونيتور: "لا شك في أنه يجب التوصل إلى تسوية ما".

وأردف غولدنبرغ الذي يعمل راهناً لدى "مركز الأمن الأميركي الجديد": "لكنني سمعت من بعض المسؤولين في الإدارة أن حظوظ التوصل إلى اتفاق قد تراجعت"، مضيفاً: "لديّ انطباع بأنّ المفاوضات كانت جارية [بين الولايات المتّحدة والثلاثيّة الأوروبيّة] وكانت الأمور تسير على ما يرام، ثم تلقّوا تعليمات إضافية من الرئيس بأنه يُفترَض بهم اعتماد خطّ أكثر تشدّداً، فازدادت المفاوضات صعوبة. وعلاوة على ذلك، يُضيف [وصول] بومبيو وبولتون... مزيداً من المخاوف والشكوك بشأن ما يمكن أن يحدث".

ورداً على سؤال حول ما إذا كان العمل معاً من أجل التصدّي لاستخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا يساهم في بناء حسن النيّة بين الحلفاء بغية التوصّل إلى تسوية في الموضوع الإيراني، أجاب غولدنبرغ أنه يصعب الجزم في هذا المجال لأن الأمر يتوقّف إلى حد كبير على مزاج ترامب.

وأضاف: "لا يمكن أن يكون ذلك مصدراً للأذى، إنما لا أعرف ما إذا كان سيؤدّي دوراً حاسماً. [ترامب] شديد التقلّب، ولذلك لا يمكن الجزم".

وأشار غولدنبرغ إلى أنّ إدارة ترامب قد تعمد إلى إرجاء إصدار قرار حول رفع العقوبات عن إيران في 12 أيار/مايو، في محاولة منها لزيادة الضغوط على الأوروبيّين، ثم السعي إلى التوصّل إلى اتفاق متشدّد في مرحلة لاحقة.

وقد أعرب خبير العقوبات والمفاوِض الأميركي السابق حول الاتفاق النووي الإيراني، ريتشارد نفيو، عن تشاؤمه أيضاً مشكّكاً في إمكانيّة أن يساهم أيّ تقارب بين ترامب وحلفائه الأوروبيّين على خلفية الهجمات المشتركة في سوريا، في جعله أكثر انقياداً لهم في البنود الأخرى المدرَجة على جدول أعماله، مثل التجارة وإيران.

وقال نفيو، الذي يعمل الآن في جامعة كولومبيا، لموقع المونيتور، "نحن نبالغ في قراءتنا للتعاون في الملف السوري".

ولفت في هذا الصدد إلى أنّ الولايات المتّحدة والثلاثيّة الأوروبيّة "أحرزتا تقدّماً حقيقياً، وثمة كلمات ومصطلحات تضمن نظرة أكثر ليونة من جانب ترامب ونظرة أوروبيّة أكثر تشدداً"، مضيفاً: "لكن ذلك يقتضي تحرّكاً من الطرفَين. أشكّك في حدوث ذلك. سبق أن رأينا مثل هذا المشهد سابقاً".

غرّد السفير الفرنسي لدى الولايات المتحدة جيرار آرو، عبر "تويتر" في 12 نيسان/أبريل: "قدّمت فرنسا وألمانيا والمملكة المتّحدة مقترحات مهمّة تستجيب لمخاوفنا المشتركة بشأن الأنشطة الإيرانيّة، مع الحفاظ على الاتفاق الإيراني".

ويقول داريل كيمبال، المدير التنفيذي لـ"جمعية ضبط الأسلحة"، إنه على ترامب أن يتعلّم التجاوب مع الحلفاء الأوروبيين الذين بذلوا جهوداً دؤوبة لمحاولة معالجة مخاوفه بشأن خطّة العمل المشتركة الشاملة لعام 2015.

وأضاف، "يجب أن يساهم التعاون الأميركي-البريطاني-الفرنسي الأخير للرد على استخدام [الأسلحة الكيميائية] في سوريا، في تعزيز ثقة إدارة ترامب بالتزام حلفائنا الأوروبيين بالتعامل مع التحدّيات الأمنية الأخرى في الشرق الأوسط. يقتضي ذلك أن تعمل واشنطن مع حلفائنا الأوروبيين لتدعيم خطة العمل المشتركة الشاملة".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : صفقة إيران
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept