نبض إيران

المشترعون الإيرانيّون يعطّلون تخفيضات الإعانات النقدية

p
بقلم
بإختصار
تسبّبَ مجلس الشّورى الإيراني بتقويض شديد للخطّة التي اقترحتها الإدارة الإيرانيّة لوقف دفعات الإعانات النقديّة، وذلك في إطار ردّ فعل تُحرِّكه دوافع سياسيّة في مواجهة الجهود الآيلة إلى التوفير في التكاليف.

تحوّل البند المتعلّق بوقف الإعانات النقديّة لشريحة واسعة من الإيرانيّين إلى مسألة مثيرة للجدل في مشروع الموازنة الأوّلي للسنة الإيرانيّة المقبلة التي تبدأ في 21 آذار/مارس. ويلمّح البعض إلى أنّ احتمال وقف الإعانات تسبّب بظهور المظالم التي أدّت إلى اندلاع الاحتجاجات في أواخر شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي. وفي 22 شباط/فبراير، أُنجِز الإطار الجديد للإعانات النقدية كجزء من إقرار قانون الموازنة للسنة الإيرانيّة المقبلة. لكن ما هي التّغييرات الفعليّة التي أدخلها المشترعون، وما هي تداعياتها على الاقتصاد الإيراني؟

تواجه إدارة الرّئيس حسن روحاني معضلة كبرى لجهة مواصلة إصلاحات الدّعم التي انطلقت في العام 2010، وكان إصلاح برنامج الإعانات النقدية أمراً متوقَّعاً بعد إعادة انتخاب روحاني في أيار/مايو 2017. تشتمل التغييرات على رفع الدّعم عن مجموعة متنوّعة من السلع على غرار الكهرباء والماء في مقابل تسديد دفعات نقديّة شهريّة للمواطنين. فبغية حماية الطبقات ذات الدخل المنخفض وتخفيف العبء المالي عن كاهل الخزينة، كان على الحكومة أن تبحث عن سبل لسدّ فجوة الدّخل.

عندما قدّم روحاني موازنته إلى مجلس الشورى في العاشر من كانون الأول/ديسمبر الماضي، أشار إلى أنّ القضاء على الفقر يندرج ضمن أهدافه الأساسيّة. وكانت إحدى الأدوات لتحقيق هذا الهدف الحرص على الاستخدام الفاعل للموارد المادّية التي تُسدَّد مباشرةً إلى الجزء الأكبر من المواطنين الإيرانيّين. في الواقع، احتسب المسؤولون الحكوميّون أنّه لا يمكن الاستمرار في تسديد دفعات نقديّة شهريّة قدرها 455,000 ريال إيراني (نحو 12.50 دولاراً) للشّخص الواحد إلا إذا جرى خفض أعداد المستفيدين إلى النّصف. لقد تضمّنَ مشروع الموازنة تخصيص 230 تريليون ريال (6.9 مليارات دولار) للإعانات النقديّة، وهو مبلغٌ يكفي لتسديد الإعانات النقديّة إلى 42.1 مليون مواطن فقط في السّنة الإيرانيّة المقبلة. ونشير في هذا الصّدد إلى أنّه في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، كان 76.3 مليون إيراني (من أصل 81 مليون نسمة)، يحصلون على إعانات نقديّة، وقد اقترحت الحكومة خفض العدد إلى 42.1 مليون العام المقبل. بذلت الإدارة الإيرانيّة، على امتداد سنوات، محاولات لاستثناء الطّبقات ذات الدخل المرتفع من الحصول على الإعانات النقديّة، لكنّها فشلت في ذلك. وكانت الخطّة التي وضعتها الإدارة في إطار المقاربة الجديدة تقضي بالتركيز على الطّبقات ذات الدخل المنخفض (العمّال، وموظّفي الخدمة المدنيّة، والأسر التي تديرها أمّ عزباء أو أب عازب، والأشخاص المسجَّلين لدى منظّمات الرّعاية المختلفة التابعة للدولة). وبموجب الخطة، يستطيع الذين يعتبرون أنه تم استثناؤهم عن غير وجه حق، الطّعن بالقرار.

في خلال المداولات البرلمانيّة، كانت الخطّة الهادفة إلى خفض الإعانات النقديّة أحد الأسباب الكامنة وراء رفض أكثرية المشترعين لمشروع الموازنة.

وليس واضحاً ما إذا كان النّواب يستجيبون للمطالب الشّعبيّة أو كانوا مقتنعين بأنّ الإعانات النقديّة هي أمرٌ إيجابي للاقتصاد الإيراني. والحقيقة المؤسفة في السّياسة الشعبويّة هي أنّ الإعانات النقديّة قد تكون من المخرجات الملموسة القليلة التي يمكن أن يعرضها المشترعون على ناخبيهم عندما يبدأون حملاتهم الانتخابيّة للفوز بولايات جديدة في أواخر العام 2019.

أقرّ مجلس الشورى النسخة المعدَّلة، بما في ذلك الإطار المعدَّل لإصلاحات الدعم والإعانات النقديّة، وهي الآن في انتظار أن يوافق عليها مجلس صيانة الدستور. ووفقاً للقرار البرلماني، سوف يحدث الآتي في دورة الموازنة الجديدة:

سوف يزداد مجموع المبالغ المخصّصة للإعانات النقديّة في الموازنة إلى 300 تريليون ريال (أي بزيادة نسبتها 30 في المئة عن الخطّة الأصليّة)، ما يعني أن نحو 55 مليون إيراني قد يحصلون على دفعات نقديّة شهريّة. فضلاً عن ذلك، خصّص مجلس الشورى موازنة من 70 تريليون ريال لتوسيع الدّعم المادّي إلى العائلات التي ينخفض دخلها الأسري إلى ما دون خطّ الفقر. كذلك تُتيح النسخة المعدَّلة للحكومة تخصيص 50 تريليون ريال إضافيّة للإعانات النقديّة عند الاقتضاء.

ويجب التوقّف عند بعض التفاصيل الأخرى في قانون الموازنة النهائي:

  • النسخة التي أعدّها مجلس الشورى مبهمة ولا تتضمّن معلومات وافية عن الموارد الماليّة التي سيتمّ التعويل عليها من أجل تسديد دفعات الإعانات النقديّة في المستقبل. لقد خطّطت الإدارة الإيرانية لزيادة سعر البنزين بنسبة 50 في المئة ليصل إلى 15,000 ريال، وسعر الديزل بنسبة 33 في المئة ليصبح 4,000 ريال لليتر الواحد، بغية المساهمة في تمويل الدفعات النقديّة وخفض استهلاك الوقود؛ غير أنّ المشترعين حذفوا هذا البند من الموازنة النهائيّة، وسمحوا للحكومة بزيادة أسعار الوقود بنسبة 10 في المئة فقط. لكنّ الزيادة بنسبة 10 في المئة بالتوازي مع التضخّم لن تؤدّي على الأرجح إلى خفض الاستهلاك، وسوف تستمرّ المدن الكبرى بالمعاناة من تلوّث الهواء.
  • بما أنّ مشروع الموازنة الأصلي واضح جداً لناحية أنّ الموارد المادّية لتمويل الإعانات النقديّة يجب أن تؤمَّن عن طريق مدخول إضافي يُجمَع من الزيادة في أسعار الوقود والطّاقة، كان على المشترعين أن يستنبطوا أفكاراً خلّاقة. فتحوّل مجلس الشورى نحو الإيرادات غير المباشرة من التّعاملات المتعلّقة بالطّاقة، مثل صادرات الكهرباء، وفائض العائدات الحكوميّة من مبيعات الغاز وصادراته.
  • كُلِّفت الحكومة وقف تقديم الإعانات النقديّة، "بصورة تدريجيّة"، إلى الطّبقات ذات المداخيل الأعلى، ما يتسبّب بمتاعب إضافيّة لخزينة الدولة. كذلك تنصّ نسخة مجلس الشورى على أنّه بإمكان العائلات التي تعتبر أنه يجب أن تستمرّ في الحصول على الدفعات، أن تتقدّم بشكاوى لدى وزارة التعاونيّات والعمل والرعاية الاجتماعيّة.

لا شكّ في أنّ الضّغوط التي يمارسها مجلس الشّورى ضدّ الخطط التي وضعتها الإدارة بهدف ترشيد الإنفاق الحكومي، تنطلق من دوافع سياسيّة. وفي حين أنّ المسؤولين في الإدارة قلقون من التأثير المالي على خزينة الدّولة، يدّعي عضو مجلس الشورى حميد رضا حاجي بابائي أنّه بالاستناد إلى تصنيف بعض المداخيل في خانة "العائدات المتعلّقة بإصلاحات الدعم"، من شأن الحكومة أن تولّد إيرادات قدرها نحو ألف تريليون دولار، على أن يُقتطَع منها مبلغ 370 تريليون دولار فقط من أجل تسديد الدفعات إلى المواطنين.

لكنّ حاجي بابائي أغفل حقيقتَين مهمّتين: أولاً، ورد في القانون الأصلي المتعلّق بإلغاء الدّعم أنّ المدخول الإضافي الذي تؤمّنه زيادة أسعار المحروقات سوف يُخصَّص لتمويل ثلاثة أنشطة: الإعانات النقديّة، والاستثمارات في تحقيق الاستخدام الفعّال للطّاقة، والودائع في الخزينة لتعزيز قدرة الحكومة على الاستثمار في البنى التحتيّة واستحداث الوظائف. ثانياً، يجب أخذ التأثيرات التضخّمية في الاعتبار عند تحديد حجم "الإيرادات الإضافيّة". فحاجي بابائي لا يزال يستند في حساباته إلى مقارنات الأسعار لعام 2010.

في المحصّلة، تعرّضت خطّة الإدارة الهادفة إلى الحدّ من الفقر واستحداث الوظائف، لضربة قويّة تسبّبت بإضعافها. كان مشروع الموازنة الأوّل ليُثير بعض التململ الاجتماعي، إنّما من منظور الاقتصاد الكلّي، كانت الآفاق التي يُتيحها في مجالَي الاستثمارات الجديدة في البنى التّحتيّة واستحداث الوظائف لتُبرّر الصّدمة. غير أنّ التعديلات التي أدخلها مجلس الشورى أدّت إلى تحجيم تلك الآفاق.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept