نبض مصر

هل تسعى المؤسّسة العسكريّة في مصر إلى التمدّد داخل القطاع الثقافيّ؟

p
بقلم
بإختصار
تحت عنوان "جيش وشعب"، شاركت القوّات المسلّحة المصريّة في جناح خاصّ داخل معرض القاهرة الدوليّ للكتاب، في دورته التاسعة والأربعين، خلال الفترة من 27 كانون الثاني/يناير وحتّى 10 شباط/فبراير الجاري، بهدف التواصل مع المواطنين وتوعيتهم بمخاطر المؤامرات الخارجيّة التي تدبّرها قوى الشرّ والقوى الأجنبيّة مستهدفة الدولة والجيش، ممّا اعتبره البعض محاولات عسكريّة للتمدّد داخل الأوساط الثقافيّة، بهدف السيطرة على القطاع والتأثير في عقول المواطنين.

القاهرة — تحت عنوان "جيش وشعب"، شاركت القوّات المسلّحة المصريّة في جناح خاصّ داخل معرض القاهرة الدوليّ للكتاب في دورته التاسعة والأربعين، خلال الفترة من 27 كانون الثاني/يناير وحتّى 10 شباط/فبراير الجاري، وذلك فى إطار نشر الوعي والثقافة العسكريّة وتأصيل القيم الوطنيّة لدى الشعب المصرىّ بمختلف فئاته، بحسب المتحدّث العسكريّ العقيد تامر الرفاعي في بيان رسميّ، عبر صفحته الرسميّة على موقع التواصل الاجتماعيّ "فيسبوك" في 27 يناير الماضي.

قام "المونيتور" بزيارة إلى جناح القوّات المسلّحة في معرض الكتاب بمنطقة مدينة نصر غرب القاهرة، للتعرّف على محتوياته. بمجرّد أن تسير أمام قاعة عبد الرحمن الشرقاوي، داخل المعرض حيث يقام الجناح، يدعوك عدد من موظّفي الاستقبال، وهم من الجنود والأفراد التابعين إلى القوّات المسلّحة، إلى دخول القاعة ومشاهدة جناح وزارة الدفاع، الذي تمّ تصميمه بطراز فائق الجودة، وتصميم فنّيّ عالٍ، ومساحة تفوق غيره من دور النشر الأخرى حيث يوجد على أبوابه العديد من التماثيل واللوحات الجداريّة والفنّيّة التي تجسّد بطولات المقاتل المصريّ على مرّ العصور، وذلك لجذب زوّار المعرض.

وبمجرّد دخولك القاعة الرئيسيّة للجناح، تجد مكبّرات الصوت محيطة بك في كلّ اتّجاه، تذيع أغنية "تسلم الأيادي"، إحدى أكثر الأغنيات التي أنتجت في أعقاب أحداث 30 حزيران/يونيو 2013، التي أدّت إلى سقوط حكم جماعة الإخوان المسلمين. وتخاطب الأغنية القوّات المسلّحة، وتشكرها على ما بذلته من جهد وتضحية ووقوفها إلى جانب الشعب المصريّ وحمايته من حكم الفاشيّة الدينيّة الذي خرجت المظاهرات تطالب بإسقاطه في 30 حزيران/يونيو، وانتهت بإعلان الجيش انتهاء حكم جماعة الإخوان المسلمين في 3 تمّوز/يوليو.

ويتضمّن الجناح مجموعة من أبرز مؤلّفات الضبّاط في شتّى المجالات الحياتيّة مثل السياسة والاجتماع والتكنولوجيا والثقافة، ويتجاوز عددهم الـ 6 أقسام، حيث يقف ضابط على كلّ قسم بهدف شرح محتوياته، وتشمل الأقسام قسم العلوم الاجتماعيّة وتضمّ كتباً عن ميكانيكا السيّارات ومراقبة الجودة وسبل نجاح المشاريع، وقسم المعارف العامّة ويضمّ إصدارات القوّات المسلّحة من الصحف والمجلّات العسكريّة، من بينها مجلّات النصر والمجاهد والدفاع والوفاء والمجلّة الطبّيّة العسكريّة، وقسماً آخر تحت عنوان "أبطال من حرب أكتوبر"، يتمّ فيه شرح ما قام به الجيش المصريّ في حرب تشرين الأوّل/أكتوبر 1973 التي تكلّلت بالفوز على إسرائيل.

ويضمّ الجناح أيضاً قسماً خاصّاً تحت عنوان "شخصيّات عسكريّة أثّرت في الحياة الثقافيّة المصريّة"، وهو عبارة عن مجموعة من مؤلّفات الضبّاط، تبرز التواجد العسكريّ في الحياة الثقافيّة في مصر ونجاحها، حيث يضمّ شخصيّات فنّيّة وأدبيّة ذا خلفيّة عسكريّة، مثل الفنّان الراحل أحمد مظهر الملقّب بفارس السينما المصريّة، الذي تخرّج من الكلّيّة الحربيّة، وعمل في سلاح الفرسان، قبل أن يتفرّغ للتمثيل ويصبح من أشهر فنّاني عصره .

كما يستعرض القسم شخصيّة الأديب الكبير يوسف السباعي الذي ترك الخدمة العسكريّة بعد وصوله إلى رتبة عميد، ليتفرّغ للأدب والفنّ ويصبح من أكبر الروائيّين والكتّاب المسرحيّين في العالم العربيّ، ويتولّى العديد من المناصب الثقافيّة حتّى يصبح وزيراً للثقافة المصريّة عام 1973 حيث عينه السادات وزيرا للثقافة، ويضمّ القسم كتاباً آخر يتحدّث عن الكابتن محمود الجوهري، أحد أبرز المدرّبين في تاريخ كرة القدم المصريّة والعربيّة، حيث كان المدير الفنّيّ للمنتخب المصريّ، ومستشار رئيس الاتّحاد الأردنيّ لكرة القدم، بعدما ترك خدمته في القوّات المسلّحة في رتبة عميد.

وتحت عنوان "العلوم البحثيّة"، يستعرض الجناح كتباً خاصّة تتعلّق بالتحدّيات الخارجيّة التي تواجه مصر، واستهداف أمنها القوميّ وسلامتها، من بينها كتاب يحمل اسم "التدخّل الإيرانيّ في المنطقة وتأثيره على الأمن القوميّ العربيّ"، وآخر تحت عنوان "دراسة حالة جمهوريّة الصومال سياسيّاً واقتصاديّاً وعسكريّاً وتأثيرها على الأمن القوميّ".

وهناك قسم آخر تحت عنوان "تأثير الجرائم الإلكترونيّة على الأمن القوميّ"، يتناول فيه أبرز مؤلّفات الضبّاط عن مخاطر الإنترنت، والجرائم الإلكترونيّة التي تستهدف أمن مصر القوميّ .

وقال المسؤول عن جناح وزارة الدفاع المصريّة في المعرض العميد أحمد الزيّات، في تصريحات صحافية، في 1 فبراير الجاري، إنّ الهدف الأساسيّ من تواجدهم في المعرض هو حاجة القوّات المسلّحة إلى التواصل مع المواطنين، "وتوعيتهم بمخاطر المؤامرات الخارجيّة التي تدبّرها قوى الشرّ والقوى الأجنبيّة مستهدفة الدولة والجيش".

وقال مساعد وزير الدفاع الأسبق وأستاذ العلوم الاستراتيجيّة في أكاديميّة ناصر العسكريّة العليا، أكاديمية ناصر العسكرية، وهي أكاديمية تعليمية للضباط فقط، اللواء أحمد عبد الحليم، في تصريح إلى "المونيتور"، إنّ الجيش يهتمّ دائماً بالقراءة والثقافة داخل صفوفه، وخلال العقود الماضية، كان حاضراً في المشهد الثقافيّ ولا يستطيع أحد أن ينكر ذلك.

كان تشارك القوات المسلحة بمعرض الكتاب، ولكن بشكل رمزي، وكانت الكتب عسكرية فقط. ولكن هذا العام، هو الأول الذي يعرض فيه الجيش كتب تتعلق بالشخصيات العسكرية التي أثرت في الحياة الثقافية، أو كتب تتعلق بالجرائم الالكترونية وتأثيرها على الأمن القومي، بالتوازي مع مطالبات النواب بإقرار قانون الجريمة الالكترونية للرقابة على الفيس بوك، ولأول مرة أيا يطرح كتب عن الميكانيا ووجودة المشروعات والتخطيط لها. كل هذه المجالات لأول يطرحها ويهتم بها الجيش ويتحدث عنها.

وأضاف عبد الحليم: "هذا الدور التثقيفيّ لا بدّ أن ينتقل إلى أبناء الشعب، خصوصاً في ظلّ التحدّيات التي تواجه الدولة والإرهاب الذي يحيط بها من كلّ اتّجاه، وبالتالي هذا الدور مهمّ، لأنّ وعي الشعب هو السبيل لمواجهة تلك التحدّيات".

ورفض عبد الحليم أيّ اتّهامات من الخبراء والمتابعين، للجيش بمحاولات اقتحام المجالات الحياتيّة كالسياسة والصحة والاقتصاد والثقافة، قائلاً: "الجيش جزء من النسيج الوطنيّ للشعب وسيظلّ".

فيما يرى الروائيّ والباحث في علم الاجتماع السياسيّ الدكتور عمّار علي حسن، في تصريحات لـ «المونيتور» ، إنّ التمدّد العسكريّ داخل الثقافة المصريّة يمثّل خطورة على المؤسّسة العسكريّة نفسها قبل الدولة، قائلاً: "الثقافة العسكريّة والبنية الهيكليّة لتلك المؤسّسة تجعلها غير قادرة عن إنتاج محتوى إبداعيّ حقيقيّ، لأنّ ثقافتها قائمة على تنفيذ التعليمات من دون نقاش، وبالتالي لا تقبل الرأي الآخر. فمثلاً هل من الممكن أن يتحدّث ضابط جيش عن المشاهد الوحشيّة التي يشاهدها خلال عمله ويدوّنها في كتاب أو سيرة ذاتيّة؟! فإذا فعل ذلك، يتمّ تحويله فوراً إلى المحاكمة العسكريّة".

وتحظر المادة 103 من القانون رقم 232 لسنة 1959 بشأن شروط الخدمة والترقية لضباط القوات المسلحة، على الضباط إبداء الآراء السياسية أو الاشتغال بالسياسة. كما تحظر المادة 104 من القانون ذاته على الضباط أن يفضي بمعلومات أو إيضاحات عن المسائل التي ينبغي أن تظل سرية

وأضاف حسن في تصريحات إلى "المونيتور": "خلّي الجيش في مكانه، يحمي الدولة ويواجه أعداء الوطن في الخارج، هذه وظيفته، ويترك شؤون الثقافة والتعليم والاقتصاد لنا".

وأكمل: "من الواضح جدّاً أنّ الجيش المصريّ يسعى إلى التمدّد والانتشار في النواحي الثقافيّة، بهدف التأثير على المواطنين، خصوصاً بعد أحداث 25 كانون الثاني/يناير 2011، حيث يتصوّر أنّ مصر تتعرّض إلى مؤامرات خارجيّة تستهدف الدولة، ومن هنا تأتي أهمّيّة اختراق العقول المصريّة لإعادة تشكيلها بما يتوافق مع أفكاره".

وقال: "منذ عقود طويلة يهتمّ الجيش بالأبحاث والدراسات، خصوصاً في ما يتعلّق بالعلوم العسكريّة، بهدف تثقيف جنوده وضبّاطه، هذا أمر جيّد للغاية، نحترمه ونقدّره عليه، ولكنّ اهتمامه بالتنمية الثقافيّة للمدنيّين لم يكن موجوداً من قبل، فهذه الثقافة جديدة على المؤسّسة العسكريّة".

شهد جناح القوات المسلحة إقبالًا كبيرًا من الجمهور لمن يتجاوز عمرهم الأربعين عامًا، إلا إنه وبالرغم من التنظيم والاستعداد من قبل المنظمين، فلم ينجح في جذب شريحة الشباب، التي عزفت عن المشاركة في الجناح، وفضلت الاستعانة بدور نشر أخرى، والذي ظهر ذلك من خلال ارتفاع المبيعات لدور النشر الأخرى، حيث حققت إصدارات مركز تحقيق التراث أعلى نسبة مبيعات، وأيضًا الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية أعلى مبيعات في تاريخ مشاركتها. هذا ولم تعلن القوات المسلحة عن حجم المشاركة والإقبال من الجمهور في المعرض.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : military, books, culture, egyptian society, egyptian culture, egyptian armed forces

خالد حسن، صحفي مصري حر، متخصص في الشؤون السياسية والتحقيقات. بدأ العمل الاحترافي بمهنة الصحافة عام 2010 فور تخرجه من جامعة عين شمس. عمل فى العديد من الصحف المصرية بأقسام الأخبار والسياسة والتحقيقات. قام بإنجاز عدة تحقيقات استقصائية مع شبكة أريج "اعلاميون من أجلصحافة استقصائية."

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept