نبض تركية

حلم أردوغان العثمانيّ يثير عاصفة في البحر الأحمر

p
بقلم
بإختصار
أحيت صفقة التعاون العسكريّ غير المتوقّعة بين تركيا والسودان وتأجير جزيرة سواكن المخاوف العثمانيّة في المنطقة.

بات للمحور الخليجيّ المصريّ الآن سبب آخر للتشكيك في طموحات تركيا في المنطقة. فقد ذهب الرئيس رجب طيب أردوغان، في المحطّة الأولى من جولته الإفريقيّة في أواخر كانون الأول/ديسمبر، إلى السودان ليسأل إذا كان بإمكان أنقرة استئجار جزيرة سواكن. ووافق الرئيس السودانيّ عمر البشير على طلب أردوغان.

وينفي أردوغان نفياً قاطعاً المزاعم بشأن اعتزام تركيا بناء قاعدة عسكريّة في سواكن. لكنّ الجزيرة، التي شكّلت في الماضي مخفراً أماميّاً عثمانيّاً في البحر الأحمر، يمكن أن تكتسب بسهولة ميزات عسكريّة تؤمّن لتركيا قاعدة عسكريّة ثالثة في الخارج، بالإضافة إلى قاعدتيها في قطر والصومال.

ووقّع أردوغان، أثناء زيارته إلى السودان، 13 اتّفاقاً شمل مطاراً جديداً للعاصمة خرطوم، ومنطقة تجارة حرّة في بورتسودان، وميناء وحوضاً للسفن العسكريّة والمدنيّة في البحر الأحمر، ومخازن للحبوب في مواقع مختلفة، وجامعة ومستشفى ومحطّات للطاقة الكهربائيّة. ويطمح هذان البلدان إلى زيادة حجم التبادل التجاريّ السنويّ بينهما من 500 مليون دولار حالياً إلى 10 مليارات دولار.

وأثار البلدان الذعر في العالم العربيّ عندما اتّفق رئيسا هيئة الأركان فيهما على تعزيز التعاون العسكريّ، بالإضافة إلى تمتّع تركيا بسيطرة موقّتة على جزيرة سواكن. وقد استخدم أردوغان مفهوم "التقمّص" كاستعارة ليفسّر سبب اهتمامه الكبير بهذه الجزيرة التي يسمّيها السودانيّون "بوّابة إفريقيا"، ما زاد من مخاوف الأتراك في المنطقة.

لقد خسرت جزيرة سواكن مكانتها وتحوّلت إلى حطام عندما بُنيت بورتسودان على بعد 30 ميلاً شمالاً بين العامين 1905 و1909. لكنّ أردوغان اتّهم دول الغرب بتحويل سواكن إلى "جزيرة شبح".

وقال في 25 كانون الأول/ديسمبر في خطاب في جامعة الخرطوم: "دمّروها بشكل كامل... هذه طبيعتهم. إنّ تدميركم لهذا المكان أشبه بحلاقتنا للحانا. سوف نعيد بناءه وإعماره لكي ينمو بكثافة أكبر، تماماً كلحية محلوقة".

ويخطّط أردوغان لما يأتي: إذا سُلّمت الجزيرة إلى تركيا، ستقوم وكالة التعاون والتنسيق التركيّة ("تيكا") ووزارة الثقافة والسياحة بترميم الآثار العثمانيّة هناك، بما في ذلك نزل مؤلّف من 300 غرفة. وتعمل "تيكا" في الجزيرة منذ العام 2011، وقد رمّمت مسجدي الحنفي والشافعي. وعند الانتهاء من مشروع الترميم بكامله، سيصبح بإمكان المواطنين الأتراك المسافرين إلى مكّة لأداء العمرة السفر إلى السودان جواً لزيارة أماكن تاريخيّة، ثمّ الذهاب إلى جدّة بحراً، معيدين بذلك إحياء قاعدة عثمانيّة وطريق العمرة القديم.

وليس مؤكّداً أنّ الجزيرة ستتحوّل إلى قاعدة عسكريّة، لكنّ مشروع ميناء السفن العسكريّة والمدنيّة واتّفاق التعاون العسكريّ كافيين لإثارة الشكوك، خصوصاً في مصر والمملكة العربيّة السعوديّة.

تخشى مصر أن يصبح السودان، الذي يستمدّ القوّة من دعم تركيا له، أكثر صرامة في مطالبته بمثلّث حلايب المتنازع عليه والواقع على ساحل البحر الأحمر. ونشرت مصر جنوداً في حلايب في التسعينيّات لإعاقة الطموحات السودانيّة. بالإضافة إلى ذلك، استاءت مصر من دعم السودان لإثيوبيا في خلاف حول سدّ النهضة على نهر النيل. فالمصريّون يخشون أن يؤدّي تحالف تركيّ عسكريّ مع السودان إلى اختلال ميزان القوى في المنطقة.

وتخشى مصر أيضاَ أن يكون لبلد قويّ مثل تركيا، التي تدعم جماعة الإخوان المسلمين، نفاذ مباشر إلى بلد مجاور. وقد قامت مصر بنفي زعماء هذه الجماعة الإسلاميّة السنيّة التي أيّدت الإدارة السابقة.

وكتب الصحافيّ المصريّ عماد الدين أديب عن مخاوف مصر في عمود في صحيفة "الوطن" في 27 كانون الأول/ديسمبر جاء فيه ما يأتي: "يلعب بشار [الأسد] بالنار مقابل الدولارات. وينتهك السودان الوقائع الجغرافيّة والتاريخيّة ضدّ مصر – بجنونه التركيّ، وبالمخطّطات الإيرانيّة والخطّة الإثيوبيّة الهادفة إلى حرمان مصر من المياه، وحيل قطر الماليّة. فالسودان يقدّم موانئه وحدوده من أجل إرسال الأسلحة والإرهابيّين إلى مصر وخدمة أهداف التحالف القطريّ المصريّ المتمثّلة بإعادة الإخوان المسلمين إلى السلطة".

ويخشى السعوديّون أن تتحوّل قاعدة في السودان تسيطر عليها تركيا – التي تتعاون مع إيران – إلى منصّة دعم للمتمرّدين الحوثيّين في اليمن المدعومين من قطر وإيران. فالسودان، وعلى الرغم من وعده بالبقاء على الحياد، يعطي انطباعاً بأنّه يدعم قطر في نزاعها مع المملكة العربيّة السعوديّة ومصر والإمارات العربيّة المتّحدة. وتُعتبر شراكة مع تركيا مؤشّراً ملموساً على التغيير في محور السودان.

وقدّمت وسائل الإعلام العربيّة تغطية واسعة لتصريحات جاء فيها أنّ الاتّفاقات الـ 13 بين السودان وتركيا – البالغة قيمتها 650 مليون دولار – تمّت في الواقع بتمويل من قطر. وكانت قطر قد أعلنت في تشرين الثاني/نوفمبر عن خطط لتطوير مرفأ مع السودان على البحر الأحمر.

وتزامناً مع جولة أردوغان الإفريقيّة، توجّه رئيس الوزراء التركيّ بن علي يلدريم إلى المملكة العربيّة السعوديّة لمحاولة تقييم التطوّرات في البحر الأحمر وتبديد المخاوف. لكنّه لم ينجح. ومع أنّ القيادة السعوديّة لزمت الصمت، إلا أنّ التعليقات في وسائل الإعلام التي تسيطر عليها كشفت عن مخاوفها.

وذكّر الكاتب في صحيفة "عكاظ" السعوديّة، محمد أبو طالب، القرّاء بأنّ السودان أفلت من العقوبات بفضل السعوديّين. واتّهم السودان بخدمة طموحات تركيا التوسعيّة.

وكتب أبو طالب: "تسعى تركيا بشكل صارخ إلى التوسّع في المنطقة وتستغلّ نفوذها، خصوصاً ضدّ مصر والدول الخليجيّة. لقد كان الجانب الأكثر خطورة في هذه الزيارة تسليم أردوغان جزيرة سواكن، التي تقع قبالة جدّة والتي يعتبرها رمزاً للامبراطوريّة العثمانيّة".

أمّا صحيفة "غالف نيوز" فكتبت أنّ "إيران تستطيع استعمال القاعدة التركيّة الجديدة في السودان لشحن مزيد من الأسلحة إلى الحوثيّبن. وتستطيع تركيا، من خلال استعمال المنشأة العسكريّة الجديدة، إرسال مزيد من الجنود إلى قطر أو التدّخل بشكل أكبر في مصر من خلال التلاعب بالإخوان المسلمين. ولا شكّ في أنّ ذلك سيثير قلق الأردن بقدر مصر. فالاستفزازات التركيّة والسودانيّة قد تعيد إحياء الطموحات السودانيّة المتعلّقة بحلايب [المنطقة المتنازع عليها]".

وكتبت صحيفة "الأخبار" المصريّة أنّ الصفقات السودانيّة مع تركيا تشير إلى تغييرات في محور السودان من شأنها أن تثير قلق الدول الإقليميّة.

ونشر الموقع الإلكترونيّ الخاصّ بقناة "العربيّة" تعليقاً ناريّاً جاء فيه أنّ "الوجود العثمانيّ في سواكن مرتبط بمجازر السودانيّين".

إنّ آخر ما يريده العرب هو رؤية الإرث العثمانيّ ينبعث من جديد على سواحل البحر الأحمر، علماً أنّهم يأخذون خطابات إردوغان الناريّة على محمل الجدّ.

إلى أيّ مدى تُعتبر مخاوفهم مبرّرة؟ هل هناك بالفعل انبعاث للعثمانيّين؟ لقد دأب أردوغان على استذكار الأسلاف العثمانيّين والمطالبة بالآثار العثمانيّة والإشارة إلى الإرث العثمانيّ عند التحدّث عن الشرق الأوسط وإفريقيا. فهو يعتبر إفريقيا منطقة فرص، ويعتقد أنّه لديه الحقّ أكثر من أيّ شخص آخر في التواجد هناك. وقال أردوغان أثناء زيارته إلى السودان إنّ "الامبرياليّين الذين يشتمّون رائحة النفط هم أكثر خطورة من سمكة قر تشتمّ رائحة الدم"، مشيراً مراراً وتكراراً إلى أنّ العثمانيّين ليس لديهم ماضٍ امبرياليّ.

ويعتقد أردوغان أيضاً أنّه يستطيع التعويض في إفريقيا عن عزلته في الأماكن الأخرى. بالفعل، إنّ إفريقيا هي أقلّ منطقة تزعزعت فيها صورة تركيا. وكانت زيارة أردوغان الأخيرة إلى السودان وتشاد وتونس زيارته الخامسة إلى إفريقيا منذ وصوله إلى سدّة الرئاسة سنة 2014. وقد وقّع أيضاً اتّفاقاً عسكريّاً مع تونس لتدريب الجنود التونسيّين في تركيا وللاستثمار في المجال الدفاعيّ.

ومنذ أن أعلنت تركيا العام 2005 "عام إفريقيا"، زادت عدد سفاراتها في القارّة من 12 إلى 38. ولديها وجود عسكريّ كبير في الصومال حيث افتتحت قاعدة في أيلول/سبتمبر الماضي. وباتت هذه القاعدة، التي كلّف بناؤها حوالى 50 مليون دولار، تؤوي 200 جنديّ تركيّ وتضمّ أكاديميّة عسكريّة سيتدرّب فيها الجنود الصوماليّون.

وأرسلت تركيا أيضاَ فرقتها العسكريّة الأولى إلى قاعدة بالقرب من العاصمة القطريّة الدوحة في حزيران/يونيو. وحتّى الآن، تضمّ القاعدة التي يمكنها استيعاب 5 آلاف جنديّ ما لا يزيد عن مئة جنديّ. ومن المتوقّع أن يرتفع عدد الجنود فيها إلى 3 آلاف.

باختصار، إنّ مقاربة أردوغان المتمثّلة ببناء علاقات إفريقيّة من خلال استحضار التاريخ والدين هي أكثر ما يقلق العرب. بإمكان تركيا الاستفادة بشكل أكبر من خلال بناء علاقاتها على أساس المصالح المشتركة بدلاً من استذكار التجارب الماضية المريرة. ويرتكب أردوغان خطأ بتحوّله إلى طرف في النزاعات الإقليميّة بينما يحاول بناء جسور جديدة في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، يفضّل إقامة علاقات شخصيّة بدلاً من علاقات مؤسسيّة راسخة، ما يطرح علامات استفهام حول استدامة الخطط التركيّة الطموحة في إفريقيا.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept